الأزهر يرفض قيام الحكومة بجمع الزكاة

القاهرة - من محمد جمال عرفه
علماء الازهر رفضوا وضع الزكاة تحت السيطرة الحكومية

أسدل مجمع البحوث الإسلامية التابع للأزهر الشريف الستار حول الجدل الدائر بين علماء واقتصاديين مصريين بشأن إصدار قانون للزكاة يسمح للدولة المصرية بجبايتها رسميا للخزينة العامة وتولي إنفاقها، واصدر توصية في ختام في اجتماعات استمرت قرابة أسبوعين استبعد بموجبها فكرة إصدار تشريع خاص لجمع الزكاة بواسطة الدولة المصرية.
جاء في بيان المجمع، الذي كلفه شيخ الأزهر محمد سيد طنطاوي بدراسة الفكرة في أعقاب طرح اقتصاديين ومدير مركز صالح كامل للاقتصاد الإسلامي بجامعة الأزهر لها، أنه يحق لمن يؤدون زكاة أموالهم أن يختاروا الجهة التي تتولى إنفاقها على مستحقيها، ومن أراد أن يؤديها لخزانة الدولة باختياره فلا حرج عليه.
إلا أن أعضاء المجمع، الذي يحال إليه المسائل المثيرة للجدل دينيا وترأسه الدكتور محمد سيد طنطاوي شيخ الأزهر، استبعد إصدار قانون للزكاة يلزم أداءها لجهة معينة على اعتبار أن هناك فرقا بينها وبين الضرائب.
وكان شيخ الأزهر، الذي عارض فكرة إصدار قانون لجمع الزكاة رسميا من قبل الدولة، قد أحال فكرة إصدار قانون لجمع الزكاة إلى مجمع البحوث الإسلامية لبحثها في أعقاب طرح الفكرة علي مستوي رسمي وحديث وزير المالية المصرية عن إمكانية جباية قرابة 12 مليار جنيه سنويا هي قيمة تقديرات الزكاة في مصر.
ورغم إعلان وزير المالية المصري التخلي عن فكرة إصدار هذا القانون المثير للجدل إثر تصاعد الاعتراضات علي مشروع القانون، إلا أن مجمع البحوث الإسلامية استمر في بحث الأمر ليصدر رأيه النهائي السالف الذكر.

مشروع القانون المرفوض
وكانت ندوة عقدت في نهاية العام الماضي في جامعة الأزهر قد طرحت فكرة إصدار تشريع جديد من جانب الحكومة المصرية تقوم الدولة بموجبه بجمع الزكاة بجانب الضرائب، واعتبر البعض أنها محاولة للبحث عن مورد مالي جديد لتغطية جزء من الأنفاق الحكومي في ظل توقعات مؤكدة بزيادة عجز موازنة العام المالي الحالي 2002.
وتوقع الدكتور مدحت حسانين وزير المالية المصري أن تنجح الحكومة المصرية في جباية ما يزيد على 12 مليار جنيه سنويا هي قيمة تقديرات الزكاة في مصر في حالة إصدار قانون للزكاة في مصر وإنفاقها بطريقة أكثر فاعلية.
وقد أعد الدكتور محمد عبد الحليم عمر مدير مركز صالح كامل للاقتصاد الإسلامي بالفعل مشروعا لهذه الفكرة وعقد ندوة بالمركز في اليوم الأخير من العام 2001 لمناقشته، حضرها حشد كبير من المسؤولين ورجال الاقتصاد والعلماء، ودارت مناقشات مستفيضة فيها حول تأييد أو رفض مشروع القانون هذا.
وقال الدكتور محمد عبد الحليم عمر صاحب الفكرة إن الزكاة ركن من أركان الإسلام وأداؤها مسؤولية كل مسلم مالك للمال ومسؤولية على الدولة في إطار واجبها المقرر بحراسة الدين وسياسة الدنيا، وقال إن الله سبحانه وتعالى عندما أمر نبيه في قوله تعالى "خذ من أموالهم صدقة تطهرهم وتزكيهم بها " كان يخاطب كل حاكم مسلم بذلك، وهو الأمر الذي يحتم إصدر قانون ينظم قيام الدولة بهذا الدور.
وقال إن تنظيم الزكاة عن طريق قانون يعود على جميع الأطراف بالخير وسيوفر للمزكين أسسا تستند إلى الأحكام الشرعية لتقدير ما عليهم من زكاة وقيام الدولة بهذا الدور يعمل على توصيل زكاتهم إلى المستحقين دون خطأ كما أن القانون سيساعد بعض المسلمين الذين يتقاعسون عن أداء الزكاة في أداء الفريضة بما يحفظ عليهم دينهم، وأخيرا فإن وجود قانون للزكاة تقوم الدولة على تطبيقه يحفظ للفقير كرامته ويكفيه مذلة السؤال.
ولكن مبررات صاحب المشروع لم تقنع الكثيرين، فالدكتور حاتم القرنشاوي أستاذ الاقتصاد الإسلامي وعميد كلية التجارة بالأزهر اعترض على إصدار قانون لجمع الزكاة، وقال إن هناك أزمة ثقة في المؤسسات التي تقوم على تجميع الزكاة سواء كانت رسمية أو أهلية، وان إصدار قانون أو إنشاء وزارة تابعة للدولة لجمع الزكاة مثلا لن ينجح في تحقيق الهدف منه لأن ارتباط تحصيل الزكاة بالمؤسسة الرسمية أثبت فشله على مدار التاريخ الإسلامي.
ورغم ذلك اقترح الدكتور القرنشاوي إنشاء مؤسسات أهلية تقوم بتجميع الزكاة في أقاليم جغرافية صغيرة بشرط أن تتوافر في القائمين على هذه المؤسسات الثقة الكاملة حتى يؤدي الناس ما عليهم من زكاة وهم متأكدين أنها سوف تنفق في مصارفها الشرعية.

شيخ الأزهر يعترض
ولكن الدكتور محمد سيد طنطاوي شيخ الأزهر فجر مفاجأة كبيرة على غير المتصور في الندوة المذكورة عندما أعلن اعتراضه على إصدار قانون للزكاة، مؤكدا أن قيام الحكومة بجمع الزكاة وفقا لقانون رسمي سيؤدي إلى تهرب الناس من إخراج زكاتهم الشرعية لعدم ثقتهم في إنفاق الحكومة هذه الأموال في مصارفها الشرعية.
وقال إن هناك الكثير من الجهات والهيئات الحكومية تقوم بجمع الزكاة وإنفاقها في مصارفها الشرعية دون الحاجة إلي إصدار قانون إلزامي للمصريين بدفع الزكاة، وإن الإسلام أعطى الحرية لكل مسلم لاختيار المكان الذي ينفق فيه زكاته، ودعا شيخ الأزهر لمناقشة أي قانون يتعرض لأمور إسلامية في مجمع البحوث الإسلامية التابع للأزهر أولا حتى يقرر مشروعيتها أولا وهو ما حدث أخيرا.

المشاريع الخيرية تتضرر
كذلك آثار خبراء اقتصاديون عشرات الأسئلة حول تأثير جمع الدولة للزكاة علي حصيلة الضرائب التي تقوم بجمعها حاليا ، وعلي تأثيرها أيضا على أوجه الخير ومظاهر التراحم بين المسلمين والتي تظهر في العديد من الأمور مثل : موائد الرحمن، وقيام العديد من أصحاب الخير بإدارة مشاريع خاصة بدفع الزكاة عبر جمعيات خيرية أو بشراء ملابس ومستلزمات للأسر الفقيرة من خلال حصيلة تبرعات الزكاة التي يدفعها الأغنياء.
أما أهم الأسئلة التي طرحها محمد موسى رئيس اللجنة التشريعية في البرلمان المصري فكانت حول كيفي دفع النصارى في الدولة لهذه الزكاة ، حيث قال: "كيف يدفعون؟ وتحت أي مسمى بحيث لا يتعارض هذا مع الدستور ؟".

الزكاة تسدد ديون مصر !
وكانت فكرة تسديد أعباء مالية للحكومة المصرية قد طرحت منذ عشرات السنين، وسبق للكاتب فهمي هويدي أن سعي للربط بين حجم ديون مصر الخارجية وحجم زكاة المصريين وخلص إلى أن حجم الزكاة يعادل حجم هذه الديون التي تثقل كاهل المصريين وحكومتهم وتذل رقبتها للدائنين بما يضغط علي القرار السياسي المصري.
ومع عودة الحديث عن جمع الزكاة رسميا بقانون لتوفير وارد للدولة المصرية عاد الحديث عن الاستدانة من الخارج، حيث أنتقد الدكتور عبد المعطي بيومي الأستاذ بجامعة الأزهر قيام الحكومة بالاستدانة من جهات أجنبية وبفوائد لتمويل مشروع خيري مثلا ، وتساءل : ما العيب في إصدار تشريع لجمع الزكاة من أجل المصلحة العامة؟. (ق.ب)