فيلم فلسطيني في عشق القدس

القدس - من ماجده البطش
عشق القدس تربية يكبر عليها الفلسطينيون

"في اكلك احتلال وفي رزقك احتلال وكيفما التفت احتلال"، كلمات يقولها بغضب علي جدة، الفلسطيني الاسود الذي يروي اولى القصص التي اراد المخرج اكرم الصفدي ان يحكيها عن القدس ليرسم صورة لها يستطيع ان يتنقل فيها بحرية، على حد قوله.
وفي غرفة لتظهير الافلام، يبدأ الصفدي فيلمه "قصص من القدس" بحديث عن علاقته بعلي جدة، اول ثلاث شخصيات حقيقية ولدت وعاشت في القدس ولكل منها ذاكرتها لكنها تشترك في بحثها القلق عن المستقبل.
ويتناول الصفدي المقدسي المولد صورة من الماء بعد تظهيرها في غرفة التحميض، وهو يواصل حديثه عن علاقته بالشخصية الاولى في الفيلم الذي عرض مؤخرا للصحافيين في قاعة المسرح الوطني الفلسطيني في القدس الشرقية، لتتطابق مع الشخصية الحقيقية.
ويتحدث علي جدة، الوجه المعروف في القدس الذي جاءت اسرته من تشاد لزيارة المسجد الاقصى بعد الحج الى مكة المكرمة واستقرت قرب الحرم الشريف في مدينة القدس، عن علاقته بالمدينة المقدسة، ويقول ان "القدس بحر اغرق فيه".
ثم يسهب في الحديث عن خياره مقاومة الاحتلال الاسرائيلي واعتقاله في احد السجون الاسرائيلية، وبانفعال حاد ينقله الصفدي بدقة، يؤكد انه لا يقوى على التعايش مع الاحتلال الاسرائيلي، قائلا "في اكلك احتلال في رزقك احتلال كيفما التفت احتلال".
ويتابع علي جدة الذي يعيش الحاضر بقسوته ان "الاحتلال يشوه ابتسامتنا ونفسياتنا ويدمر كل شئ جميل في حياتنا" ثم يضيف بحزن ان "كل اطباء وعلماء النفس لا يستطيعون معالجتنا فالعلاج الوحيد هو خروج الاحتلال من عندنا".
ومن علي جدة ينتقل المخرج المقدسي المولد الى مغنية الاوبرا ريم تلحمي (31 عاما) التي "استحوذت عليها القدس برائحتها وشوارعها فاستبقتها الى الابد".
وتجمع بين هذه السيدة التي جاءت من مدينة شفاعمر (شمال اسرائيل) والمخرج هموم الفن ولغته والبحث عن الذات في ظل اوضاع فلسطينية صعبة، لا مجال للفرد فيها في المعارك المصيرية للجماعة.
وبينما تروي قصة انتقالها من شفاعمر وتخصصها بغناء الاوبرا وسعيها للجمع بين امومتها وعملها الفني، تعبر عن نشوتها وهي تغني بصوت السوبرانو العميق الذي كان الخلفية الموسيقية للفيلم.
وتقول ريم ان القدس "استحوذت علي برائحتها وشوارعها وابقتني فيها الى الابد".
اما الشخصية الثالثة فهي فاروق الدزدار (51 عاما) المتحدر من عائلة من العسكريين الاتراك والذي "يخرجني الى عالم آخر في مدينة القدس"، على حد تعبير الصفدي.
وتملك اسرة هذا الرجل بيتا كبيرا وجميلا في مدينة القدس بني منذ عهد الاتراك، علقت على احد جدرانه صورة لاحد اجداده العسكريين تعبيرا عن تعلقه بامجاد الماضي، لكن هذا البيت لا علاقة له بالماضي العسكري لانه اصبح مطعما وتقام فيه الحفلات.
واوضح الصفدي "اردت ان اصنع فيلما استطيع ان ارتحل فيه بين احداث وشخصيات يومياتي العادية بدون قيود، انه صورة لوجه مدينة احاول رسمها من خلال شخصيات اصبحت مع مرور الوقت جزءا من روتين حياتي اليومية".
ويضيف انه سعى اثناء تصوير الفيلم "للوصول الى تكوينات بصرية غنية بعناصر السرد تتمتع بقوة التأثير والجمال واثارة الفضول لمتابعة المزيد".
ويؤكد هذا المخرج "انها صورة لمدينتي كما اراها من خلال حياة هؤلاء القريبين مني (...) ومحاولة للوصول الى لغة بصرية ملائمة لتتبع استمرارية عاطفية مشحونة باحاسيس الانتظار والرغبة بعالم آخر تعيشه رموز انسانية تبحث عن شروط بقائها الذاتي".