مؤشّرات المشاركة السياسية في البلدان العربية: الانشغال بالسياسة والانشغال بقضايا المجتمع

بقلم: ماجد كيالي

أكدت الأحداث السياسية التي عصفت بالمنطقة العربية، في العقدين الأخيرين، تآكل مكانة الأحزاب والتيارات السياسية العربية، عموما، ولاسيما منها التيارات الماركسية والقومية، كما أكدت، أيضا، انحسار دور الجماهير التي تتوسلها تلك الأحزاب في نشاطها التغييري.
وكانت غالبية الأحزاب العربية برزت في الأربعينيات والخمسينيات وازدهرت في الستينيات بفضل حاملها الاجتماعي المتمثل بالفئات الوسطى والتي تتمتع بقسط وافر من التعليم والثقافة والمستوى المادي إلى جانب الطموح في الارتقاء على المستويين السياسي والاجتماعي. وقد انتعشت هذه الفئات بفضل مشاريع التنمية وازدهار النشاط الثقافي والفني.
ولكن التحولات الحاصلة في معظم البلدان العربية منذ منتصف السبعينيات أدت إلى انحسار دور الفئات الوسطى، بسبب القيود التي أجهضت عمليتي التنمية الاقتصادية والاجتماعية، والمتمثلة بتغليب مظاهر السلطة على الدولة واستشراء ظاهرة الفساد وسوء الإدارة وتهميش القانون والأحزاب والمشاركة الشعبية، بالترافق مع إهمال التطور العلمي ونظام التعليم والانصراف عن أية محاولة للتكامل الاقتصادي العربي. وبهذا المعنى فإن أفول الأحزاب العربية كان تحصيل حاصل لأفول الفئات الوسطى ولإجهاض مشروعات التنمية ومن ضمن ذلك مشروع بناء دولة المواطن أو دولة المؤسسات والقانون.
بنتيجة ذلك يبدو من الطبيعي أن الحيز الاجتماعي (الشعبي) الذي اجتذبته أو حرّكته هذه الفئات بات خارج المعادلات السياسية أو تحول إلى قوة مهمشة وسلبية، أحيانا، وهو ما يمكن ملاحظته في الاستنفار الذي يحصل على خلفيات عشائرية أو طائفية أو إثنية تعكس التحيزات العصبية للانتماءات والثقافات القبلية والقديمة، في حين أن الأولويات والتحديات التي تتعلق بالوطن والمواطنة، من القضايا الصغرى إلى القضايا الكبرى (ومن ضمنها قضية الانتفاضة) قد لا تجد إلا تأثيرا ظرفيا ومحدودا في معظم الأحوال.
وبمعنى آخر فإن الأحزاب العربية السائدة، التي طالما استمرأت الحديث عن الشعب معتبرة نفسها ولية أمره ووصية على مصالحه، كانت في خطاباتها هذه تحجب حقيقة استهتارها أو جهلها بأوضاعه، فهي لم تول اهتماما حقيقيا لقضايا الشعب الملموسة والحياتية، باعتبارها قضايا صغيرة قد تشغلها عن القضايا الكبرى: قضايا التحرير والوحدة والاشتراكية! لذلك عندما حانت لحظة الحقيقة خلت ساحة السياسة العربية ليس من الأحزاب فحسب، وإنما من الجماهير أيضا. وعليه فإن العاملين في حقل السياسة معنيون بتفحص واقع العمل السياسي ليس في تخلف البيئة الحزبية العربية، فحسب وإنما أيضا في تخلف البني المجتمعية والموروث الثقافي، فهنا تكمن أسباب انحسار المشاركة الشعبية، حيث وسيلة العمل السياسي وموضوعه.
ويمكن من خلال المؤشرات الآتية تفحّص الأسباب الأساسية لتدني مستوى المشاركة الشعبية في السياسة العربية، فإذا أخذنا مؤشرات الأمية والتعليم نجد أن نسبة الأمية في المجتمعات العربية تبلغ 59 بالمئة، وهي بين الإناث تصل إلى 74 بالمئة (بحسب الكتاب الإحصائي لليونسكو 1997)، أما الإنفاق على التعليم فهو ضئيل إذ أن نصيب الفرد بلغ في العام 1994 حوالي 110 دولار أميركي، في حين أنه وصل في البلدان المتقدمة إلى 1211 دولارا أميركيا (التقرير الاقتصادي العربي الموحد للعام 1998). وبالنسبة لمؤشر وسائل الاتصال فالوضع ليس أفضل حالا، إذ أن نصيب كل ألف من السكان من خطوط الهاتف في الدول العربية (للعام 1995) بلغ 49 خطا، ومن أجهزة الفاكس 1.5 ومن الحاسبات الشخصية 5.7، ومن وصلات الانترنت 0.2، في حين أن نصيب كل ألف من السكان في الدول المتقدمة من الخطوط والأجهزة المذكورة يصل إلى: 414، 23، 156، 18، على التوالي (تقرير التنمية البشرية لعام 1999). وحصة كل ألف من السكان في البلدان العربية من الصحف تبلغ 41 صحيفة في حين أن حصة الفرد في البلدان المتقدمة تزيد عن 250 صحيفة. وإذا تفحصنا مؤشر البني التحتية والبحث والتطوير فإننا سنجد واقعا بائسا، وبحسب الشيخ عبد الله العلي النعيم رئيس مجلس أمناء المعهد العربي لإنماء المدن (مقره الرياض) فإن معدل النمو السكاني في العالم العربي يبلغ 4.3 بالمئة سنويا، وهو من المعدلات العالية في العالم، ما يزيد من مشكلة العالم العربي بخاصة في ظل إداراته السائدة وسوء التصرف بموارده، وبحسب الشيخ النعيم فإن الصرف الاستثماري على البنية التحتية في العالم العربي يبلغ 32 دولارا في السنة(!) مقابل 1133 دولارا في الدول الصناعية أي بنسبة تقل عن 300%. ويعكس الإنفاق على البحث والتطوير صورة أكثر تشاؤما، إذ أن حصة الفرد في البلدان العربية تبلغ 8 دولار سنويا في حين أنها تزيد عن 250 دولارا في الدول المتقدمة (التقرير الاقتصادي العربي الموحد لعام 1998). أما مؤشر المشاركة في السياسة المباشرة فيعكس ظاهرة اللامبالاة والسلبية فقد أصدرت جماعة تنمية الديمقراطية، في مصر، في العام 1997 تقريرا جاء فيه: أن 88 بالمئة من الشعب المصري لا ينتمون إلى الأحزاب السياسية، وأن 67 بالمئة منهم ليس لديهم أي اهتمام بالأمور السياسية وأن 52 بالمئة ممن لهم حق القيد في الجداول الانتخابية مقيدون، وأن 20 بالمئة فقط يشاركون في الانتخابات. أما تقرير التنمية البشرية للعام 1999 فيشير إلى أن نسبة المشاركين في التصويت للانتخابات قد بلغ في: لبنان 44%، الأردن 47%، مصر 48%، في العام 1995. أما إذا تفحصنا مؤشر الفقر فيكفي أن نذكر بأن متوسط الدخل للفرد في الأقطار العربية يبلغ حوالي 2200 دولار سنويا، وثمة دول عربية عديدة يبلغ متوسط الدخل فيها أقل من نصف هذا المبلغ، حيث أن أكثر من نصف السكان تحت مستوى الفقر، في حين تتزايد معدلات البطالة بشكل مريع لتبلغ 20 بالمئة، في ظل تناقص فرص العمل المترافقة من التزايد في التزايد السكاني، وهو ما يفسر، من ضمن أسباب أخرى، ظاهرة الهجرة بين الكفاءات.
كل المؤشرات السابقة تشير إلى ارتباط المشاركة والديمقراطية بمستوى التعليم والوعي الاجتماعي كما بمستوى الاكتفاء المعيشي. إذ أن تفشي الجهل والفقر والعوز للحاجات الأساسية والخوف من المستقبل والشعور بالدونية تجاه السلطة والافتقار لآليات الحوار والتواصل تؤدي إلى ركود المجتمعات وإضعاف الحراك الاجتماعي والثقافي فيها، ما يعني بأن الفقر والأمية والمجتمع التقليدي عوائق أساسية أمام محاولات إنتاج مجتمع دينامي يتمتع بعلاقات مواطنة وديمقراطية حقيقية.
والنتيجة هي أن الأحزاب العربية أو الإطارات العاملة في الشأن العام معنية بمراجعة مسيرتها وأولوياتها بتلمس المشاكل والقضايا الحقيقية والملموسة التي تؤدي فعلا إلى الحراك والتغيير الاجتماعي من خلال التأكيد على مشاريع التنمية التي يمكن أن تحد من مظاهر البطالة والفقر، ومشاريع الحداثة التي تخلق ثورة في التعليم والمفاهيم والبني، ومشاريع المأسسة والديمقراطية التي تعيد الاعتبار للمواطن ودولة القانون، بحيث يصبح الانتماء والولاء للدولة وللوطن لا للقبيلة أو الطائفة ولا لذوي النفوذ المالي أو السلطة.
ولاشك في أن تجربة السياسة العربية أثبتت بأن الانشغال بالقضايا الكبرى ليس بديلا عن الاهتمام بقضايا الحياة والإنسان، وأن الاهتمام بحل القضايا الحياتية "الصغرى" من الفقر إلى التعليم إلى بناء دولة القانون والمؤسسات هي التي تساهم في بناء المجتمعات القادرة على حل قضاياها الكبرى.