اندونيسيا ترفض التدخل الاميركي في شئونها بحجة الارهاب

نعم للاسلام.. لا للرأسمالية الاميركية

جاكرتا - صرح رئيس المخابرات الإندونيسي الجنرال هندرو بريونو بأن الولايات المتحدة لا حق لها في أن تستهدف إندونيسيا في حربها الجارية ضد ما يسمى بالإرهاب .
فرغم أنه اعترف بأن إندونيسيا يمكن أن تصبح جيبا من جيوب الإرهاب، إلا أنه حرص على أن يوضح أن "ذلك لا يعني أن الولايات المتحدة يمكنها أن تجعل إندونيسيا جزءا من حربها". وان كان وازن ذلك بالقول بأن "الإرهاب جريمة دولية، وأن إندونيسيا لا تستطيع التعامل معها بمفردها، وتحتاج للتعاون في ذلك مع الولايات المتحدة".
جاء ذلك كتعبير من المسئولين بالحكومة الإندونيسية عن عدم الارتياح لما تلمّح به واشنطن من أن المرحلة التالية للحرب الأميركية قد تتضمن إندونيسيا ، خاصة في الوقت الذي بدأت فيه بالفعل قوات مسلحة أميركية تتوافد على الفليبين للتعاون مع قواتها في محاربة جماعة أبو سياف المتمردة بالجنوب .
وكان نائب وزير الدفاع الأميركي بول وولفويتز قد ذكر في حديثه مع صحيفة "نيويورك تايمز" الأميركية مؤخرا أنه يمكن رؤية مخاطر قيام "المتطرفين المسلمين والإرهابيين المسلمين بإيجاد روابط مع الجماعات المسلمة في إندونيسيا، وإيجاد ركن صغير لهم في بلد هو أصلا ليس صديقا للإرهاب" ، وأن هناك أماكن في ذلك البلد تعتبر الحكومة فيها ضعيفة للغاية".
وقد أعرب أيضا مسئولون إندونيسيون آخرون عن عدم ترحيبهم بهذا الاستهداف، الذي وضع فيه المسئولون الأميركيون إندونيسيا في نفس السلّة مع الصومال واليمن والفليبين، فقد نفى سكرتير البوليس الدولي الإندونيسي أن تكون هناك خلايا نائمة لشبكات الإرهاب الدولي. وقال أن تلك الشبكات لم تتسرب إلى إندونيسيا، رغم ما تردد عن وجود صلات بين المقبوض عليهم مؤخرا في ماليزيا وسنغافورة وبين جماعات إندونيسية متطرفة، وما تردد أيضا عن سبق قيام تنظيم القاعدة بتدريب جماعات متطرفة بمعسكر بمحافظة سولاويزي الإندونيسية .
كما صرح رئيس الجمعية الاستشارية للشعب أمين رئيس بأنه كان ينبغي على وولفويتز أن يتصل بالقيادات والأجهزة الإندونيسية، لإبداء أية شكوك حول صلات بتنظيم القاعدة بدلا من الإدلاء بهذه التصريحات.
وذكر أن بلاده مستعدة للتحقيق والإغارة على مثل هذه الحركات إذا ما توفر الدليل على تورطها .
وتأتي هذه التحفظات رغم ما رددته تقارير سابقة عن أن بعض قيادات المؤسسة العسكرية الإندونيسية ترحب بالمزيد من التعاون العسكري مع الولايات المتحدة، أملا في أن يزيل ذلك الحظر السابق الذي فرضته واشنطن على هذا التعاون منذ أعمال القمع المتشددة التي قامت بها القوات الإندونيسية في تيمور الشرقية منذ عامين. والهدف من ذلك الحصول على مزيد من الأسلحة والتمويل الأميركي ، وتدعيم مركز تلك المؤسسة العسكرية بالتالي على المسرح السياسي ، عن طريق زيادة قدرتها على التعامل مع الحركات الانفصالية المهددة لوحدة البلاد .
ورغم هذه التحفظات ، توضح التقارير بأن السلطات الإندونيسية قد صعّدت تعاونها بهدوء في مجال تبادل المعلومات مع وكالة المخابرات المركزية ومكتب التحقيقات الفيدرالي الأميركيين ، لرصد وملاحقة المجموعات الإسلامية المتشددة التي يرى مسئولون أميركيون وإندونيسيون أنها أصبحت مرتعا لبزوغ عناصر متطرفة .
فقد كشفت مصادر بجاكارتا عن أن مجموعتين إندونيسيتين على الأقل موضوعة الآن تحت المجهر، وهي "الجماعة الإسلامية" وبعض العناصر بـ "مجلس المجاهدين" خاصة بعد الكشف مؤخرا عن صلتهما بالذين قبض عليهم في ماليزيا وسنغافورة ، وللشك في صلاتهما بتنظيم القاعدة وفي تلقيهما لأموال وتدريب من الخارج .
ورغم ذلك فانه لم يتم القبض على أعضاء من تلك المجموعتين ، مما أثار المسئولين الأميركيين وجعلهم يزيدون من الضغط على السلطات الإندونيسية لكي تكون أكثر إقداما في قمع تلك الجماعات مثلما فعلت ماليزيا وسنغافورة .
وربما كان ذلك وراء الإعلان أمس عن القبض على 10 من الشباب التابع لجماعة محظورة في باندونج بمحافظة غرب جاوة تدعى "الدولة الإسلامية الإندونيسية"، وذلك بعد شكوى بعض الآباء من أن هذه الجماعة قد جنّدت عددا من بناتهم ، وأنهم لاحظوا تغيّرا في مسلكهن نحو التطرف مؤخرا.
وكانت صحيفة "واشنطن بوست" الأميركية قد ذكرت أن الشكوك في نشاط تنظيم القاعدة في إندونيسيا قد دفعت بإدارة الرئيس بوش إلى وضعها على "قائمة قصيرة" للدول التي ينبغي التركيز عليها، بينما تتجه واشنطن الآن لتوسيع حملتها العسكرية فيما وراء أفغانستان.
إلا أن الصحيفة أشارت في نفس الوقت إلى الصعوبات التي يواجهها الاستهداف الأمريكي لإندونيسيا ، والتي عبّر عنها مسئول كبير بالمخابرات الإندونيسية بالقول بأن "أصدقاءنا الأميركيين ينبغي أن يفهموا أننا في مركز حرج للغاية. فهذه الجماعات هي عدوة لنا ، تريد إيذاءنا ونحن نرغب في إيذائها بالمثل، لكننا نحتاج لاتخاذ خطوات حذرة، وإذا ما سلكنا نهجا خاطئا يمكن لحكومتنا أن يطاح بها" .
وتجدر الإشارة إلى أنه على الرغم من قيام المنظمات الإسلامية المعتدلة الكبيرة في إندونيسيا - مثل نهضة العلماء والمحمدية - بإبداء استنكارها للتطرف والدعوة للاعتدال، إلا أنها وغيرها من التنظيمات الأخرى تحذّر الحكومة من الخضوع للضغط الأمريكي والتسرع للقبض على أشخاص مثلما تم في سنغافورة وماليزيا إلا إذا كانت هناك أدلة دامغة، معبّرة في ذلك عن شعور مضاد للتدخل الأميركي يسود الأوساط الشعبية السياسية في الوقت الحاضر.