اليمن يواجه وضعا اقتصاديا صعبا

لندن
البطالة واحدة من اهم مشاكل اليمن

تشير التقارير والبيانات الرسمية اليمنية إلى أن أحداث الحادي عشر من أيلول/سبتمبر الماضي، وما تبعتها من تطورات سياسية واقتصادية وعسكرية تركت آثاراً سلبية على الاقتصاد اليمني نتيجة الخسائر الكبيرة التي منيت بها العديد من القطاعات الاقتصادية ومنها قطاعات النقل الجوي والسياحة والتأمين والعمل وعوائد الاستثمار بالإضافة إلى تراجع تحويلات المغتربين، فيما كان قطاع النفط أكثر القطاعات تضرراً بسبب تراجع سعر برميل النفط بشكل حاد في الأسواق العالمية.
وأشار تقرير أصدرته وزارة المغتربين أن السلطات الأميركية بدأت تطبيق حظر غير معلن على المعاملات والتحويلات المالية للمغتربين اليمنيين داخل الولايات المتحدة وخارجها مما أضر بمصالحهم، وأفقدت هذه الأحداث الاقتصاد اليمني مبالغ كبيرة من العملة الصعبة تقدر بحسب المصادر الرسمية بنحو 800 مليون دولار، الأمر الذي ساهم في تعقيد الأزمات الاجتماعية التي يعاني منها الاقتصاد اليمني وتفاقمها، وخاصة مشكلتي الفقر والبطالة، حيث تشير البيانات الرسمية إلى أن 34.9 في المائة من الأسر تعاني فقراً مطلقاً، كما أن هناك 5.3 مليون شخص من مجموع السكان البالغ عددهم 18.5 مليون نسمة لا يقدرون على تلبية الحد الأدنى من الغذاء. تفاصيل الخسائر لا تتوفر بيانات وإحصاءات تفصيلة عن حجم الخسائر التي مني بها الاقتصاد اليمني، لكن يتضح من المعطيات الأولية وبعض التقارير الرسمية، أنها كبيرة مقارنة مع موارد الاقتصاد اليمني والصعوبات الاقتصادية والاجتماعية التي يعاني منها، وفي هذا الإطار أكد وزير التخطيط والبيئة اليمني أحمد محمد صوفان أن التوقعات الرسمية تشير إلى أن خسائر اليمن لن تقل عن 700 إلى 800 مليون دولار في المتوسط.
وأوضح أن الخسائر الاقتصادية من دون عائدات النفط وصلت إلى 250 مليون دولار مع نهاية العام الماضي 2001، وأشار صوفان إلى أن أكثر القطاعات المتضررة هي السياحة والتجارة الخارجية إضافة إلى ارتفاع كلفة الواردات.
وكشف وزير السياحة في 25 تشرين الثاني/نوفمبر الماضي عن أن الاعتداءات التي استهدفت الولايات المتحدة أضرت بقطاع السياحة الذي يمدّ الاقتصاد اليمني بنحو 200 مليون دولار سنوياً، حيث تراجعت العائدات إلى النصف، وهو ما دفع بالحكومة إلى تأجيل سداد الضرائب والرسوم المستحقة لها على المنشآت السياحية والفندقية للتخفيف من الأضرار التي لحقت بهذا القطاع.
أما أبرز التأثيرات السلبيات على الاقتصاد اليمني فتلك التي أصابت قطاع النفط الذي يشكل 93 في المائة من الصادرات، ونحو 65 في المائة من الإيرادات الذاتية لموازنة الدولة، فقد تراجعت الأسعار من 28 إلى 20 دولاراً خلال بضعة أسابيع من وقوع الهجمات على واشنطن ونيويورك.
وما زال هذا التراجع مستمراً حتى الآن، حيث أخفقت أوبك في لجم التدهور وهو ما أدى إلى تراجع عائدات اليمن خلال العام الماضي بشكل حاد، الأمر الذي أدى إلى زيادة عجز الموازنة للعام الجاري. يذكر أن اليمن ينتج حالياً حوالي 480 ألف برميل يومياً، ولا ينتمي إلى منظمة البلدان المصدرة للنفط (أوبك)، وقد بلغت إيرادات اليمن من النفط خلال عام 2000 نحو 1.91 مليار دولار مقارنة مع 996 مليون دولار في عام 1999. تراجع نمو الناتج المحلي ونتيجة لتراجع عائدات النفط فقد انخفض معدل النمو في الناتج المحلي الإجمالي وذلك من 6.5 في المائة عام 2000 إلى نحو 4.7 في المائة خلال العام الماضي 2001 ، كما تشير التقديرات الرسمية، لتصبح قيمة الناتج المحلي بالأسعار الجارية 1660 مليار ريال (9.8 في المائة مليار دولار) (الدولار = 168 ريالاً). ويتوقع أن يرتفع هذا المعدل خلال العام الجاري 2002 إلى 5.3 في المائة، ويذكر أن الناتج المحلي الإجمالي في اليمن نما عام 1999 بمعدل 3.8 في المائة. تراجع قيمة الموازنة وزيادة عجزها كما أدت الخسائر التي تكبدها الاقتصاد اليمني إلى تخفيض قيمة الموازنة العامة للدولة حيث بلغت قيمة الموازنة للعام الحالي 2.835 مليار دولار والنفقات 3.128 أي أن قيمة العجز الصافي بلغت 49.808 مليار ريال أي نحو 293 مليون دولار، مقابل فائض خلال عام 2001 أي ما يعادل 3 في المائة من إجمالي الناتج المحلي.
كما سجلت الموازنة تراجعاً عن موازنة العام الماضي بقيمة 5822 مليون ريال أي نحو 34.6 مليون دولار أي أن نسبة التراجع بلغت 1.2 في المائة، وتقول الحكومة إنها ستمول عجز الموازنة من مدخرات حقيقية غير تضخمية، وجاء هذا العجز نتيجة انخفاض أسعار النفط التي تشكل عائداته نحو ثلثي الموارد العامة للدولة. وكان عجز الموازنة لعام 2000 قد بلغ 33.29 مليار ريال أي نحو 198 مليون دولار. زيادة معدلات الفقر يعتقد العديد من الخبراء والمحللين أن الأضرار السابقة التي أصابت العديد من القطاعات الاقتصادية اليمنية ستحد من قدرة الحكومة على تنفيذ الخطة الخمسية الجديدة (2001 - 2005) كما ستزيد من تعقيد الصعوبات الاجتماعية الناتجة عن برنامج الإصلاح الاقتصادي الذي يرعاه صندوق النقد الدولي منذ العام 1995.
وتعتبر مشكلة الفقر الأخطر بين المشكلات الاجتماعية التي يعاني منها اليمن، حيث لا يتجاوز نصيب الفرد الواحد من الناتج المحلي الإجمالي عن 280 دولاراً حسب بيانات البنك الدولي.
وأكد التقرير التقويمي للخطة الخمسية السابقة أن متوسط نصيب الفرد من الناتج المحلي الذي كان 302 دولاراً عام 1995 ارتفع إلى 375 دولاراً عام 2000، لكن التقرير نفسه اعترف أن مستوى المعيشة الحقيقي انخفض بنسبة 6.9 في المائة بعد خصم معدل التضخم السنوي الذي بلغ عام 2000 نحو 3 في المائة، فيما كان سجل عام 1999 نحو 10.2 في المائة، ما ضاعف من خطورة مشكلة الفقر، ودفع الحكومة إلى رفع مخصصات الرعاية الاجتماعية في الموازنة الجديدة للعام الجاري إلى نحو 11.5 مليار ريال أي (68.45 مليون دولار).
كما عملت الحكومة على تأمين مبلغ 39 مليون دولار لتمويل مشاريع للصندوق الاجتماعي للتنمية. وقد أعلن مسؤول حكومي نهاية كانون الأول/ديسمبر عن إنشاء بنك للتخفيف من حدة الفقر أطلق عليه اسم "بنك الأمل للإقراض الأصغر"، وهذا البنك لن يتقاضى أي فوائد عن القروض المتواضعة التي سيقدمها للفقراء، وهو الأول من نوعه في اليمن حيث يعيش أكثر من 60 في المائة من سكانه البالغ عددهم 18.5 مليون نسمة دون خط الفقر.
وأشار المسؤول الحكومي إلى أن رأسمال البنك سيبلغ ستة ملايين دولار، وستقدم الحكومة اليمنية مبلغ 2.5 مليون دولار من رأس المال في حين يسهم برنامج الخليج العربي لدعم منظمات الأمم المتحدة الإنمائية الذي يرأسه الأمير السعودي طلال بن عبد العزيز بـ2.5 مليون دولار أيضاً، ويقدم القطاع الخاص اليمني مليون دولار. تفاقم مشكلة البطالة تأتي مشكلة البطالة في اليمن في المرتبة الثانية بعد مشكلة الفقر كإحدى إفرازات الوضع الاقتصادي الصعب ورغم تتباين التقديرات الرسمية مع التقديرات المستقلة حول حجم المشكلة وخطورتها إلا أنه تعتبر من المشكلات الاجتماعية المؤرقة للحكومة نتيجة قصور الحلول المطروحة حتى الآن، ففي الوقت الذي تؤكد فيه المصادر الرسمية أن معدل البطالة وصل مع نهاية العام 2000 إلى نحو 20.2 في المائة، أي أنها تضاعفت خلال خمس سنوات فقط.
وتؤكد المصادر المستقلة أن النسبة تزيد عن 40 في المائة. وهذه النسبة قابلة للارتفاع سنوياً فقد أكد وزير التخطيط والتنمية اليمنية أن 250 ألف يمني يدخلون سوق العمل كل عام من مجموع القوى العاملة في البلاد البالغ حالياً نحو 4.1 مليون شخص.
وإذا كانت الوظائف التي يمكن أن توفرها الخطة الخمسية 2001-2005 لا تتجاوز 864 ألف وظيفة أي نحو 172 ألف وظيفة سنوياً فإن مقدار الزيادة في عدد العاطلين عن العمل ستبلغ حوالي 78 ألف وظيفة سنوياً ينضمون إلى جيش البطالة الحالي.
ومما قد يعمق مشكلة البطالة أيضاً أن الحكومة اليمنية صادقت في العشرين من تشرين الأول/أكتوبر الماضي على قرارات اتخذها المجلس اليمني الأعلى للخدمة المدنية تقضي بإلغاء أكثر من 17 ألف وظيفة حكومية، في إطار برنامج الإصلاح الاقتصادي وتتعلق القرارات بـ17251 اسماً لموظفين أثبت مسح إداري أجرته وزارة الخدمة المدنية على جميع المؤسسات الحكومية أنهم يتقاضون رواتب من عدة جهات حكومية بما يخالف قانون الخدمة المدنية الذي لا يسمح بتعدد الوظائف الحكومية.
وتنفذ الحكومة اليمنية برنامجاً للإصلاحات الهيكلية المالية والإدارية منذ عام 1995 بدعم من صندوق النقد والبنك الدوليين، يقوم أساساً على خفض النفقات الحكومية ورفع الدعم الحكومي عن المواد الغذائية الأساسية والمشتقات النفطية، وتطبيق نظام اللامركزية، وخصخصة بعض المؤسسات الحكومية. وتنتقد المؤسسات الدولية الداعمة لبرامج التنمية في اليمن التضخم في عدد العاملين في الجهاز الإداري الحكومي الذين يزيد عددهم على 420 ألف موظف. عودة مشكلة الديون ويرصد الخبراء أن من بين التأثيرات السلبية للأحداث الدولية احتمال عودة مشكلة الديون الخارجية إلى البروز من جديد بعد أن تراجعت حدتها خلال الأعوام الماضية، وذلك بسبب الاقتراض الجديد الذي ستلجأ إليه الحكومة لتعويض بعض الخسائر علاوة على تراجع إمكانية الحكومة في خدمة الديون الحالية أو تسديد بعضها، وقد رصدت الموازنة الجديدة للعام الحالي مبلغ 37.9 مليار ريال (225.6 مليون دولار) كمخصصات لمدفوعات الفوائد ورسوم الخدمات ومبلغ 21.9 مليار ريال (130.3 مليون دولار) لسداد أقساط الديون الخارجية.
وهنا لا بد من الإشارة إلى أن الحكومة اليمنية توصلت خلال العام الماضي إلى اتفاق مع نادي باريس للدول الدائنة تم بموجبه شطب 67 في المائة من ديون تجارية وتنموية تقدر بنحو 400 مليون دولار، وأفاد تقرير صادر عن البنك المركزي اليمني بأن دين اليمن الخارجي الذي بلغ 4.8 مليارات دولار في آذار/مارس 2001، انخفض إلى 3.4 مليار دولار، تمت جدولتها للسداد خلال 30 - 40 سنة قادمة بعد الاتفاق مع نادي باريس. انعكاسات إيجابية تؤكد بعض المصادر اليمنية أن يكون للأحداث الدولية جانب إيجابي فيما يتعلق بالاقتصاد اليمني يتمثل في عودة العديد من رجال الأعمال اليمنيين من الولايات المتحدة وغيرها من الدول الغربية لاستثمار أموالهم في اليمن كنتيجة طبيعية لحملة التحريض والعداء التي تشن على العرب والمسلمين، حيث يعمل في الولايات المتحدة أكثر من 50 ألف يمني تتركز غالبيتهم في نيويورك وديترويت وميشغن، وتقدر تحويلاتهم بنحو 500 مليون دولار سنوياً.
ويقدر حجم صافي تحويلات اليمنيين العاملين في الخارج بنحو 1.2 مليار دولار سنوياً، وفي حين تقدر مصادر يمنية شبه رسمية ثروة المغتربين اليمنيين في الخارج بنحو 35 مليار دولار، فإن مصادر أخرى تقدر قيمة الاستثمارات اليمنية المهاجرة بنحو 70 مليار دولار. 1.18 مليار دولار من البنك الدولي وتورد هذه المصادر أن من الانعكاسات الإيجابية التي ستدعم الاقتصاد اليمني وتعوضه عن الخسائر أن الدول الغربية ستقدم مساعدات مالية وتنموية مجزية مكافأة لليمن على موقفه من الأحداث الجارية.
وتدلل هذه المصادر بنجاح المحادثات اليمنية مع البنك الدولي الذي أعلن عقب زيارة الرئيس علي عبد الله صالح إلى الولايات المتحدة في تشرين الثاني/نوفمبر الماضي عن تخصيص مبلغ 1.18 مليار دولار لتمويل مشاريع التنمية في اليمن خلال الفترة المقبلة.
وقالت مصادر مطلعة في واشنطن إن المبلغ سيوزع على قطاعات مختلفة منها دعم مشاريع الخطة الخمسية الثانية (2001 - 2005) وبوجه خاص في مجال الطرقات وبناء السدود والحواجز المائية وإنشاء المعاهد الفنية ودعم السلطة المحلية وتوفير فرص العمل.
ويعتبر البنك الدولي في طليعة المؤسسات المالية الدولية التي تساعد اليمن في تنفيذ برنامج موسع للإصلاحات الهيكلية والإدارية والاقتصادية بدأ تنفيذه عام 1995، وتقدر التمويلات السنوية للبنك الدولي الموجهة لمشاريع يمنية بنحو 200 مليون دولار.
بكلمة أخيرة ألحقت الأحداث الدولية التي جرت منذ الحادي عشر من أيلول/سبتمبر الماضي خسائر جسيمة بالاقتصاد اليمني وزادت من الصعوبات والمشكلات التي يعاني منها وأثرت بشكل خاص على الطبقات الاجتماعية الفقيرة الأمر الذي سيزيد من أعباء الحكومة ويختبر قدرتها على الاستفادة من الموارد المتاحة للحد من التأثيرات السلبية لهذه الأحداث. (ق.ب.)