بعد الـ«كي.جي.بي»، مخابرات مالية في روسيا

الخوف ان تقمع المخابرات القطاع الخاص، خصوصا هذا النوع منه

موسكو – ضرورة تشكيل جهاز خاص يعنى بمسؤولية الرقابة على النشاط المعيشي والمصرفي والتجاري في روسيا املاها المستوى المتنامي لقطاع اعمال الظل فيها والذي وصل الى حد العلانية (اعلى من 40 بالمائة) وسيادة الجريمة المنظمة في اقتصادها واخراج الرساميل الى الخارج بشكل غير مشروع (حتى 20 مليار دولار سنويا) وتبييض الاموال المتأتية عن الاعمال الاجرامية. ان ذلك كله اجبر السلطة التشريعية والاجرائية على اتخاذ تدابير جذرية.
بداية حصلت هذه الفكرة على الاذن القانوني في القانون الفدرالي "حول مواجهة شرعنة المداخيل المتأتية عن طريق الاجرام" ومن ثم - في التطبيق. وشكلت تجسيدها الفعلي في الواقع اللجنة الخاصة بالرقابة المالية لدى وزارة المالية في روسيا الاتحادية والمنشأة بقرار من رئيس البلاد ويرأسها فيكتور زيبكوف الذي كان يشغل في السابق منصب نائب وزير الضرائب والجباية. ان موقع رئيس "المخابرات المالية" - هكذا اطلق الشعب تسميته غير الرسمية على اللجنة - يعادل في مفهومه منصب النائب الاول لوزير المالية.
وبموجب المرسوم الرئاسي تعتبر المهمة الرئيسية "للمخابرات المالية" جمع ومقاربة وتحليل المعلومات حول العمليات المصرفية والتجارية المشبوهة التي تتعدى حجم الـ 20 الف دولار وتوفير تلك المعلومات للاجهزة الامنية وكذلك انشاء القاعدة الفدرالية للمعطيات عن المداخيل المتأتية عن طريق الاجرام. وموضوع الاهتمام الخاص للجنة ستكون المصارف التجارية وشركات التأمين والليزينغ وسوق السندات المالية والبريد ومؤسسات الصيرفة وغيرها من المؤسسات التي تعنى بالعمليات المالية بالعملة الوطنية او الصعبة.
وحسب معطيات وزارة المالية ان عدد الموظفين في اللجنة سيبلغ في المراحل الاولى 200 شخص في الجهاز المركزي و100 آخرين في الفروع الاقليمية السبعة. وتتضمن بنية الجهاز بالاضافة الى هؤلاء 15 موظفا من جهاز الامن الفدرالي الـ"كي جي بي السابق".
ابتداء من 1 شباط اي موعد المباشرة العملية لنشاط "المخابرات المالية" سوف يتبدل الكثير بالطبع.
فلا يستبعد ان تتولى اللجنة وظائف جديدة مع الوقت، كما يقول فيكتور زوبكوف، وظائف رقابية. الا انها لن تصبح ابدا لجنة امنية ولن تعمل ابدا في السياسة ايضا. فالقانون لا يلحظ مثل هذا الامر.
وزوبكوف واثق من ان "المخابرات المالية" ستكون على علم في شباط/فبراير اي عندما يبدأ الجهاز العمل ضمن نظام التفاعل المكثف مع مصادر المعلومات بالوضع الفعلي القائم في المصارف والمؤسسات المالية والشركات التي تعمل في النقد وكذلك في مؤسسات الصيرفة. واللجنة عازمة على نسج علاقات وثيقة مع البنى الدولية المماثلة وابرام اتفاقيات مشتركة معها حول التعاون في تبادل المعلومات. ففي الولايات المتحدة هناك فرقة مكافحة الجرائم المالية التابعة لوزارة المالية وفي بريطانيا - الجهاز الوطني للمخابرات الجنائية لدى وزارة الداخلية وفي فرنسا - مركز تجميع وتحليل المعلومات الخاصة بالصفقات المالية وفي ايطاليا - مجموعة خاصة من وحدات الحرس المالي وهي هيئة مستقلة تتبع لوزارة الداخلية. وتقوم في سويسرا بمهام الاستخبارات المالية 3 اجهزة دفعة واحدة هي : القسم الخاص لوزارة المالية والشرطة المالية وجهاز مكافحة تبييض الاموال.
ان انشاء لجنة الرقابة المالية كان ايضا انعكاسا غير مباشر لردة فعل روسيا على مطالب المنظمة الدولية لشؤون مكافحة تبييض الاموال التي كانت تضع روسيا بسبب عدم وجود قانون مناسب وجهاز مناسب على "اللائحة السوداء" التي بامكان المصارف الغربية من خلالها النظر الى اية عملية مالية تجرى على الارض الروسية على انها مشبوهة. وحسب التعريف الغربي تعتبر روسيا اليوم "دولة غير مؤسساتية وغير مواجهة لتبييض الاموال".
في اوساط العمل الروسية يتميز الموقف من "المخابرات المالية" بالتنوع. الادارة الرسمية تؤيد هذا الجهاز : عضو لجنة الموازنة النيابية في دوما الدولة ووزير المالية السابق ميخائيل زادورنوف قال "ان مرسوم الرئيس حول تشكيل لجنة الرقابة المالية يستجيب لمعايير القانون الخاص بمواجهة تبييض الاموال الاجرامية. ونحن انتظرنا تشكيلها منذ زمن بعيد". اما الكسندر بابيتشيف نائب رئيس مركز مكافحة تبييض الاموال فقال "كانت روسيا منذ زمن طويل بحاجة من دون شك الى جهاز مخول يعنى بمكافحة تبييض الاموال الاجرامية".
في الوقت نفسه ترد عبر وسائل الاعلام الالكترونية والمطبوعة مقالات تشكك بجدوى تشكيل هذا الجهاز في الوضع الاقتصادي الراهن وحتى انها تخاف من تحول هذا الجهاز الى وسيلة لقمع قطاع الاعمال الخاص والتسلل الى اقدس القدسيات - الاسرار المصرفية، مما سيؤدي من دون شك الى سوء مناخ الاعمال في البلاد.
ونعتقد مع ذلك كله بانه من المبكر الآن وضع استنتاجات نهائية وتنبؤات بالنسبة الى حاجة روسيا الحالية للجنة الرقابة المالية او عدمها. فالحياة والنشاط التطبيقي لهذه البنية سيضعان فيما بعد كل شيء في مكانه. ومن الجلي اليوم بالنسبة لاغلبية السكان الروس ان التدابير المتخذة سابقا في مجال مكافحة الجريمة المنظمة في الاقتصاد وفي المجال المالي لم تكن كافية.