الارهاب والارهاب المضاد: سقوط العدالة وانتحار السياسة

بقلم: د. برهان الجلبي

برغم النجاح السريع الذي حققته الولايات المتحدة في القضاء على نظام طالبان في افغانستان، وبرغم التصدعات التي يحتمل ان يكون تنظيم القاعدة، بزعامة اسامة بن لادن، قد تعرض لها، الا ان الدلائل الموضوعية تشير الى ان الحرب ضد الارهاب ما تزال في بدايتها. فالارهاب لا يحتاج الى قواعد عسكرية ضخمة، كما انه لا يحتاج بالضرورة الى دعم حكومات او دول. وفضلا عن توفر جميع المستلزمات المادية (متفجرات ، وسائل اتصال، اموال... الخ) للقيام بعمليات ارهابية فردية او جماعية، الا ان الطابع الانتحاري لعمليات الارهاب يعطيها أفضلية لا سبيل لدحرها بواسطة القدرات العسكرية التقليدية، لان مفهوم الانتحار في تحديه للموت يتناقض مع المفهوم المألوف للحياة في المجتمعات الغربية. وهذا يقتضي مبدئيا البحث عن وسائل لم يسبق لها ضرورة في مواجهة مثل هذه المشكلة. ولعل محاولة الغرب لفهم أسباب الارهاب قد تكون بداية صحيحة للوصول الى القضاء عليه، وذلك بدلا من اللجوء الى القنابل والطائرات والجيوش الجرارة فضلا عن التضحية بالأبرياء. وهذا يتطلب اعادة جذرية في تفاصيل وبنود السياسة الخارجية بين الغرب والعالم العربي والاسلامي، وصياغة سياسات جديدة تأخذ بنظر الاعتبار ضرورة تبادل المصالح المشتركة وتنمية الوعي لدى المواطن العربي والاسلامي وذلك عن طريق توفر اعلام حر وديمقراطي وغير حكومي في الشؤون الخارجية والداخلية.
يدفعنا هذا الواقع الى التأكيد على أمر واحد، هو ان الانتصارات العسكرية التي تتباهى بها الولايات المتحدة، غير ذات موضوع، لانها ليست على صلة بجوهر المشكلة. وبذا ستبقى مشاكل الارهاب قائمة بأشكالها الوحشية ما لم تتخذ الأسرة الدولية قرارات حاسمة وجدية لمعالجة أسباب الارهاب التي توفر قوة الدفع الرئيسية للاستمرار بالارهاب معتمدة بذلك على المظالم التي يعترض لها العرب والمسلمون على كافة المستويات في حياتهم اليومية. والا فان الحرب ضد الارهاب سوف تظل "في بدايتها" دائما، طالما بقيت المظالم مستمرة، وطالما لم تجد الولايات المتحدة وحلفائها الدوليين سبيلا لاحترام قيم العدالة والمساواة بين الشعوب.
فمن الواضح بالنسبة للكثيرين في العالمين العربي والاسلامي ان الولايات المتحدة، ليست على استعداد للاصغاء الى المطالب المشروعة للشعوب التي تتعامل معها. وهي تحاول فرض ارادتها عليهم، اما بالقوة المباشرة، او بواسطة استخدام حكومات ضعيفة وخاضعة للحماية الامريكية. الامر الذي يدفع الكثيرين الى الاعتقاد ان استخدام القوة هو السبيل الوحيد المتبقي لابلاغ الولايات المتحدة وحلفائها، بما يشعر به المضطهدون في كل ارجاع العالم من نقمة.
لا يشكل ذلك بأي حال من الاحوال، تبريرا لجرائم الارهاب البشعة التي يتعرض لها المدنيون، ولكن يجب الا ننسى ان الضمير الانساني الذي يدين سقوط ضحايا ابرياء في واشنطن ونيويورك يحب ان يتحلى بالشجاعة الاخلاقية نفسها لادانة الجرائم التي تؤدي الى سقوط ضحايا أبرياء في الأراضي الفلسطينية المحتلة من جراء أعمال العنف الاسرائيلية، وفي العراق، من جراء الحصار غير الانساني المتواصل منذ احد عشر عاما.
والحقيقة التي لا يجب تجاهلها هي ان الولايات المتحدة خلقت لنفسها اعداء في كل ارجاء العالم حينما تبنت مفاهيم النظام العالمي الجديد في سياساتها الخارجية. كما ان للحكومة الامريكية اعداء داخليين يقولون بوضوح ان حكومتهم خاضعة للاحتلال الصهيوني. وفضلا عن معارضي الرأسمالية والعولمة وانصار البيئة الذين ينددون بتخلي الولايات المتحدة عن التزاماتها الدولية لحماية البيئة، والى جانب روسيا والصين اللتان تشعران بالخطر من جراء تخلي الولايات المتحدة عن الحد من انتشار الصواريخ الباليستية، فان الوجود العسكري الامريكي في الخليج يثير نقمة الشعب العربي والمسلمين في كل مكان، خاصة وانهم ينظرون الى القواعد الامريكية في المملكة العربية السعودية بمثابة تدنيس معتمد للمقدسات الاسلامية، وبمثابة احتلال يتوجب محاربته. كما ان الحصار المتواصل ضد الشعب العراقي يثير ليس نقمة العراقيين وحدهم بل ونقمة كل الشعوب العربية والاسلامية التي ترى في سياسات الحصار المفروضة على العراق جريمة ابادة جماعية تهدد حياة اكثر من 20 مليون انسان بريء. وذلك فضلا عن تسببها بالفعل في مقتل مليون ونصف مليون انسان من جراء نقص الدواء ومتطلبات الرعاية الصحية. وكل هذا في كفه، والدعم العسكري والمادي والسياسي المطلق للجرائم التي ترتكبها اسرائيل في الاراضي الفلسطينية المحتلة، في كفة اخرى. وبينما بذل الفلسطينيون كل ما في وسعهم للمضي قدما في طريق السلام، وبرغم الكثير من التنازلات التي قدموها سعيا الى التوصل الى عادلة للازمة، فالكل يرى ان اسرائيل لم تتوقف لحظة واحدة عن سياسات الاستيطان وعن اعمال القمع الجماعي للفلسطينيين وهما امران ما يزالان يشكلان دليلا غير قابل للشك على ان اسرائيل لا تسعى في الواقع الى تحقيق السلام، ولكنها على العكس من ذلك تحرص على تكريس الاحتلال وذلك من خلال تدعيم مقومات بقائه الى الأبد. وعندما عاد الفلسطينيون الى الاحتجاج بعد نحو عشر سنوات من الهدوء، اندفعت اسرائيل بكل طاقتها العسكرية لسحق الاحتجاج المدنية الفلسطينية، وضمن ذلك توجيه الرصاص والقذائف والصواريخ الى صدور المدنيين مباشرة. وبينما لا يمر يوم الآن من دون ان تقوم الولايات المتحدة بالقول ان الهجمات الارهابية تتوجه ضدها لانها زعيمة الديمقراطية والحرية في العالم، فان العرب والمسلمين في كل مكان لا يستطيعون قبول هذه المزاعم الامريكية عندما يتاح لاسرائيل وحدها التنصل من تنفيذ المقررات الدولية التي تدعوها الى الانسحاب من الاراضي المحتلة. وعن أي ديمقراطية وحرية يتحدثون، عندما يتاح لاسرائيل ان ترتكب كل تلك الجرائم ضد المدنيين تحت الاحتلال من دون ان تسمح الولايات المتحدة لمجلس الامن الدولي حتى بتوجيه اللوم لاسرائيل. وبرغم ان ضحايا الاحتلال ظلوا يطالبون بحماية دولية، فقد حرصت الولايات المتحدة على منع العالم من توفير هذه الحماية، لكي يتاح لاسرائيل ان تواصل جرائمها بحرية و.. ديمقراطية!
يتضح من كل ذلك حقيقة واحدة هي ان الادارات الامريكية المتعاقبة لم تكتف بتحويل العرب والمسلمين الى اعداء، مكتفية وراضية برضا اللوبي الصهيوني عن سياساتها العمياء في المنطقة، ولكنها أظهرت في كل مناسبة من المناسبات التي نوقشت فيها قضايا دولية صلفا وعنادا لا حدود له لفرض تصوراتها وسياساتها على الجميع والتي اثبتت الاحداث فشلها لانها تتجاهل الحساسيات السياسية والدينية والاجتماعية في المجتمع الدولي.
ان هذا السلوك العدواني في السياسة الخارجية، والانحياز الاعمى لاسرائيل، وتحويل المؤسسات الدولية الى دمى لا نفع فيها بالنسبة لكل دول العالم، كان بمثابة اكبر عملية اختطاف شهدتها السياسة الدولية. وهي العملية التي ادت في النتيجة الى انتحار السياسة كأداة للحوار والاصغاء في كل ركن وضعت الولايات المتحدة اصبعها فيه.
يبدو ان هذا الواقع هو الذي يقنع منفذي العمليات الارهابية، بانه لا سبيل لمواجهة العمليات الانتحارية الامريكية في السياسة الدولية، الا بعمليات انتحارية لا تقل عنها عنفا ووحشية.
ومن المنظر ان تقوم الولايات المتحدة بشن عمليات عدوانية ضد قائمة من الدول التي تتهمها بدعم الارهاب مثل ليبيا والعراق وسوريا وايران والصومال والشعب الفلسطيني، أي ضد كل اولئك الذين لا يستطيعون الدفاع عن انفسهم في مواجهة العنجهية العسكرية الامريكية. وهو الامر الذي سيفشل كما فشلت سياسة شارون الارهابية لاخماد الانتفاضة الفلسطينية وسيؤدي الى زيادة العداء للولايات المتحدة ومن يحمي مصالحها.
في المقابل، فليس من المحتمل ان تسأل الولايات المتحدة نفسها عما اذا كانت قادرة فعلا على ان تستعيد زمام المبادرة الاخلاقية من خلال نبذ سياسات الغطرسة والتخلي عن المعايير المزدوجة والاصغاء لمطالب الضحايا واستعادة قيم الحرية والديمقراطية كأساس للعلاقات بين شعوب العالم، لان محاربة الارهاب لابد ان تتم بمشاركة كل اعضاء الاسرة الدولية. وهذا يعني ان تتخلى امريكا عن عدائها، الذي ليس له مبرر سياسي او اخلاقي، للكثير من الدول العربية والاسلامية.
ولكن هناك أملا محدودا، ولكن جديرا بالاعتبار، بان تؤدي الصدمات التي تثيرها المواجهة الراهنة بين الارهاب والارهاب المضاد، الى اقناع الشعب الامريكي بتوجيه السؤال حكومته: لماذا نحن؟ وهل حقا ان الولايات المتحدة كما تبدو في نظر المواطن الامريكي هي حقا زعيمة العالم الحر، أم انها زعيمة العالم في الابتزاز والاستبداد وفي الدفاع عن الجرائم التي يقع ضحيتها ملايين الأبرياء في كل مكان في العالم، وخاصة في الشرق الأوسط؟ والأهم من هذا لماذا تعرض الولايات المتحدة مصالحها للخطر في كافة البلدان العربية والاسلامية لمجرد الدفاع عن الاحتلال والسياسات التوسعية الاسرائيلية؟
وليست هذه سوى أسئلة محدودة بين الكثير من الأسئلة التي يمكن تواجه الولايات المتحدة، الا ان العمليات الانتحارية المتبادلة، سواء التي تقوم بها الادارة الامريكية في السياسة الدولية، او التي ينفذها المتطرفون ردا على ما يعتبرونه ظلما قاهرا، تدفع الجميع الى استنتاج واحد، هو ان العالم أصبح أكثر خطرا وان لغة العقل تنسحب سريعا من ساحة الحوار، لتحل محلها لغة العنف والارهاب والابادة الجماعية. د. برهان الجلبي، عضو المعهد الملكي البريطاني للعلاقات الدولية - لندن