الجامعات الأميركية تسعى لبث الطمأنينة في نفوس الطلبة العرب

واشنطن - من جين أ. مورس
تظاهرة في جامعة مشيغان ضد الحرب والتمييز ضد العرب والمسلمين

تواصل الجامعات الأميركية في سائر أنحاء الولايات المتحدة بذل الجهود لبث الطمأنينة في نفوس الطلبة الأجانب داخل الأحرام الجامعية في أعقاب هجمات 11 أيلول/سبتمبر الإرهابية.
وفي الولايات المتحدة أكثر من 3500 جامعة ومؤسسة للتعليم العالي يضم الكثير منها عدداً كبيراً من الطلاب الأجانب. ويقول المجلس الأميركي للتعليم إن هناك حوالي 40 ألف طالب عربي من أصل الـ 570 ألف طالب أجنبي في الولايات المتحدة.
وتظل مؤسسات التعليم العالي حريصة على اجتذاب الطلبة الأجانب اليها، رغم أنهم لا يشكلون سوى أربعة بالمئة من الأربعة عشر مليون طالب في الكليات والجامعات الأميركية.
وقد أصدرت مارلين جونسون، المديرة التنفيذية لاتحاد المربين الدوليين التابع لاتحاد الطلبة الأجانب في أميركا الشمالية، وهو منظمة مهنية أميركية يعمل أعضاؤها مع الطلاب الأجانب، بياناً جاء فيه أنه حتى في الفترة الصعبة التي تلت كارثة 11 أيلول/سبتمبر، "ظل التزام العاملين في حقل التعليم العالي قويا تجاه الطلبة والباحثين الأجانب في بلدنا وتقديرهم لهم جليا لا لبس فيهما."
ويُنظر إلى الطلبة الأجانب على أنهم يضفون مسحة دولية على النشاطات في الأحرام الجامعية ويسهمون في إثراء التجربة التعليمية للطلبة الأميركيين أنفسهم.
وقد نشرت الصحف الأميركية أنباء وتقارير عن مضايقات تعرض لها بعض الطلبة المسلمين والشرق أوسطيين. غير أن الوضع في معظم الأحرام الجامعية أهدأ مما تصوره الصحف. وتشير الدلائل الى أن ضغط الوالدين كان الحافز الرئيسي وراء عودة بعض الطلاب العرب والمسلمين إلى أوطانهم.
وتقول مارلين جونسون بهذا الشأن "لقد أثارت حوادث التحرش والمضايقات المخاوف والقلق، رغم أنها كانت حوادث متفرقة ومعزولة. ودفع ذلك بعض الطلبة الأجانب إلى التفكير في ما إذا كان يحسن بهم العودة إلى أوطانهم. ومن حسن الحظ أن قلة ضئيلة فقط من النصف مليون طالب أجنبي الموجودين في بلادنا الآن قررت العودة."
وقد أظهرت دراسة غير رسمية أجراها مكتب برامج الإعلام الخارجي بوزارة الخارجية الأميركية نمطاً مشتركاً في ردود فعل الجامعات على الصدمة الناجمة عن الهجمات على مركز التجارة العالمي والبنتاغون:
- قام رؤساء الجامعات بتوزيع بيانات على نطاق واسع تحث على الهدوء وتندد بأي أعمال تتسم بالتعصب وعدم التسامح ضد المسلمين.
- نُظمت صلوات جماعية للتأكيد على السلام واحترام المسلمين في الولايات المتحدة.
- إتصل المسؤولون في الجامعات بالطلبة المسلمين هاتفياً أو عن طريق الرسائل الإلكترونية للاطمئنان عليهم وإسداء النصح لهم حول كيفية معالجة الاضطراب العاطفي الناجم عن عنف هجمات 11 أيلول/سبتمبر الإرهابية.
- أنشأت الجامعات مواقع إلكترونية خاصة صممت لإحاطة الطلبة علماً بأي إجراءات تتخذها الوكالات الحكومية الأميركية (كمصلحة الهجرة والتجنس) قد يكون لها تأثير عليهم.
وقد اتسمت معظم التصريحات التي أصدرها رؤساء الجامعات بموقف صارم ضد التعصب وعدم التسامح. وقال رتشارد فريلاند، رئيس جامعة نورث إيسترن، في رسالة موجهة إلى جميع أفراد الأسرة الجامعية الموجودة في بوسطن بولاية مساتشوستس "إن التصرفات المتعصبة مرفوضة في حرمنا الجامعي. وحين تقع أحداث (من هذا النوع)، سنحقق فيها بنشاط، ونعثر على مرتكبيها، ونشرك السلطات المحلية والفدرالية الملائمة المسؤولة عن مقاضاة جرائم الكراهية. ولن نتردد أو نحيد عن التزامنا بأمن وسلامة كل فرد في أسرتنا الجامعية."
أما بيتر ستيرنز، وهو مسؤول رفيع المستوى في جامعة جورج ميسون قرب واشنطن العاصمة، فوضع إرشادات للهيئة التعليمية دعت إلى "احترام وجهات النظر المختلفة وتجنب التعابير المثيرة الملهبة للمشاعر، والانفتاح على التجارب والأحاسيس الشخصية وتفهمها، والاستعداد للاستماع إلى مشاعر الغضب ضمن حدود معقولة ومع الحرص على وجوب إبقاء المحيط الجامعي آمناً لجميع الطلبة."
وقد أثبتت المواقع الإلكترونية على شبكة الويب بشكل خاص فعالية في إبقاء الطلبة على علم بأحدث التطورات. وتقول جوليا فندلي، مديرة مكتب البرامج والخدمات الدولية في جامعة جورج ميسون، إن المسؤولين بذلوا جهداً عظيماً للتقليل من الإشاعات والمخاوف إلى أدنى حد ممكن.
وقام موقع إلكتروني باسم " 11 أيلول/سبتمبر: تحديثات مستمرة" بإبقاء الطلبة على اطلاع على أحدث التطورات التي قد تؤثر عليهم في أعقاب الهجمات.
وقالت فندلي إن مكتبها بعث فوراً عقب أحداث 11 أيلول/سبتمبر برسائل إلكترونية إلى جميع الطلبة الأجانب طلب منهم فيها التحدث إلى المسؤولين في الجامعة.
وأضافت "وقد اتصل بنا الكثيرون منهم. فجلسنا معهم وسألناهم عن أحوالهم ومشاعرهم وكيفية معالجتهم للوضع. وأظهر عدد منهم استعداداً للتحدث إلينا بصراحة ومشاركتنا تجاربهم؛ وقد أعربوا عن خوف حقيقي - عن عدم القدرة على التركيز على دروسهم، وعن رغبتهم في مشاهدة التلفزيون طوال الوقت، وعن قلق حقيقي بشأن نظرة الناس المحتملة إليهم وطريقة معاملتهم."
وأشارت فندلي إلى أن موظفي مركز الاستشارات والإرشاد التابع للجامعة انتشروا في الحرم الجامعي لإجراء "حوارات عفوية بنت الساعة" مع الطلبة. وقالت "كان ذلك حقاً فرصة للطلبة للتنفيس عن مشاعرهم. وقد فعلوا ذلك."
ومضت المسؤولة الجامعية إلى القول إن عشرة فقط من الثلاثمائة وخمسين طالباً عربياً ومسلماً في جامعة جورج ميسون انسحبوا من الجامعة، رغم المخاوف التي كانوا يشعرون بها. وقد أبلغ المنسحبون المسؤولين عزمهم على العودة في فصل الربيع. وقالت: "إن الجامعة قدمت في الواقع كثيراً من الدعم والمساعدة للطلبة الذين قرروا مغادرتها لاستعادة ما دفعوه."
وذكرت فندلي أن المسؤولين في جامعة جورج ميسون لم يتلقوا أي تقارير عن تعرض الطلبة الشرق أوسطيين لاعتداءات أو مضايقات أو تحرشات. وقالت إن الشرطة الخاصة بالحرم الجامعي انتشرت بشكل كبير جعلها ظاهرة في كل مكان وأمضت الكثير من الوقت في التحدث إلى الطلبة لتهدئة مخاوفهم.
أما في جامعة مشيغان، التي يضم حرمها الجامعي أكثر من 1600 طالب من الشرق الأوسط، فقد أصدر مركز البحوث المتعلقة بالتعلم والتدريس تعليمات شاملة للمدرسين ترشدهم إلى كيفية التشجيع على مناقشة هجمات 11 أيلول/سبتمبر. وفي حين شجعت التعليمات على مناقشة المشاعر بحرية، إلا أنها نبهت إلى أنه "من المهم ألا يشعر الطلبة بألم مضاعف من هذه المأساة - ألم من الأنباء المروعة التي هزتنا جميعاً، وألم ثان من التعميمات الخاطئة."
وقد صرحت كي كليفورد، المديرة المساعدة في مركز الجامعة الدولي، بأنها لم تتلق أي تقارير عن انسحاب (طلبة أجانب) من الجامعة بسبب مخاوف في أعقاب 11 أيلول/سبتمبر. وقالت: "لقد وقع حادثان أو ثلاثة (من المضايقات والتحرشات)، ولكن الطلبة الآخرين أظهروا دعماً كبيراً (للطلبة الأجانب) فلم يغادروا الجامعة."
وأضافت كليفورد أن حوالي خمسة آلاف طالب اشتركوا في صلاة ليلية، في حين أن برنامجا للنصح والإرشاد نُظم لمعالجة أمور الطلبة الخائفين لم يجتذب سوى شخصين.
ويعم هدوء مماثل الجامعات التي تضم عددا من الطلبة المسلمين، بما فيها تلك التي تضم عددا ضئيلا منهم. فعدد الطلاب الشرق أوسطيين في جامعة إيست ستراودزبيرغ بولاية بنسلفانيا لا يتجاوز الثلاثة. وتقول بو كيبل، مديرة البرامج الدولية وتبادل الطلبة، إن أحداً منهم لم يغادر الجامعة. وذكرت كيبل أن رد الجامعة (على الهجمات) كان عقد مناقشات شهرية يشارك فيها الطلبة وسكان المنطقة تدور حول قضايا معينة كالتمييز العنصري والتعصب.
أما عدد الطلبة الشرق أوسطيين في جامعة فروستبيرغ التابعة لولاية بنسلفانيا والتي تقع على بعد ثلاثين ميلاً (حوالى خمسين كيلومتراً) فقط من موقع تحطم الطائرة المختطفة الرابعة، فيقول توماس كار، منسق مركز التعليم الدولي فيها، إنه يبلغ طالبين فقط لا غير. وقد وصف كيفية معالجة الجامعة لوضعهم بالقول: "ما أن مرت ساعة على الهجمات حتى كنا قد طلبنا من الطلاب إبلاغ ذويهما أنهما بخير وأمان. ونحن لم نواجه مشاكل حتى الآن. وقد قمنا بتنظيم الكثير من المسيرات، والتجمعات للصلاة، وغيرها من النشاطات المفتوحة لمشاركة الجميع."
وهناك خمس عشرة طالبة مسلمة في كلية راندولف-ميكن للإناث في لينشبيرغ ، بولاية فرجينيا، يرتدي بعضهن الحجاب. وقالت دون كيبيتس، مديرة البرامج الدولية في الكلية، إنهن جميعاً قررن البقاء وأنهن "عبرن عن شعورهن بالأمان داخل الحرم الجامعي."
وقد رعت الكلية عدداً من دورات النقاش والبحث للطالبات الأميركيات وغير الاميركيات بعنوان "فهم (أحداث) الثلاثاء" بهدف مشاطرة القلق وتبادل الهموم. وقالت كيبيتس إن بعض الطالبات الأميركيات اغتنمن فرصة هذه الدورات للإعراب عن تعاطفهن مع زميلاتهن المسلمات.
وقد ظهر التضامن الطلابي مع المسلمين بشكل خاص في جامعة وين التابعة لولاية مشيغان في ديترويت. فقد ارتدت طالبات غير مسلمات فيها الحجاب ضمن نشاط حمل اسم "الحجاب للتضامن". وقام أعضاء الائتلاف النسائي للسلام واتحاد الطلبة المسلمين، وهما منظمتان للطلبة مقرهما في الحرم الجامعي، بالمساعدة في توزيع حوالي مئتي وشاح تبرع بها مخزن مكة الإسلامي في ديترويت بولاية مشيغان لهذه الغاية.
وقالت رنا داوود، رئيسة اتحاد الطلبة المسلمين، إن أحداً من الطلبة الشرق أوسطيين لم يتعرض للعنف، وإن كان البعض قد تعرض لمضايقات وتحرشات شفوية. ونقلت وكالة أنباء أسوشييتدبرس عن داوود قولها إن معظم الطلبة الذين غادروا الجامعات الأميركية وعادوا إلى بلادهم "قاموا بذلك، في المقام الأول، لأن ذويهم أرادوا عودتهم."
ونقل مقال نشرته كرونكل أوف هاير إديوكيشن في عددها الصادر في 19 كانون الأول/ديسمبر، عن عمر شاهين، مدير المركز الإسلامي المحلي في توسون بولاية أريزونا، قوله إن الإشاعات الطائشة أرعبت الكثير من الوالدين ودفعتهم إلى حث أبنائهم على العودة إلى أرض الوطن.
وضرب مثالاً على ذلك بالقول: "اتصل بي أحد الوالدين وسألني: هل تستطيع الخروج إلى الشارع؟ هل تستطيع الذهاب إلى المسجد؟ هل لديكم طعام؟ فأجبته: عما تتحدث وما هذا الذي تقوله؟"
وينوي الكثير من الطلبة الذين غادروا الولايات المتحدة بعد 11 أيلول/سبتمبر، إن لم يكن معظمهم، العودة للدراسة فيها. ففي جامعة إيفنسفيل بولاية إيلينوي، على سبيل المثال، قالت روندا هنكل، مديرة خدمات الطلبة الأجانب، إن سبعة عشر طالباً عادوا إلى دولة الإمارات العربية المتحدة نتيجة ضغط عائلاتهم عليهم. إلا أنها أكدت أنهم تسجلوا جميعاً لمتابعة دراستهم في الفصل الدراسي الذي يبدأ في ربيع 2002.
أما في جامعة ولاية كاليفورنيا، فقال دان جوزفيني، المسؤول عن شؤون الطلبة الأجانب، إن أربعة وعشرين طالباً من أصل اثنين وستين طالباً من دولة الإمارات التحقوا حديثاً بالجامعة للدراسة بهدف تحصيل شهادة البكالوريوس، عادوا إلى بلادهم نتيجة قلق ذويهم عليهم. إلا أن أياً من الطلبة الـ198 الذين كانوا قد التحقوا بالجامعة في وقت سابق لم يغادرها.
ومن سخرية القدر، أنه في الوقت الذي يخشى فيه الطلبة الشرق أوسطيون التعرض لأعمال عدائية نتيجة لهجمات 11 أيلول/سبتمبر الإرهابية، تظهر الدراسات تحسناً في الفكرة التي يحملها الأميركيون عن المسلمين.
فقد أظهر استطلاع للرأي أجري في كانون الأول/ ديسمبر واشترك فيه 1500 أميركي بالغ أن نسبة الذين يحملون فكرة حسنة عن المسلمين الأميركيين قد ارتفعت من 45 بالمئة في شهر آذار/مارس الماضي إلى 59 بالمئة في الشهر الحالي. وقد جاء هذا التحسن رغم أن 40 بالمئة من الأميركيين يعتقدون أن الإرهابيين كانوا مدفوعين، ولو جزئياً فقط، بدافع ديني للقيام بهجماتهم في 11 أيلول/سبتمبر. وقد أجرى الاستطلاع الذي شمل جميع أنحاء الولايات المتحدة، مركز أبحاث بيو، وهو مؤسسة مستقلة لاستطلاع الرأي العام.
كما تظهر أرقام الإحصاء الرسمي للسكان أن الأميركيين المتحدرين من أصل شرق أوسطي أكثر ثراء وثقافة تعليمية من معظم الأميركيين، وأن معظمهم يتمتع بتقبل كامل في مجتمعه.