البطالة المتزايدة تهدد مستقبل شرويدر السياسي

برلين- من ليون مانجاساريان
ياجودا يستعرض النهاية الضعيفة لعام ضعيف، وفي الصورة شرويدر المكتئب

ارتفعت معدلات البطالة في ألمانيا للشهر الثاني عشر على التوالي في كانون الاول/ديسمبر الماضي، لتلقي بظلال قاتمة على فرص المستشار الالماني جيرهارد شرويدر في الفوز بفترة ولاية ثانية في انتخابات الخريف المقبل.
فقد ذكر مكتب الاحصاء الفدرالي الاربعاء أن عدد العاطلين، وفقا للارقام غير المعدلة التي تخضع لرقابة دقيقة في ألمانيا، قد زاد بواقع 175 الف عاطل ليصل العدد إلى 3.9 مليون عاطل، أي نسبة 9.6 بالمائة. أما بالنسبة للارقام المعدلة موسميا فقد كان الوضع أفضل من المتوقع حيث حددت هذه الارقام الزيادة في عدد العاطلين بـ 6000 عاطل فقط.
وقال المكتب أن معدل البطالة في الشرق الالماني، الشيوعي سابقا، كان كئيبا حيث وصل إلى نسبة 17.6 بالمائة مقارنة بنسبة 7.1 بالمائة في الغرب الاكثر ازدهارا.
وذكر بيرنهارد ياجودا رئيس مكتب العمل الفدرالي "إنها نهاية ضعيفة لعام ضعيف". وأشار إلى أنه مع تراجع الاقتصاد العام الماضي كانت هناك زيادة شهرية في عدد العاطلين في ألمانيا.
وفي ظل هذه الاوضاع فإنه يمكن القول أن اتجاهات العمالة خلال الاشهر الثمانية القادمة هي التي ستحدد على الارجح فوز أو هزيمة شرويدر في الانتخابات الالمانية العامة في الثاني والعشرين من أيلول/سبتمبر القادم.
وقد ذكر شرويدر في مؤتمر صحفي "إن أرقام (العاطلين) تصيبني بطبيعة الحال بالاكتئاب". وأضاف قائلا أن حكومته بصدد الاعلان خلال الاسبوع القادم عن إجراءات بشأن الوظائف قليلة الدخل والاستثمارات العامة.
ولم يعط المستشار، الذي بدا مرهقا، أي تفاصيل حول طبيعة هذه الاجراءات ولم يسمح سوى بسؤال واحد بعد إدلائه بهذا التصريح.
وكان شرويدر في تصريح متعجل بعد فوزه في انتخابات عام 1998 قد تعهد بتقليص عدد العاطلين إلى 3.5 مليون عاطل بحلول يوم الانتخاب التالي. ومما زاد الامور سوءا أنه دعا الناخبين إلى التخلص منه إذا ما فشل في الوفاء بوعده. وهذه الكلمات هي التي تطارده الان.
وقد صرح راينر جونترمان الخبير الاقتصادي بالبنك الاستثماري دريسدنر، كلاينفورت بنسون فاسرشتاين في فرانكفورت بأنه "من الصعب توقع حدوث أي تحسن في سوق العمل خلال هذا العام".
وقد استغلت المعارضة المحافظة - التي كانت حتى شهور قليلة لا أمل لها على الاطلاق في الاطاحة بشرويدر - هذه القضية وجعلت الان، بانشراح وحبور، من موضوع البطالة حجر الزاوية الرئيسي في حملتها الانتخابية.
وذكر زعيم المعارضة المسيحية الديمقراطية في البرلمان، فريدريتش ميرتس "لقد فشلت الحكومة فشلا ذريعا في سياستها بشأن الاقتصاد والعمالة".
ومع توقع أن تتخطى البطالة الوطنية المؤشر الحساس لاربعة ملايين عاطل خلال الشهور القادمة، تحولت أراء المحللين وأجهزة الاعلام فجأة إلى ترجيح خسارة شرويدر التي كانت شبة متأكدة من فوزه.
وذكرت صحيفة تاجيسشبيجل التي نشرت صورة ضخمة لشرويدر وهو يرتعد وسط عاصفة ثلجية مصحوبة برسم بياني حول البطالة المتزايدة "إن البطالة هي التي ستحدد نتيجة الانتخابات".
كما شنت صحيفة بيرلنر الناطقة بلسان يسار الوسط والتي تدعم الحكومة غالبا، هجوما قاسيا على المستشار بسبب ما وصفته بسجله "المخزي" في معالجة البطالة. وقالت الصحيفة أن الحكومة بدلا من إقدامها على إصلاح قوانين العمل، توقعت أن يؤدي الاقتصاد القوي إلى خلق وظائف.
والنتيجة، أن الوضع الاقتصادي الكئيب بصفة عامة سيجعل من الصعب جدا على شرويدر إدارة حملة إعادة انتخابه.
ويقول المعهد الالماني للابحاث الاقتصادية (ديف) الذي يتخذ من برلين مقرا له أن نمو الناتج المحلي الاجمالي لن يتجاوز على الارجح نسبة 0.6 بالمائة لكل من عامي 2001 و2002.
وصرح جونترمان بأنه لكي يكون هناك تأثير حقيقي على خلق وظائف جديدة، لابد وأن يكون هناك نمو في الناتج المحلي الاجمالي بنسبة اثنين بالمائة على الاقل.
وقد تنبأ معهد ديف بالفعل بزيادة نمو الناتج المحلي الاجمالي إلى نسبة 2.1 بالمائة، إلا أن ذلك لن يحدث إلا في عام ،2003 أي بعد الانتخابات.
وذكر كلاوس بادر الخبير الاقتصادي الاوروبي بمؤسسة ليهمان بروس الاستثمارية في لندن أنه يتوقع انفراجا ومخاطر للاقتصاد الالماني في الفترة السابقة على يوم الانتخاب.
وتتمثل المخاطر، كما يقول بادر، في أن مطالب النقابات العمالية بزيادة الاجور بنسبة تصل إلى سبعة بالمائة، من شأنها أن تؤدي إلى تلاشي فرص خلق وظائف جديدة. أما الانفراج فيتمثل، وفقا لقوله، في توقع نمو أقوى خلال الربع الثاني من هذا العام بعد أن وصل التراجع الاقتصادي إلى أدنى مستوياته وبدأ في العودة إلى مسار التحسن.
والسؤال المطروح الان هو ما إذا كان هذا التحول سيكون ضئيلا جدا ومتأخرا جدا، أم لا، بالنسبة لشرويدر.
وخلافا لبلاء قطاعي العمل والاقتصاد فإن هناك مشاكل أخرى رئيسية تواجه شرويدر، وهي ارتفاع شعبية تحالف المعارضة الذي يضم الحزبين المسيحيين الديمقراطي والاجتماعي، وكذلك انهيار حزب الخضر شريكه في الائتلاف الحاكم.
ويبدو أن فضيحة الاموال غير المشروعة التي أحاطت بالحزب المسيحي الديمقراطي طوال العام الماضي قد طواها النسيان. كما يبدو أن رئيس وزراء بافاريا ادموند شتويبر رئيس الحزب المسيحي الاجتماعي (الشقيق الاصغر للحزب المسيحي الديمقراطي) هو الشخصية الاكثر ترجيحا للترشيح لمنصب المستشار على حساب رئيسة الحزب المسيحي الديمقراطي الاقل تألقا، أنجيلا ميركيل.
وقد أظهرت آخر استطلاعات الرأي أن حزب شرويدر الاشتراكي الديمقراطي يقبع خلف تحالف المعارضة المسيحي الديمقراطي الاجتماعي، وذلك لاول مرة منذ عام 1999.
ففي استطلاع أجراه معهد ديماب مؤخرا بين 1100 ناخب، حصل التحالف المسيحي على نسبة 38 بالمائة من الاصوات مقابل نسبة 37 بالمائة فقط للحزب الاشتراكي الديمقراطي. وأعطى استطلاع آخر أجراه معهد ألينسباخ، حزب شرويدر الاشتراكي الديمقراطي التفوق ولكن بهامش ضئيل للغاية حيث أظهر إمكانية حصوله على نسبة 35.4 بالمائة من الاصوات مقابل نسبة 35.1 بالمائة للحزبين المسيحيين الديمقراطي والاجتماعي.
وتعتبر هذه النسب محبطة للحزب الاشتراكي الديمقراطي إذا ما أخذ في الاعتبار أن حزب الخضر، شريك الائتلاف، قد شهد تراجعا كبيرا في شعبيته في جميع الانتخابات الثماني عشرة التي جرت منذ عام 1998 سواء على الصعيد الفدرالي أو في الولايات الالمانية أو على الصعيد الاوروبي. وهناك مخاوف من أن يفشل الخضر في أيلول/سبتمبر القادم في الحصول على نسبة الخمسة بالمائة التي تؤهلهم لشغل مقاعد في البرلمان.
وعدم وجود الخضر إنما يعني عدم وجود أغلبية لشرويدر في البرلمان، خاصة وأن التحركات خلف الكواليس الرامية إلى إقامة تحالف محتمل بين الاشتراكيين الديمقراطيين والحزب الديمقراطي الليبرالي قد بائت كما يبدو بالفشل.
ومما زاد من الصداع الذي يعاني منه شرويدر، قرار حزبه خلال هذا الاسبوع بإقامة ائتلاف مع الشيوعيين السابقين في ألمانيا الشرقية، لحكم مدينة برلين.
وهذا هو ثالث ائتلاف بين الحزب الاشتراكي الديمقراطي وحزب الاشتراكية الديمقراطية (الشيوعي سابقا) على المستوى الاقليمي.
ويقسم شرويدر بأنه لن يقيم مطلقا مثل هذا الائتلاف فدراليا، أي على صعيد حكم ألمانيا ككل. غير أنه من المؤكد أن المحافظين سيثيرون خلال حملتهم الانتخابية موضوع مساعدة حزب شرويدر لحزب الاشتراكية الديمقراطية على الوصول إلى السلطة الوطنية وهو المعادي لحلف شمال الاطلنطي (الناتو) ولاقتصاد السوق الحر.