لماذا اختار بوتين الوقوف إلى جانب واشنطن؟

لندن
بوتين لم يضع الفرصة

اختفت التقييمات السلبية للاقتصاد الروسي من قبل المؤسسات المالية الدولية وفي مقدمتها صندوق النقد والبنك الدوليين خلال العام الماضي 2001، وهو ما مثل استمراراً للتعامل الإيجابي مع روسيا من قبل هذه المؤسسات منذ تولي الرئيس الروسي فلاديمير بوتين لمقاليد السلطة في موسكو في آب/أغسطس عام 1999، فقد استبدلت بالتدريج تعابير الانهيار والتراجع والضعف وهروب رؤوس الأموال إلى تعابير التعافي والتحسن والتقدم وتدفق الاستثمارات الأجنبية، وتوقف الحديث عن الفساد والهدر والأمراض الاجتماعية المتعددة التي تعشعش في بنيان الاقتصاد.
وفيما أكد رئيس البنك الدولي "جيمس ولفنسون" أن الصورة العامة لروسيا أفضل الآن مما كانت عليه قبل عام، فإن ممثل صندوق النقد الدولي المقيم في موسكو "بول طومسون" أعلن مؤخراً بأن روسيا في مأمن من الكساد ويمكنها سداد مدفوعات ديونها الخارجية بالكامل عام 2002 دون الحاجة إلى معونات مالية حتى إذا انخفضت أسعار النفط بدرجة أكبر. تسديد الديون وخدماتها أولاً يؤكد العديد من الخبراء والمحللين أن الحديث عن توظيف الموارد المالية الضخمة المتحصلة من ارتفاع أسعار النفط الخام خلال العامين الماضيين حيث تنتج روسيا نحو سبعة ملايين برميل يومياً تصدر منها ثلاثة ملايين برميل، في تنمية الاقتصاد المتردي والنهوض به ليس سوى كذبة كبيرة، فمعظم هذه الأموال ستذهب إلى تسديد الديون وخدمتها.
وعلى سبيل المثال فإن ارتفاع أسعار النفط والتي وفرت لروسيا موارد مالية كبيرة فاقت الرقم المحدد في ميزانية عام 2001 بنحو 13 مليار دولار، كما قال وزير المالية الروسي أليكسي كودرين فإن معظم هذه الإيرادات الإضافية ستخصص لسداد ديون روسيا الخارجية، وأضاف إنه يتعين على بلاده أن تسدد خلال العام الجاري 14.06 مليار دولار بينها 6.85 مليار دولار من أصل الدين وفوائد تبلغ 7.21 مليار دولار، كما يتعين عليها أن تسدد خلال السنة المقبلة 2003 نحو 19 مليار دولار.
وهنا لا بد من التذكير بأن ديون روسيا وصلت في مطلع العام 2001 إلى 143.3 مليار دولار (بينها 93.3 مليار دولار ورثتها عن الاتحاد السوفيتي السابق). شهادات خادعة بدأت أولى علامات تغير الموقف الأمريكي خصوصاً والغربي عموماً وبالتالي المؤسسات المالية الدولية من روسيا عقب تولي الرئيس فلاديمير بوتين لمقاليد السلطة في موسكو، وتعهد روسيا بتسديد ديونها للمؤسسات المالية الغربية والالتزام بوصفات صندوق النقد الدولي، وهو ما دفع صندوق النقد إلى الإعلان عن استئناف دعمه للاقتصاد الروسي وتقديم القروض اللازمة، فأثناء حصار العاصمة الشيشانية غروزني أعلنت الدول الدائنة لروسيا عن إعفائها من ثلث الديون المستحقة عليها، وبما يزيد عن خمسة مليارات دولار.
ومما يؤكد ذلك أن الديون الروسية لصندوق النقد الدولي انخفضت من 19.44 مليار دولار في تموز/يوليو 1999 (أي قبل تولي بوتين للسلطة) إلى 14.92 مليار دولار بعد ذلك، ومع الوقت بدأت العلاقات الروسية الغربية تنمو بشكل تدريجي ودون ضجة معلنة، واعتبر الصندوق في بيان له صدر في 18 تموز/يوليو من العام الماضي أن "الأداء الاقتصادي العام في روسيا في العام 2000 كان جيداً"، ولكن مجلس إدارة صندوق النقد "اعتبر أن السلطات الروسية لم تستفد بما فيه الكفاية من الظروف المؤاتية لتسريع تنفيذ الإصلاحات الهيكلية".
وجاءت أحداث الحادي عشر من أيلول/سبتمبر فسارع الرئيس بوتين إلى التقاط الفرصة والإعلان عن انضمام روسيا للتحالف الأمريكي ضد الإرهاب، ليشكل هذا الموقف نقطة تحول في العلاقة الأمريكية الروسية، وبالتالي الحصول على الدعم السياسي والمالي الغربي، ومن بوادر هذا الدعم ما كشفه وزير المالية الروسي أليكسي كوردين في 24 تشرين الأول/أكتوبر الماضي عن أن لدى بلاده اتفاقاً مع صندوق النقد الدولي ونادي باريس لمساعدتها في التغلب على المصاعب التي تواجهها ميزانية عام 2002 إذا ما هبط سعر النفط عن الحد الأدنى المستهدف في الميزانية.
وقال كوردين: "حتى وإن نزل سعر النفط إلى 18.50 دولاراً للبرميل الواحد وهو أدنى مستوى مسجل في الميزانية، فلدينا خطة عمل متفق عليها" مع المؤسستين الماليتين الدوليتين".
وأضاف كوردين: "إنه يمكن التوصل سريعاً إلى اتفاق مع صندوق النقد إذا تطلب الأمر". وذكر الوزير أن نادي باريس للحكومات الدائنة سيبدي تفهما إذا انخفضت أسعار النفط بشدة.
وعلى الرغم من أن الوزير الروسي لم يذكر تفاصيل أخرى، لكن محللين يقولون إنهم يعتقدون أن "كوردين" كان يشير بتصريحاته تلك إلى إمكانية إعادة جدولة ديون الحكومة الروسية أو حتى حصولها على قروض جديدة.
ولعل تصريحات ممثل صندوق النقد الدولي المقيم في موسكو "بول طومسون" في 20 كانون الأول/ديسمبر الماضي تعبر عن تأييد وتعاون أكبر مع روسيا، فقد أكد "طومسون" أن روسيا في مأمن من الكساد الاقتصادي، وأنها قادرة على سداد كامل مستحقات الديون الخارجية المترتبة عليها في عام 2002 دون الحاجة إلى معونات مالية أجنبية، حتى وإن انخفضت أسعار النفط بدرجة أكبر مما هي عليه الآن.
وأوضح "طومسون" أن ما يقي روسيا من الكساد هو اتباعها سياسات اقتصادية قوية في الأعوام القليلة الماضية. وأضاف "الموقف الراهن للسياسات المالية والنقدية والصرف الأجنبي سيظل ملائماً بدرجة كبيرة حتى إذا انخفضت أسعار النفط بنسبة بسيطة في عام 2002 عن مستوياتها الراهنة، ويمكن للسلطات الروسية التكيف مع ذلك دون الحاجة لدعم مالي من الصندوق ولكن سيتطلب الأمر بعض التعديلات في السياسات الاقتصادية".
وأوضح الصندوق أنه يتوقع أن يسجل ميزان المدفوعات الروسي فائضاً قدره 35.6 مليار دولار خلال العام 2001 مقابل 45.3 مليار دولار عام 2000 بينما سيمثل الاحتياطي الرسمي للعملات الأجنبية قيمة ستة أشهر من الواردات مقارنة بنحو 5.5 أشهر العام الماضي. وتجيء هذه التقديرات في أعقاب اختتام بعثة من الصندوق زيارة لروسيا لتقييم سياساتها الاقتصادية. الواقع يكذب التقارير الدولية يعتقد العديد من الخبراء أن تقارير صندوق النقد الدولي عن الاقتصاد الروسي تخفي الكثير من الحقائق التي درجت على إبرازها في السابق، وأن ثمن ذلك هو سير روسيا في ركاب السياسة الأمريكية وتسديد الديون وخدمتها.
ويرى هؤلاء أن نتائج الإصلاحات التي يرعاها الصندوق ما تزال قليلة قياساً بالأزمات التي خلفتها، ذلك أن أفضل التقديرات المتفائلة تشير إلى أن معدل النمو في الناتج المحلي الإجمالي خلال العام الماضي 2001 لن يتجاوز 5.5 في المائة مقارنة مع 8.3 في المائة معدل النمو الذي تحقق عام 2000 استناداً إلى المصادر الروسية، وهو أكده رئيس الوزراء ميخائيل كاسيانوف بقوله: إن إجمالي الناتج الداخلي، وهو مقياس النشاط الاقتصادي العام، سيزداد هذه السنة (2001) بنسبة 5.5 في المائة، بينما يمكن أن تشهد المداخيل الفعلية للأفراد ارتفاعاً يفوق نسبة 6 في المائة.
وأضاف كاسيانوف أمام المجلس الاستشاري للاستثمار الأجنبي أن "روسيا باتت تدريجياً أقل اعتماداً على عوامل اقتصادية خارجية، وأصبح الطلب المتنامي على الإنفاق مصدر نمو جديد".
كما أن النجاح الكبيرة في مكافحة التضخم والذي جرى الترويج له لم يتحقق وكان مقدار التراجع بسيطاً، فقد نقلت وكالة أنباء انترفاكس عن ألكسي أوليوكاييف النائب الأول لوزير المالية قوله: "إن نسبة التضخم في أسعار المستهلكين ستبلغ 18.5 في المائة في عام 2001 بانخفاض طفيف عن العام الماضي.
وأضاف أوليوكاييف "سيكون التضخم أعلى قليلاً مما توقعنا ولكن أقل بواقع 1.7 في المائة نقطة مئوية عن العام الماضي". والتضخم من المشكلات الاقتصادية المزمنة التي تعاني منها روسيا في سعيها لإعادة هيكلة اقتصادها. وكانت الحكومة قد حددت المستوى المستهدف للتضخم في ميزانية عام 2001 بما يتراوح بين 12 و14 في المائة بانخفاض كبير عن مستواه في العام 2000 الذي بلغ 20.2 في المائة. إلا أن الحكومة عدلت لاحقاً توقعاتها إلى ما بين 17 و18 في المائة.
أما على صعيد الفساد المستشري في جميع أجهزة الدولة فقد وصل إلى درجة من الخطورة دفعت بالرئيس بوتين إلى التحذير منه حيث قال في تصريح صحفي: إن فساد المسؤولين يهدد اقتصاد السوق الناشئ في روسيا، ونقلت الوكالة عن بوتين قوله في اجتماع حضره كبار ضباط وزارة الداخلية "الشركات الصغيرة والمتوسطة أصبحت الهدف الرئيس للمجرمين والمسؤولين المتورطين في عمليات ابتزاز".
وتقول مصادر روسية مطلعة أنه في حين يمتدح مسؤولون النمو الاقتصادي ويشيدون بالشركات الصغيرة بوصفها العمود الفقري للاقتصاد، ترصد وسائل الإعلام قضايا يحصل فيها مسؤولون على رشاوى لتسجيل شركات جديدة أو يطلبون رشاوى من الشركات القائمة.
وهو ما دفع بوتين إلى القول: "إن الشرطة تفقد حيادها بخدمة مصالح شركة معينة واضطهاد منافسيها". وأعلن بوتين زيادة نسبة الجريمة في 54 من المناطق الروسية الـ 89 خلال العام الماضي، وقال: "إن أكثر من 2.7 مليون جريمة وجنحة ارتكبت في روسيا في الأشهر الأحد عشر الأولى من العام الماضي، أكثر من نصفها تصنف على أنها جرائم خطيرة.
غي مقابل ذلك تراجعت نسبة الجرائم التي تم كشف ملابساتها في الفترة ذاتها". واعترف وزير الداخلية بوريس غريزلوف في حديث لوكالة ريا نوفوستي أن وزارته لم تقم "بعمل جيد"، وأضاف أن "مكافحة الجريمة في الميدان الاقتصادي غير مرضية على الإطلاق".
وحسب الإحصاءات الحكومية الروسية التي كشف عنها الوزير فإن نحو 360 ألف جريمة ارتكبت في هذا المجال في الأشهر الإحدى عشر الأولى من العام الماضي، بينما ارتكبت أكثر من 250 ألف جريمة مرتبطة بالمخدرات في الفترة ذاتها.
إذن هناك وجهان للوضع الاقتصادي في روسيا الأول يعكسه زيادة الموارد المالية نتيجة ارتفاع أسعار والغاز وغيرها من المواد الأولية وقدرة الحكومة على الوفاء بالتزاماتها الدولية وخاصة للدول الدائنة، والثاني استمرار المشاكل الاقتصادية والاجتماعية المزمنة بل وتفاقمها في كثير من الحالات، وهذا الوضع عبر عنه الاقتصادي الروسي في أكاديمية العلوم اوليغ بوغومولوف بقوله: "النتائج الحالية تعطي انطباعاً جيداً، ولكننا متراجعون عشرة أو عشرين سنة مقارنة مع العام 1991". فإجمالي الناتج الداخلي في العام 2001 تراجع قرابة 30 في المائة مقارنة بما كان عليه في العام 1992 (وهو يعادل إجمالي الناتج الداخلي في بلجيكا).
كما انخفض حجم الإنتاج الصناعي بنسبة 35 في المائة وتدهورت الاستثمارات هي الأخرى بنسبة 70 في المائة، ويعيش روسي من أصل ثلاثة (30 في المائة) بأقل من الحد الأدنى المطلوب. وإذا كانت المناطق الغنية بالنفط أو الغاز أو المعادن تخرج من الوضع المتأزم، فإن المناطق الأكثر فقراً لا تزال تزداد عوزاً".
وقال بوغومولوف إن "الفارق بين الأكثر غنى (10 في المائة) والأكثر فقراً (10 في المائة) هو أحد أكبر الفوارق في العالم وقد يتسبب يوماً بانفجار اجتماعي".
وعرضت صحيفة "اكسبرت" الاقتصادية الأسبوعية صورة قريبة من السابقة بقولها: إن "المستوى الذي بلغته الطبقة الوسطى الروسية الجديدة شبيه بمستوى الطبقة الوسطى الأمريكية في مطلع الستينيات.
وستبقى جامدة على هذه الحال في غياب استثمارات كثيفة في السوق الداخلية الروسية". ولا يزال الأجانب يترددون في المجيء إلى روسيا للاستثمار، ويبقى هروب الرساميل الروسية ضخماً (حوالي 15 مليار دولار سنوياً) وبدأ التلف الذي يصيب التجهيزات الصناعية بالظهور أكثر فأكثر .. ولا تزال البيروقراطية والفساد تنخر النظام، الأمر الذي يؤدي إلى القضاء جزئياً على النتائج الإيجابية للإصلاحات الاقتصادية الكبرى التي انطلقت قبل عامين".
وهنا لا بد من الإشارة إلى أن وزير المالية الروسي أليكسي كودرين أكد في وقت سابق أن حجم رأس المال الذي يهرب من روسيا يتراوح بين 20 و25 مليار دولار سنوياً من بينها ما يصل إلى خمسة مليارات دولار في شكل أموال تم الحصول عليها بشكل غير قانوني.
بكلمة أخيرة إن تغاضي تقارير المؤسسات المالية عن المشكلات الاقتصادية التي يعاني منها الاقتصاد الروسي ليس دليلاً على حلها أو تراجع حدتها، بل إن هذه التقارير تعبر عن مصالح هذه المؤسسات ومصالح الدول المهيمنة عليها دون الاكتراث بمدى الضرر الذي تلحقه سياسات هذه المؤسسات بالدول والشعوب التي تتعامل معها وتشهد على ذلك ساحات عديدة في العالم اندلعت فيها الحرائق جراء هذه السياسات. (ق.ب.)