حملة لتطوير وتنظيم الرشيد، اقدم شوارع بغداد

بغداد
«خليل جاده سي» لدى افتتاحه

تستعد امانة بغداد لاطلاق حملة لتطوير وتنظيم شارع الرشيد، اقدم شوارع العاصمة العراقية، الذي كانت مقاهيه مراكز لتجمع المثقفين العراقيين حتى السبعينات وغنت ام كلثوم في اثنين من ثلاثة فنادق تقع في اوله العام 1936.

واعلنت امانة بغداد التي تعاني من نقص كبير في المعدات بسبب الحظر المفروض على العراق منذ اكثر من احد عشر عاما، انها تستعد لتنفيذ حملة من اجل تطوير وتنظيم الشارع الذي يخترق العاصمة العراقية على امتداد ثلاثة كيلومترات.

وتندرج هذه الحملة التي تهدف الى جعل شارع الرشيد مركزا للحركة الاجتماعية والتجارية والسياسية كما كان في الماضي، في اطار خطة واسعة لتطوير بغداد وتنظيمها، حسبما ذكر امين بغداد عدنان حمد الدوري للصحف العراقية الاربعاء.

ولم يذكر الدوري اي تفاصيل عن هذه الخطة او عن حملة تجديد الشارع الاثري، لكنه اوضح ان تطوير العاصمة العراقية يهدف الى تنظيمها "بالشكل الذي يليق بامجادها وتاريخها الذي يعود الى اكثر من الف عام".

وقد افتتح شارع الرشيد في الثالث والعشرين من تموز/يوليو 1916 وكان يحمل اسم خليل باشا، او "خليل جاده سي" احد الولاة العثمانيين الذين حكموا بغداد.

وبعد دخولهم العراق في الحرب العالمية الاولى، قام البريطانيون بتغيير اسمه ليصبح "الجادة العامة"، قبل ان يطلق عليه العراقيون بعد الاستقلال في 1921 اسم "الرشيد" تخليدا لذكرى الخليفة العباسي هارون الرشيد (786-809).

ويروي المعمرون في بغداد حوادث عديد من ذكريات في هذا الشارع الذي كان يضم جوامع ومساجد واسواقا تجارية ومقاهي وملاهي ودورا للعرض ومسارح وشهد الكثير من الحوادث التاريخية المهمة.

ويرى هؤلاء المعمرون ان الشارع "اصبح حزينا ولم يعد فيه سوى بقايا من بقايا الماضي واثر الامس ولم تعد له هوية ولا شيء يميزه عن الشوارع الجديدة سوى لوحات عند مداخله كتب عليها «شارع الرشيد»".

وقال احد البائعين القدامى في هذا الشارع ان "الايام اتت على معظم معالم هذا الشارع العتيق من مقاه وخانات واماكن كان لها مع التاريخ وقفة".

ومن هذه المقاهي ذكر هذا الرجل المسن "مقهى البرازيلية" الذي قال انه "انقلب رأسا على عقب". وكان هذا المقهى، كغيره من مقاه عديدة في مدن الشرق الاوسط، احد اهم مراكز تجمع المثقفين العراقيين طوال عقود انتهت في السبعينات.

واوضح ان رجال الادب والسياسة "كانوا يتجمعون فيه ويشربون القهوة ويتبادلون الآراء ويتناقشون في امور الحياة الثقافية والسياسية".

وقال معمر عراقي كان يرتاد مقهى آخر وهو مقهى عزاوي الذي كان مقرا لغناء المقامات العراقية ان ام كلثوم غنت في فندقي "الهلال" و"الجواهري" اللذين يقعا في اوله في 1936. وفي هذين الفندقين ايضا صورت افلام مثل فيها المصريان يوسف وهبي ونجيب الريحاني.

وتحدث خبير عراقي في شؤون الاسكان والعمران عن "معاناة" الشارع من "حركة مرور السيارات التي تفوق قدرته على الاستيعاب لانه مصمم لعدد قليل منها"، مؤكدا انه يتميز عن غيره من شوارع بغداد "بطرازه المعماري التراثي".

اما اصحاب المحلات التجارية، فيعانون من تراجع حركة البيع والشراء خلافا للازدهار الذي كان يشهده الشارع في منتصف الخمسينات، موضحين انهم يضطرون لاغلاق ابواب محلاتهم بعيد حلول الظلام بسبب انعدام الحركة فيه، حسبما قال احدهم بحزن.

وفي وسط هذا الشارع الذي شهد ولادة اول دار لعرض الافلام السينمائية وهي "سينما العراق" تقع الاسواق العريقة ومن بينها سوق الشورجة اكبر الاسواق التجارية والسوق العربي وسوق الصفافير.

ويتميز شارع الرشيد الذي يربط بين ساحة التحرير في وسط بغداد وساحة الباب المعظم، بكثرة الاعمدة التي تعلوها اجزاء من العمارات المشيدة على جانبيه، وهذا ما يجعل ممرات المشاة والمحلات في منأى عن اشعة الشمس الحارقة خلال الصيف حيث تبلغ درجة الحرارة اكثر من خمسين درجة مئوية.

وتقع على اطراف الشارع جوامع ومساجد شهيرة من بينها جامع السيد سلطان علي الذي امر الرئيس صدام حسين العام الماضي بتطويره وجوامع الازبك والمرادية ومرجان والاحمدية والوزير والاصفي وجامع الحيدرخانة الى جانب عدد من الكنائس المهمة منها كنيسة مريم العذراء وكنيسة ام الاحزان.

وكان هذا الشارع في منتصف الخمسينات مركزا لانطلاق التظاهرات الوطنية ضد الهيمنة البريطانية والحكومات الموالية للغرب.

ومن ابرز الحوادث التاريخية التي شهدها محاولة الاغتيال التي قامت بها مجموعة من البعثيين بقيادة الرئيس الحالي صدام حسين في هجوم على موكب رئيس الوزراء العراقي عبد الكريم قاسم (1958-1963) في نهاية 1959.

ويتوسط شارع الرشيد تمثالان احدهما للشاعر العراقي معروف الرصافي، اما الثاني فهو لعبد الوهاب الغريري الذي كان ضمن المجموعة التي هاجمت موكب عبد الكريم قاسم وقتل في هذا الحادث.

وفي هذا الشارع، مر ايضا موكب الملك فيصل الثاني الذي اطاحته الثورة على النظام الملكي في 1958، جالسا في عربته الملكية تجرها الخيول في طريق عودته الى القصر الملكي في الحارثية بعد تتويجه ملكا على العراق في ايار/مايو 1953.