اطرق الباب، أي باب، وانتظر سرا او مفاجأة!

بغداد
هل انت مستعد لما خلف الباب؟

الباب، أي باب، يشكل لي عالما مجهولا، مبهما يخبئ وراءه سرا ما دائما او اشخاصا يكون الباب حاجزا بيني و بينهم.

الباب اشعره كائن خرافي يفصل بحدة بين العالم المتمثل بالشارع والخاص المتمثل داخل البيت. كائن يرى و يحب احيانا ويحقد احيانا اخرى.

الباب هذا "الكائن" من الخشب او من الحديد، كان وما يزال مثار الدراسات والبحوث وموضوعا اثيرا للشعراء والكتاب، وعندما نتحدث غالبا ما نذكر الباب. ومدار هذا التحقيق عن الباب، أي باب.

على باب الله

على باب الله، المصطلح الذي نستخدمه عندما يذهب احدنا الى باب رزقه والى عمله، يعود في الاساس الى مدينة بابل.

وبابل كلمة مشتقة من باب-ايلي، أي باب الاله. و كان البابلي عندما يترك مدينته الى العمل مغادرا من باب ايلي، يقال انه ذهب الى باب الله، وفي المصادر التاريخية، ايضا، نرى ان السومريين عبروا عن افعال الاستقرار والحماية برسم صورة لوح الخشب الذي كان يغطي مداخل البيوت.

واهتم الاثاري مؤيد سعيد بموضوع الباب في اطروحته للماجستير وكانت عن الابواب في الفنون التصويرية العراقية القديمة، وكانت اطروحته للدكتوراه عن البوابات والأبواب في العراق القديم.

يقول سعيد "من خلال عملي اكتشفت ان الأبواب كانت ترمز في المعابد الى اطلالة الاله- كأن يدخل او يتفرج..الخ. واصل المحراب هو باب اغلق بجدار خفيف وما يزال هناك محراب اسلامي في المتحف العراقي عبارة عن باب مفتوح للنصف. والباب عموما في الفنون التصويرية العراقية القديمة كان يرمز الى البناية كلها. ورسم الفنان بابا في اشارة الى البناية مطبقا مبدأ «الجزء يمثل الكل». وتناولت الأساطير و الديانات والمعتقدات العراقية القديمة الباب ورموزه في تفاسير الاحلام وفي فتح الفال. وكانت ابواب المدن تسمى باسماء الالهة. وتعقد المحاكم والاسواق عند البوابات. وكان لكل باب قيمته الخاصة. وهناك مناظر «رقص دبتي مثلا» في حدود 3000ق.م على أختام مدينة اور ترينا الراقصين والمتعبدين وخلفهم منظر لباب المعبد فقط. وبملاحظة باب المعبد نرى انه ما يزال يستخدم كطراز معماري او تحلية معمارية في جنوب العراق."


الباب البسيطة جميلة ايضا
وفي كتابه "الابواب و البوابات في العراق القديم"، يشير مؤيد سعيد الى موقع الباب في البيت العراقي القديم وعلاقته بموقع البيت وغرفه والابواب التي تربط بين غرفة واخرى وشكلها. فقد كان الباب الرئيسي لا يختلف من بيت الى آخر ولمن داخل البيت يختلف في السمك والارتفاع. اما العتبة فقد كان من الحجر في الشمال، وفي الجنوب من الطابوق الطيني. وكانت الابواب تصنع بواجهة معدنية او من الخشب والابواب المتداخلة (السلايد) كانت موجودة في المعابد العراقية القديمة. وفي المتحف العراقي نماذج لابواب عراقية قديمة مختلفة.

وفي التاريخ العراقي، اشهر بوابة هي بوابة عشتار المكرسة للالهة عشتار. كان ارتفاعها 36 قدما وتمر خلال سوري المدينة شمال بابل. وكانت في البداية غرفة طويلة شقت في السور الداخلي العريض ثم غرفة عريضة شقت في السور الخارجي الاقل سمكا وكلا المدخلين يحرسهما من الخارج برجان بارزان وحوت جدرانها المشيدة من الطابوق المزجج افاريز عليها حيوانات تسير في و صفوف من الثيران تتناوب مع صفوف من التنين.

باب السلام

وقدم الباب تجربة جديدة للنحات العراقي محمد غني حكمت ومن خلاله للفن العراقي. اذ نحت ابوابا جميلة، وكان اولها باب نفذه سنة 1965 حين كان يمر بأزمة عمل. ونحت حكمت، بنصيحة من اصدقائه بابا من النحاس، مثلت البداية في مشوار طويل.

وسألت النحات محمد غني حكمت عما يعنيه شكل الباب بالنسبة له فقال "الباب كعمل فني فتح لي مجالا شخصيا للتعبير عن كل تجاربي النحتية واشباع رغبتي في التجريد. وجعلني ابحث في كل عمل جديد عن موضوع جديد واسلوب جديد وخطوط جديدة تختلف عن سابقاتها."


الفنون تجد متنفسا لها في الابواب
قلت له: هل تتفق مع المهندس المعماري الذي يصمم البيت بالنسبة للباب؟

اجاب "انا انحت ما يعجبني دون أي تدخل. وقناعتي وتفاهمي مع المعماري حافز مهم لي بان اقبل العرض. اضافة الى نحت الباب، اقوم بالاتفاق مع المهندس بتصميم المدخل. اهتم بالباب كثيرا. فقد تعودنا نحن العراقيين ان نتحدث قرب الباب لدى الدخول والخروج وان نتفرج على الباب لدقائق."

لكل باب ينحته محمد غني حكمت اسم. واهم باب قام بنحته هو باب السلام الذي قدمه هدية الى مقر اليونسكو في باريس في منتصف الثمانينات وكان اول عمل فني عربي في اليونسكو. وهو من الخشب ويحمل نقوشا لحمامات غير واقعية. كل حمامة تشير الى اتجاه مؤكدة على السلام.

اسأل محمد: الباب، ماذا يعني لك؟

فيجيب "دائما، كلما طرقت الباب افكر بمن سيفتحه لي. الباب بالنسبة لي سر و مفاجأة، وفترة الانتظار بين الطرق والفتح اعتقدها طويلة وتدفعني الى التفكير."

الباب العين

ولكن ماذا يشكل الباب بالنسبة للمعماري؟

تقول المهندسة المعمارية شيرين الراوي "بالنسبة للمعماري، يشكل الباب بداية عالم جديد. فهو يصمم والباب بالنسبة لتصميميه مهم جدا، هو العلاقة بين المظهر الخارجي (البناية) وبين الجوهر الحقيقي في الداخل الى الروح. من خلاله يكتشف كم كان تصميمه ناجحا. الباب بالنسبة اليه هو الامتحان الاخير. الباب يشكل البداية والنهاية، اذن مثل العين التي تعكس روح الانسان, والباب هو نقطة انتقال بين الخاص والعام. قد يكون الانتقال مباشرا هو الخاص يبشر الخرج من الباب، او انتقال تدريجي من بين فضاءات عدة، وانتقال مفاجئ كأن نجد الباب فجأة كمنقذ او كمدخل الى المغامرة، مثل باب افتح يا سمسم."

باب الطلسم

كانت لبغداد ابواب تاريخية هي ابواب الكوفة، البصرة، الشام وخراسان وباب الطلسم الذي نسفه الاتراك في 1917. وفي العهد السلجوقي تغيرت اسماء هذه الابواب الى باب السلطان، الباب المعظم، باب كلواذي، باب الحلبة (باب الشيخ) وباب الظفرية (الباب الوسطاني) الذي ما يزال شاخصا قرب مرقد الشيخ عمر السهروردي وباب البصبية.

وفي بغداد اليوم كما في سائر المدن العراقية، عشرات المراقد الدينية ولكل مرقد باب او ابواب لا تقدر بثمن لقيمتها التاريخية والفنية فضلا على كونها من الذهب الخالص او الفضة الخالصة. فابواب الصحن الكاظمي والشيخ عبد القادر الكيلاني من الذهب والفضة والخشب تشكل تاريخا في الفن العربي- الاسلامي، وتشكل العلاقة بين الانسان العربي المسلم وايمانه اذ يمر من عالمه اليومي الى عالم الروح والايمان.

الباب في الحلم

عن الباب في الحلم، يقول ابن سيرين: الباب في المنام يدل على رجل المنزل والعتبة تدل على زوجته. والباب المفتوح بداية جديدة و ناجحة والمقفل حظ مؤجل ومعطل واقتحام الباب عنوة متاعب قانونية والابواب المفتوحة ابواب للرزق اما البوابة المفتوحة لك في المنام فتدل على انك ستخطو خطوة جديدة في الحياة والبوابة المغلقة دليل على النجاح بعد التعب.

وللجنة ثمانية ابواب ، وعلى المسلم ان يسأل الله سبحانه ثماني مرات (اللهم انّا نسـلك الجنة). وللنار سبعة ابواب وعلى المسلم ان يسأل الله سبحانه سبع مرات (ربنا اجرنا من النار).

الباب.. الامل.. الحب..

وللباب حصة كبيرة في المفردات الادبية والاعمال الثقافية. وتخطر في بالي الآن مسرحية في انتظار غودو ليفتح لهما الباب . غودو كان وما يزال الامل او الحلم، وربما هو الباب الذي لم ولن يفتح.

وهناك الباب المفتوح لمحمود دياب والباب الضيق لاندريه جيد والباب الضيق النافذة النقدية التي كان يكتبها المرحوم الدكتور علي جواد الطاهر. والباب الذي جاء بمعنى الحياة في مسرحية يوسف الصائغ "الباب". ففي المسرحية نجد المرأة تدفن مع زوجها وتدفن مع زوجها وتنزل الى القبر ويغلق عليها الباب. وتتعرف الى الحياة ودفء الحب في المقبرة مع شخص آت ويعود اليها الحلم: ان تفتح باب الحياة للحب ثانية.

وفي اساطير الحب العراقية نجد ان عشتار عبرت البوابات السبع للعالم السفلي على امل ان تسترجع حبيبها تموز.

والاب في الف ليلة وليلة نجده في كل حكاية ودائما هناك مفاجأة مفرحة او صدمة بعد كل باب.

وفي قصيدة سيدة ورجل للشاعر عيسى العبادي، يصبح الباب رمزا للخيانة. فهو يقول:

"طرق الباب

في الداخل سيدة و رجل

من يطرق في هذا الليل؟

ثانية طرق الباب

خرج الرجل لحظات عاد مرتبكا

من؟

لا احد

الطارق غاب

في الصبح رأت السيدة ظل امرأة مرسوما فوق طلاء الباب."

والباب في قصيدة الشاعرة ساجدة الموسوي كان مخيبا للآمال، اذ تقول: طرقت الباب.. طرقت.. تعبت يداي.. فتح الباب لغيري. وانا مخافة ان تفتح باب قلبك لغيري، كففت عن الطرق واشرعت ابواب قلبي لتدخل وقتما تشاء.