الهجرة لاوروبا.. مقامرة بالحياة نفسها

القفز فوق كل الموانع للوصول لاوروبا

باريس - رغم أنّ هناك مبررات مفهومة تكمن وراء أمواج الهجرة إلى أوروبا؛ إلاّ أنّ دول القارة ماضية في تطويق حدودها الممتدة بأسوار من الحواجز الإلكترونية، وتعزيزها بالمراقبة المشددة التي تشارك فيها الطائرات المروحية، والدوريات المتلاحقة، وقوات حرس الحدود، والكلاب المدرّبة، والمناظير الليلية.
واستنتجت مجلة "الأوروبية" في عددها الجديد أنّ "الستار الإلكتروني قد حلّ محلّ الستار الحديدي الذي تهاوى منذ عام 1989، فتدابير التفتيش الحدودية على المعابر الأوروبية، وإجراءات التحرِّي عند المنافذ التي تفضي إلى الدول الموقِّعة على اتفاقية شنغن للحدود المفتوحة؛ مزودة باعتى تقنيات التدقيق الإلكتروني"، كما ذكرت.

وتحدثت "الأوروبية" في عددها الجديد عن "انتعاش عصابات التسلل غير المشروع عبر الحدود، التي تدرّ أرباحاً تقدر بعشرات المليارات من الدولارات على أربابها. فالأذرع الممتدة لشبكات تهريب البشر قادرة على اختراق الحدود؛ طالما أنّ الباحثين عن فرص أفضل في العيش لا يترددون في دفع عصارة كدهم لأرباب التسلل من مصاصي دماء المقهورين"، على حد وصفها.

تحذيرات المخابرات

ونقلت المجلة عن رئيس المخابرات الألمانية أوغوست هانينغ تحذيره من "التهديد المتفاقم" الذي تنطوي عليه الهجرة غير المشروعة إلى أوروبا، ويشير هانينغ إلى "الحلقة الشيطانية"؛ فمع زيادة أعداد المتسللين ترتفع أعداد المجرمين الذين يتحركون تحت غطاء البحث عن الملجأ الإنساني، كما يرى.

وأوردت المجلة تفاصيل مذهلة عن المتاعب التي تنتظر المتسللين العرب والمسلمين إلى أوروبا، وسلّطت الأضواء على معاناة "عشرات الآلاف من المهاجرين العرب والأفارقة الذين يحاولون اجتياز مضيق جبل طارق سنوياً، وعنهم أخرجت الشابة المغربية ياسمين كسّاري (33 سنة) فيلمها التسجيلي "عندما يبكي الرجال". فعلى امتداد 57 دقيقة تنقل الكاميرا جوانب من المعاناة الصامتة للعمال المغاربة الذين عبروا إلى الشاطئ الشمالي من المتوسط بحثاً عن مستقبل أفضل، فاصطدموا بجدار مسدود وقد تحولت جنتهم الموعودة إلى أشغال شاقة".

وأبدت استغرابها لأنّ "صانعي القرار في أوروبا لا يُظهرون اكتراثاً بآلام المهاجرين ومتاعب اللاجئين، إذ لا متسع لذلك كله في حسابات الربح والخسارة التي تطغى على جدول الأعمال السياسي في القارة الموحدة".

أرباح شبكات التهريب بالمليارات

وتحت عنوان "لا حدود للجشع في تجارة البشر" لاحظت المجلة أنّ "عصابات الجريمة المنظمة تتمادى في ابتزاز المتسللين الذين يتدفقون من البلدان الأفقر في العالم. أما الأرباح التي تجنيها عصابات تهريب البشر إلى أوروبا فتبلغ خمسة مليارات يورو كل سنة"، نقلاً عن تقرير خاص أصدره جهاز المخابرات الألماني في أيار (مايو) الماضي ويقع في مائة صفحة.

ولاحظت أنّ عوائد نقل المهاجرين "بطريقة غير قانونية"؛ تضاهي ما تحصل عليه شركة عملاقة مثل السكك الحديدية الألمانية من أرباح في عام بأكمله، جراء نقل الركاب "بطريقة قانونية".

إذ تبلغ عمولة ركوب قارب للتهريب من المغرب إلى أسبانيا خمسمائة يورو للمتسلل الواحد، ولا تقل عمولات التسلل من شرق أوروبا إلى غربها عن هذه القيمة أيضاً، ويضطر المتسلل من الصين إلى الولايات المتحدة الأميركية إلى دفع عمولة قدرها ثلاثين ألف دولار.

وحسب بيانات منظمة العمل الدولية فإنّ تجارة تهريب المتسللين إلى الولايات المتحدة تدر أرباحاً تتراوح بين خمسة مليارات وسبعة مليارات دولار كل سنة. والنتيجة التي تحظى بإجماع الساسة والمراقبين هي أنّ "تهريب البشر هي التجارة الإجرامية الأسرع نمواً في العالم"، كما جاء في إعلان مشترك في نهاية العام الماضي بين رئيس الوزراء البريطاني توني بلير ونظيره الإيطالي آنذاك جليانو آماتو.

الفساد الإداري يشجع مافيا التهريب

وذكرت "الأوروبية" في ملفها الخاص أنّ "شبكات تهريب المهاجرين إلى البلدان الأوروبية تعمل بكفاءة متزايدة، وفقاً لما تؤكده الجهات المختصة في القارة. ومن الواضح أنّ العصابات الصينية والإيطالية والألبانية هي الأكثر نشاطاً في توفير خدمات اختراق الحدود للراغبين في الانتقال إلى أوروبا الغربية. والمثير أنّ هذه العصابات تدير وكالات للسياحة والسفر في أنحاء متفرقة من العالم، كما أنّها قد بثت عناصرها في شركات الطيران لتسهيل مهمات التهريب".

وأوضحت أنه "في قطاع الهجرة غير المشروعة لا يقتصر أداء أذرع الجريمة المنظمة على هذا كله، إذ تتجاوزه إلى توزيع الرشاوى على عناصر الشرطة وشراء ذمم موظفي المعابر الحدودية. فتجارة تهريب البشر إلى أوروبا تستفيد بشكل مباشر من الفساد الإداري لتحقيق أطماعها. فعلاوة على دفع الرشاوى لرجال الشرطة وموظفي المعابر الحدودية؛ تجري محاولات حثيثة لاستمالة موظفي البعثات الدبلوماسية الأوروبية لتسهيل عمليات التسلل والتهريب"، واستشهدت بحالة بعض السفارات الهولندية في دول العالم الثالث استناداً إلى ما أفصحت عنه مصادر هولندية رسمية قبل سنتين.

وأضافت المجلة "لعبور حدود الاتحاد الأوروبي يتقاضى المهربون أجوراً لا تقل في العادة عن خمسة آلاف يورو، وترتفع التكاليف مع ازدياد الوسطاء، فالمهاجر من أفغانستان إلى الجزر البريطانية مثلاً لا بد وأن يمر عبر سلسلة ممتدة من حلقات التهريب والابتزاز. ومن المألوف أن يسعى المتسللون لاختراق الحدود مراراً إلى أن تنجح محاولاتهم التي تكتنفها المخاطرة بالأرواح، أو أن يقعوا في قبضة حرس الحدود ورجال الشرطة أحياءً أو أمواتاً، كما أوردت المجلة المتخصصة في الشؤون الأوروبية وأوضاع الأقليات الإسلامية في القارة".

وأكدت أنّ "هناك الملايين من البشر ينتظرون فرصة التسلل إلى أوروبا عبر مسارات الهجرة التقليدية. ويُعَدُّ "المثلث الأسود" الواقع بين العاصمة الروسية موسكو والعاصمة الأوكرانية كييف والعاصمة الروسية البيضاء مينسك مرتعاً لعصابات التهريب، التي تسعى جاهدة لتمكين قرابة مليوني شخص على قائمة الانتظار في المنطقة من التسلل إلى الاتحاد الأوروبي".

ولاحظت مجلة "الأوروبية" أنّ "حركة تهريب المهاجرين إلى أوروبا متواصلة بضراوة، وتستخدم في عملها السفن والقوارب الخشبية والزوارق السريعة والطائرات والسيارات والشاحنات. وفي سوق التهريب فإنّ الوسيلة ودرجة المخاطرة ونوعية الأوراق الثبوتية المطلوبة تحدِّد السعر الذي يتقاضاه المهرِّبون؛ لكنّ أحداً لا يستطيع أن يضمن لهذه الحشود من البائسين أن تصل بالفعل إلى مقصدها وعلى قيد الحياة".

انتهاكات لحقوق المهاجرين

ربط ميخائيل غينر، الخبير المتخصص في الرعاية القانونية لطالبي اللجوء، بين الأجواء السياسية في دول أوروبا والتشدد الذي طرأ في السنوات الأخيرة مع اللاجئين. وهاجم بشدة مشروع قانون الهجرة الذي عرضه مؤخراً وزير الداخلية الألماني أوتو شيلي، ووصفه بأنه يمثل انتهاكاً صارخاً لحقوق الإنسان، كما جاء في تصريحاته لـ"الأوروبية".

من جانبه فقد ذكر أندرياس هالباخ المسؤول في منظمة الهجرة الدولية "من المنتظر أن تتزايد ضغوط الهجرة من البلدان الفقيرة إلى أوروبا، وفي الوقت ذاته سيتيح التناقص السكاني في أوروبا الغربية متسعاً للمهاجرين الجدد فيها". وأضاف يقول "القناعة التي تزداد رسوخاً في البلدان الأوروبية هي ضرورة تعزيز الشراكة مع البلدان التي يتدفق منها المهاجرون، والدرس الذي ينبغي استيعابه هو أهمية فهم العوامل التي تُحرِّض على هذه الهجرة".

بدوره فإنّ السيد ماكس كوخ، المتحدث باسم منظمة "إس أو إس متمنش" الحقوقية، لا يُخفي استياءه من التشدّد الذي تمارسه دول أوروبية في استيعاب اللاجئين وعدم منح بعضها حقوقاً كافية للمهاجرين إليها. وأشار كوخ بأسف بالغ لأنّ بعض طلبات اللجوء في أوروبا تبقى عشر سنوات في الأدراج دون أن يتم البت فيها، وأما نسبة الموافقة على هذه الطلبات فضئيلة للغاية. وربط الناشط الحقوقي بين صعود أحزاب اليمين المتطرف في أوروبا وإيصاد أبواب القارة أمام اللاجئين.

الهجرة ليست ترفاً

أما الخبير السويدي الدولي في شؤون الهجرة يوناس فيدغرين، فقد لاحظ خلال حديثه لـ"الأوروبية" أنّ قضية الهجرة واللجوء تطغى بشكل واضح على وسائل الإعلام الغربية اليوم. لكنّه أشار إلى أنّ ظاهرة الهجرة واللجوء ليست هي أبرز الظواهر التي ينبغي أن تشغل الرأي العام، فمعظم سكان العالم يعيشون في أوطانهم ويريدون أن يستمروا في العيش فيها.

وأكد فيدغرين أهمية الروابط الاجتماعية والإثنية بالنسبة لحركة الهجرة، فالأقارب والأصدقاء وأبناء الشعب الواحد يتمتعون في العادة بارتباط وثيق، ولذا فعندما تهاجر أعداد من الناس من بلد ما إلى بلد أوروبي، تلتحق بها أعداد أخرى من الأقارب والأصدقاء وأبناء الوطن، ويلاحِظ في هذا المجال أنه إذا ما كان عدد المهاجرين من بلد ما أقل من ألف نسمة في دولة أوروبية تكون هناك هجرة قليلة لاحقاً من البلد ذاته إلى هذه الدولة.

وفي تقرير لها من تيرانا أكدت المجلة أنّ الهجرة إلى الخارج ليست ترفاً في ألبانيا، فمن يحزم حقائبه ويرحل من هذا البلد إلى أرجاء أوروبا وأمريكا، أو يتسلل إليها خلسة بلا حقائب ولا أمتعة، لا شك أنه لا يفعل ذلك من فراغ، لأنّ الهجرة إلى الغرب هي أهم متنفس اقتصادي للمجتمع الألباني، الذي يُعَدُّ أفقر المجتمعات الأوروبية، ولذا فلا تكاد تخلو أسرة ألبانية من أبناء لها يعملون في الخارج. (ق.ب)