عولمة الثقافة

إذا كانت العولمة تهدف إلى تخليص الإنسان من كل أشكال الظلم وتحريره من العبودية المهينة وتحقق له كل رغباته كما يروج لها مؤيدوها، أو كانت تهدف إلى الانفراد بالقوة وقيادة العالم والسيطرة عليه كما يراها المنتقدون - فقد كانت تلك أحوال لدول سابقة وقديمة - إلا أنها ما زالت تمثل صورا حية في ثقافتنا وأذهاننا، حيث القوة في ذاكرتنا العربية والإسلامية المتجلية في خطاب حاكم عربي لحاكم "غربي" بمفهومنا الحديث (بسم الله الرحمن الرحيم؛ من هارون أمير المؤمنين إلى نقفور كلب الروم)، وحيث مفهوم العدل عند عمر بن عبد العزيز الذي رأى أن في حصوله وأهل بيته على عطايا ومنح من دون عامة الناس وبدون وجه حق يشكل صورة واضحة للظلم واستغلال المكانة فأمر وزيره "مزاحم" بإخراج السجلات وصكوك الخاصة بتـلك المنح ثم قام الخليفة عمر وقطّعها بيده.

تلك الصور والامثلة وغيرها من الشواهد الثقافية والعلمية أثبتت أن العولمة ليست جديدة بل هي إحدى السنن الكونية. فالأمة التي تطبق العدل في داخلها وتمتلك القوة العسكرية والاقتصادية تستحق أن تكون عالمية القيادة كما كانت دولة الإسلام في القرنين الأول والثاني الهجري عندما كانت الفتوحات العسكرية تسير بتواز مع الفتوحات العلمية والوفود التعليمية والتثقيفية لا تتخلف عن الوفود العسكرية إن لم تسبقها.

لقد كان العرب في ذلك الوقت يعيشون عولمة تشبه عولمة العصر الحديث عسكريا وثقافيا واقتصاديا بشكلها القوى والقيادي. إلا أن عولمة الماضي تختلف عن عولمة الحاضر في المضامين والأهداف، حيث ارتقت الشعوب والأمم في فكرها وسلوكها مع العولمة القديمة التي التقت فيها الواقعية بالمثالية في "المدينة المنورة" ثم انطلقت إلى الأمم الأخرى مبشرة ومنذرة على أساس امتزج فيه العدل بالقوة مبدأه (والله لو أن فاطمة سرقت لقطعت يدها). واستمر هذا المبدأ شعارا وسلوكا للثقافة المسيطرة آنذاك ، حتى جاء قوم انتهجوا القوة فقط لتحقيق مصالحهم وفق مبادئ "الآغا" والتي حدّت من عالمية الثقافة العربية وأبعدتها عن موقع القيادة والتوجيه لتأتي قوى وثقافات أخرى تسير العالم وتوجهه نحو عولمة جديدة بدأت مراحلها الأولى في المجال التجاري منذ الستينات حيث عمل أصحاب رؤوس الأموال عقب الحرب العالمية الثانية على الحد من القيود السياسية المفروضة على التجارة الدولية مما أدى إلى زيادة معدلات النمو الاقتصادي أدى بدوره إلى زيادة نفوذ أصحاب الأموال والقيادات الاقتصادية داخل المؤسسات الحاكمة وتدخلهم في كثير من الأحيان في اتخاذ القرارات الوطنية.

وثمة كثيرون يشبّهون العولمة المعاصرة بالاستعمار الذي يعتمد على القوة العسكرية للسيطرة على الشعوب في الوقت الذي تعتمد فيه العولمة لتحقيق أهدافها على التوجيه الفكري والسيطرة الثقافية بأسلوب مبهر ومؤثر يدفع الشعوب الأخرى وخاصة الجيل الجديد منه على التقليد ومن ثم الاستسلام وقبول سيطرة الأجنبي على كل شئ وبشكل غير مباشر.

ولقد ظهرت مؤخرا عدة تعريفات للعولمة طبقا لتعدد مفاهيم أصحابها واختلاف نظراتهم للعولمة. فمنهم من يعتبرها غزوا ثقافيا وحضاريا موجها لكل الأمم والشعوب، ومنهم من يرى أنها عبارة عن توجهات ونشاطات اقتصادية تهدف لهيمنة راس المال ، وثالث يرى في العولمة أسلوب جديد للاستعمار والتواجد العسكري على أراضي الغير.

والذي يظهر من خلال الوقائع والأحداث المتتابعة ومن شواهد التاريخ أن العولمة هي كل تلك المفاهيم فهي عملية ازالة الخصوصيات الوطنية والفكرية عن طريق اعادة تشكيل العالم ثقافيا وعسكريا واقتصاديا بما يتوافق مع مصالح القوة العظمى المتفردة دوليا في إصدار القرارات بالنيابة عن الغير مستخدمة كل الطرق لتحقيق هذا الهدف وليس مهما بعد ذلك ما تؤول إليه الشعوب المهم أن يسير "الكاوبوي" على حصانه وفي أي اتجاه وعلى أي ارض دون أن يوقفه أحد أو أن يُمنع من أي شئ ، ومن يحاول الخروج أو العصيان تُفتح عليه أبواب جهنم وتُغلق دونه أبواب الرحمات.

ولم يقتصر هذا التوجه والتأثير على المجالات الرئيسة الثلاثة السابقة بل تعداه إلى المجال الرياضي حيث تُبذل الجهود للسيطرة على مختلف الاتحادات والمؤسسات الدولية الرياضية والتأثير في المناسبات واللقاءات الرياضية التي يُفترض أن تكون بعيدة عن الصراعات والأطماع السياسية والعسكرية، إلا أن النظرة الواحدية للعالم لا تسمح لأي نشاط أو توجه بان يخرق مجال السيطرة والحصار مستخدمة في ذلك كل الوسائل المشروعة وغير المشروعة.

وبما أن القوة العظمى تتحكم بسياسات وأنشطة كثير من الحكومات والمنظمات والهيئات الدولية سواء في المجالات السياسية أو العسكرية أو الاقتصادية فهي تستطيع توجيهها لخدمة مصالحها وتعزيز سطوتها حتى على الدول الأوروبية التي كانت في وقت من الأوقات توصف بالعظمى.

وتعتبر الأنشطة والفعاليات الثقافية والفكرية من أهم المجالات التي حاول الاستعمار الغربي قديما والإسرائيلي حديثا الدخول منها إلى المجتمعات العربية للوصول إلى اكبر قدر من المؤثرين الفكريين بهدف تغيير موقف الجماهير العربية من الوجود الأجنبي عموما والعدو الإسرائيلي خصوصا وقد استطاعت بعض المنظمات الغربية الوصول إلى بعض المثقفين العرب والتأثير عليهم بكل أنواع المغريات لجعلهم يتبنون فكرة "التطبيع" مع الصهاينة وتسويق شعارات "انسانية الظاهر" مثل محاربة العنف والمقاومة السلمية وتكوين المنظمات ذات الشكل العربي والمضمون الصهيوني وأبرزها جماعة"كوبنهاغن" التي تحضى بالدعم المالي والرعاية الإعلامية من قبل دول وهيئات أوروبية.

ولقد بذلت كثير من المحاولات المستمرة والزيارات المكوكية "للراعي الأمريكي" لبعض دول المنطقة العربية لإقناعهم بالترغيب مرة والترهيب مرات لكي يغيروا موقفهم من الدولة العبرية ومع انه نجح مع بعض الأنظمة المهزومة داخليا إلا انه لم ولن يستطع إقناع الجماهير العربية وهذا ما أكده الشعب الفلسطيني المقاوم وذلك من خلال الرد على الغطرسة الصهيونية بكل قوة يمتلكها حتى وان كانت مجرد حجر، كما أكدت ذلك بقية الشعوب العربية الغاضبة والتي لا تثق في كثير من حكامها فضلا على أن تثق في الصهاينة أعداء الأمة والتاريخ وكل السلام.

Hemah99@hotmail.com