إسرائيل وسيناريوهات القيادة الفلسطينية البديلة

اعتادت وسائل الإعلام الإسرائيلية تسريب بعض السيناريوهات التي تتعلق بمكانة السلطة الفلسطينية عموما ورئيسها ياسر عرفات خصوصا، وذلك في إطار الحرب التي تشنها ضد الشعب الفلسطيني لإجهاض انتفاضته وابتزاز قيادته وفرض املاءاتها عليه.

وفي هذا السياق أبرزت الصحف الإسرائيلية تصريحات شارون حول نيته اجراء مفاوضات حول وقف إطلاق النار مع القادة الفلسطينيين الميدانيين، وليس مع عرفات. وبحسب دان روبنشتاين فإن هذه التصريحات تعبر عن خيبة الأمل من القيادة القديمة، من مثل ابو مازن وابو العلاء ونبيل شعث وأشباههم من قدامى السياسيين في "فتح". وبرأي روبنشتاين فإن "فجوة الأجيال تلعب دورا هاما في الضغوط من اجل إحداث التغيير..فثمة درجة معينة من القطيعة والنفور كانت دائما موجودة بين القادة القدامى وبين الجمهور العريض في الضفة وغزة منذ إنشاء السلطة الفلسطينية، وانتفاضة السنة الأخيرة زادت من هذه القطيعة بأضعاف."(هآرتس 13/11)

وقد جاءت تصريحات وزير الدفاع الإسرائيلي في ذات الإطار، ففي مقابلة معه نشرتها معاريف يوم 16/11، أشار بنيامين بن اليعازر إلى وجود "تآكل في كل ما يحيط بعرفات..أنا اعتقد أننا نواجه إنسان يواصل التصرف كما يريد رغم ضغوط العالم وضغوط من يحيطون به، نحن الآن في فترة فاصلة جدا ومثيرة، من المحتمل أن يظهر شخص آخر من صفوف الفلسطينيين ويجلس قبالتنا، شخص لا يتنازل عن مطالبه ولكنه سيكون شخصا براغماتيا واقعيا، ويدرك ان الوقت لا يعمل لصالحهم."

ولم تكن هذه التصريحات هي الأولى من نوعها في الصراع الذي تخوضه إسرائيل، بشراسة وبمختلف الوسائل، ضد الفلسطينيين لتطويعهم وكسر إرادتهم. إذ نشرت صحيفة يديعوت أحرونوت (22/5/2001) خبرا مفاده أن الأوساط الأمنية ناقشت خططا لإيجاد قيادة بديلة لعرفات، تكون أكثر برغماتية وقابلة للاستجابة للاملاءات الإسرائيلية من ضمنها سيناريو يتضمن "التسبب في انهيار السلطة الفلسطينية من خلال مواصلة القصف والضغط الاقتصادي. في هذه الحالة سينهار عرفات وسيغادر إلى تونس. والهدف أن يأتي للقيادة خريجو الانتفاضة الأولى مثل محمد دحلان وجبريل الرجوب..انهم يعرفون قيود قوتهم ومعهم من الممكن الوصول الى حلول.

وعلى هذا الأساس أعرب عوزي بنزيمان، في مقال كتبه في هآرتس 8/6/2001، عن اعتقاده بأنه ثمة ميل لدى شارون "لضرب السلطة الفلسطينية والتسبب بطرد عرفات..ويسير في خطاه بنيامين بن اليعزر الذي أعلن ان عرفات أنهى دوره التاريخي. وأنه لا يرى فيه شريكا لأي تسوية لأنه لم يتنازل قيد أنملة عن أهدافه: بإقامة دولة فلسطينية في جميع أراضي الضفة والقطاع وعاصمتها القدس الشرقية، وتجسيد حق العودة داخل حدود إسرائيل. ولأنه من أجل تحقيق أهدافه اختار استراتيجية العنف" وبرأي بنزيمان فإن "شارون سوف يأمر الجيش الإسرائيلي بالعمل بطريقة تجبر عرفات، على ترك مناطق السلطة. وبعد ذلك تقيم إسرائيل اتصالاتها مع قيادة بديلة..أسهل للتخاطب. ويتم تقطيع الضفة والقطاع الى أقضية فرعية يتمركز قادة محليون..وبسبب الفصل الداخلي ستكون القيادة الجديدة ضعيفة، وتستطيع إسرائيل المناورة في داخلها والتوصل الى اتفاقات.. وهذه الزعامة سوف تستجيب للآمال الإسرائيلية لأنها ستكون معنية بترسيخ مكانتها في الحلبة."

أيضا كان بن كسفيت قد كشف في مقال، نشره في صحيفة معاريف 6/7/2001، عن وثيقة أعدها جهاز الأمن العام أواخر العام 2000 لرئيس الحكومة الإسرائيلية السابق ايهود باراك وقدمها لأرييل شارون رئيس الحكومة الإسرائيلية. وتخلص هذه الخطة الى استنتاج بأن عرفات هو الخطر الأشد على أمن الدولة، حيث ان أضرار اختفائه أقل من اضرار وجوده.. وتطرح هذه الوثيقة سؤال: "هل عرفات هو عامل مساعد لحل النزاع التاريخي بين إسرائيل والشعب الفلسطيني، أم ان أنه يشكل حاجزا أمام إحراز هذا الحل؟". والجواب على "لماذا عرفات مرغوب به؟ يتضمن خمسة ادعاءات مركزية: عرفات اعترف بإسرائيل وبدأ معها مفاوضات وملزم بالمسيرة السلمية ويشكل المرجعية العليا وسط الفلسطينيين، وهو الوحيد القادر على اتخاذ القرارات الصعبة، وبدونه ستسود الفوضى وسيزداد الإرهاب. أما الجواب على "لماذا غير مرغوب به؟" فيتضمن 17 سببا جيدا، أهمها: "عرفات زعيم خطير.. يقود الساحة الى شفا حرب بين إسرائيل ودول عربية.. يهدد بانهيار الذخر الاستراتيجي الأهم لإسرائيل ألا وهو السلام مع مصر والأردن.. يعرض استقرار الأنظمة المجاورة للخطر.. يواصل رؤية العنف والإرهاب كأداة شرعية.. لم يستوعب حقا الاعتراف بدولة إسرائيل.. ليس لديه رغبة أو قدرة على تقديم تنازلات في مواضيع مركزية، لم يتنازل أبدا عن القدس وعن حق العودة وعلى المدى البعيد عن كل فلسطين.. عرفات ينجح في لعب لعبة مزدوجة، واقناع العالم بصدق نواياه.. يعزز عداء عرب إسرائيل تجاه دولة إسرائيل.. عرفات ما زال مقاتلا وسيتخذ قرارات غير عقلانية.. يريد ان يظهر كأب الشعب الفلسطيني.. انه زعيم غير صادق وخائن، كذاب عضال، فنان في الإعلام والدعاية ينجح في تحويل كل هزيمة إلى انتصار إعلامي وكسب التأييد العالمي..وبالنسبة لتحليل وضع ما بعد عرفات فبحسب الوثيقة: "سينشب صراع داخلي على السيطرة. وسينشغل الفلسطينيون لفترة طويلة مع أنفسهم، من المتوقع ان تضعف مكانة القيادة الفلسطينية في العالم جدا، والزعيم الجديد سيرتبط بدعم زعماء عرب وبعض قادة العالم، والقيادة الجديدة ستكون اكثر براغماتية ومنفتحة اكثر نحو الحلول. وخطر حرب أهلية فلسطينية سيزداد، ودعم العالم للفلسطينيين سيضعف، وكذلك تأثيرهم على عرب إسرائيل".

ويؤكد هذا الموقف من عرفات العديد من المحللين الإسرائيليين، ومن هم غيء ياخور وزئيف شيف، ومناحم بن، وسيفر بلوتسكر، الذين يتفقون مع ماكتبه أوري سمحوني، في معاريف، 3/8/2001، حيث اعتبر أن""ياسر عرفات هو الخطر الاستراتيجي الاكبر على دولة إسرائيل"..استمرار وجوده يجعلنا نفقد ثلاثة إنجازات استراتيجية هامة لإسرائيل: اتفاقيات السلام مع مصر والأردن ودعم الولايات المتحدة. انه يتآمر علينا، يدفع من الأطراف ويلقي العون من الداخل، يضرب من الأعلى والبيت آخذ بالتصدع. عرفات يقاتلنا بنجاح في ملعبنا الداخلي، ويناور على الرأي العام بواسطة الإعلام الإسرائيلي..من خلال رسائل متناقضة، يتحدث معنا عن السلام ومع رجاله عن عمليات.. انه يتغلب علينا وسط الرأي العام العالمي..ومن أجل عدم الوقوع في خطأ نقول انه إذا بقي عرفات في المحيط لوقت كاف فان القتل سيصل الى كل واحد في بيته..لقد عاش عرفات أربع حكومات إسرائيلية.. انه يأكلهم بدون ملح ويؤثر على اجندة دولة إسرائيل اكثر من أي رئيس حكومة. كم من الوقت مستعدون لان يستمر هذا الوضع وهذا الاتجاه؟

في الختام وبرغم تأكيدنا بأن ترويج هذه السيناريوهات يستهدف: التشكيك بشرعية القيادة الفلسطينية على المستوى الدولي، أولا؛ وثانيا ابتزاز هذه القيادة بالتلويح لها بأنها ليست فقط لن تحقق شيئا من وراء الانتفاضة وإنما ستخسر ما حققته أيضا؛ وثالثا، إرباك المجتمع الفلسطيني بالمراهنة على خلق صدامات بين السلطة والمعارضة، فإن مجمل القوى الفلسطينية، سواء كانت في السلطة أو في المعارضة، معنية بتفويت هذه الاستهدافات وإفشالها، بمختلف الوسائل