نظام العقوبات ضد العراق غير مجد

اتخذ مجلس الامن الدولي قرارا بتمديد العمل بالبرنامج الانساني للامم المتحدة "النفط مقابل الغذاء" لستة اشهر اخرى. ومن الواضح ان هذا القرار يعتبر حلا وسطا يعكس المواقف المتباينة بين الاعضاء الدائمين في مجلس الامن الدولي من مسألة نظام العقوبات المفروض على العراق.
لقد حاولت الولايات المتحدة الاميركية وبريطانيا ومنذ مدة طويلة تمرير ما يسمى بـ"العقوبات الذكية" ضد العراق من خلال مجلس الامن الدولي مما يعني في الواقع تشديد المراقبة على صادرات النفط العراقية, في حين ان روسيا تسعى لرفع العقوبات الاقتصادية المفروضة على بغداد.

ولانه لم يجر التوصل الى موقف مشترك بين روسيا من جهة وواشنطن ولندن من جهة اخرى فقد جرى تمديد العمل بالبرنامج الانساني الوسطي الذي لا يمكن ان يحل المسألة العراقية بشكل جذري بل يؤجل حلها فقط الى اوقات افضل. ولكن متى ستحين هذه الظروف وهل ستحين بشكل عام, من الصعب قول ذلك.

لقد اثبتت السنوات العشر التي اعقبت الحرب في الخليج العربي ان التكتيك الاميركي باعتماد الضغط بالقوة على العراق عن طريق العقوبات غير مثمر.

ولهذا السبب بالذات لا تشاطر روسيا هذا التكتيك وتعتقد بأنه يعيق التسوية السياسية وتطبيع الوضع المحيط بالعراق. وتدعو موسكو الى الحل المتكامل للمسألة العراقية, التي تلحظ وقف وبعد ذلك الغاء نظام العقوبات مقابل اعادة استئناف عمل التفتيش الدولي في العراق, الذي يضمن عدم السماح بانتاج اسلحة الدمار الشامل.

وتصرّ واشنطن ولندن على الابقاء على نظام العقوبات مع الموافقة فقط على اجراء بعض التعديلات فيه. والاهم ان البلدين يطالبان بالمراقبة الكاملة على الاموال التي يحصلها العراق من بيع النفط /تصدر بغداد 2.6 مليون برميل من النفط يوميا. وهذه الاموال، وحسب رأي واشنطن ولندن، يجب ان تخضع لاشراف الامم المتحدة في حسابات مصرفية خاصة.

والى جانب اجراءات الضغط الاقتصادي فان الغرب لا يعتزم التخلي عن الاعمال العسكرية ضد العراق والتي تجري على شكل غارات دورية "وقائية" على اراضي هذه الدولة. واكثر من ذلك فان الحديث يجري الان بان مركز العمليات الاميركية لمحاربة الارهاب سيكون في العراق بعد افغانستان, بالرغم من انه لا وجود لاثباتات عن تورط بغداد في الاعمال الارهابية في 11ايلول في نيويورك وواشنطن, وعلى العكس من المعروف ان بغداد ادانت بحزم هذه الاعمال.

وقد اثبتت التجربة الدولية ان اعتماد اساليب القوة لحل المشاكل السياسية الصعبة لم يؤد ابدا الى الفعالية المرجوة. فلم يتمكن الاميركيون من زعزعة نظام صدام حسين بالقصف ولا بالعقوبات. وعلى الاخص انهم ما زالوا كما في السابق رهائن الوهم بان مثل هذه الاعمال يمكن ان تؤثر على الوضع السياسي داخل هذه الدولة المستقلة.

ان السعي لعزل العراق, هذه الدولة ذات السيادة التي تلعب دورا هاما في الشرق الاوسط، وجعلها "فزاعة" دولية, والابقاء عليها رهينة المساعدات الانسانية القليلة لا معنى له ولا عدالة فيه.

ويعتقدون في موسكو بان تحديد "الدول المارقة"، كما يحلو للغرب تسمية العراق وغيرها, بحد نفسه غير لبق. فلا يجب ان يكون هناك مثل هذه الدول في العالم.

والعراق كما غيره من الدول الاخرى التي ادخلتها الولايات المتحد الى فئة "الدول المارقة" يتهم على الدوام بالرغبة في امتلاك اسلحة الدمار الشامل ووسائل نقلها. ولكن ليس واشنطن هي من يجب ان يقرر فيما اذا كان العراق يشكل تهديدا للمجتمع الدولي, بل لجنة خاصة من الامم المتحدة للقضاء على القدرات الهجومية العسكرية العراقية.

لقد انتهت الحرب في الخليج العربي منذ فترة بعيدة وعلى روزنامة عام 2001 في العالم وضع دولي مغاير ووقائع اخرى. لقد تغير المجتمع الدولي بحد ذاته المتجه نحو التكامل الذي اضحى طريق الانسانية في القرن الواحد والعشرين. وفي هذه الظروف يجري اتباع خطوط لعزل بعض الدول وهذا يعني عدم ادراك اتجاهات التطور الدولي.

ان اضفاء الطابع الايديولوجي على العلاقات الدولية امر خطير للغاية ولا مستقبل له. وسعي الولايات المتحدة الاميركية لفرض "الديمقراطية" في كل العالم واتباع "الثورة الديمقراطية" في العالم مشروع فاشل.

ستبقى دول الشرق دائما مختلفة عن الديمقراطيات الغربية، ولن تتمكن واشنطن ابدا من تطبيق النموذج الاميركي هناك سواء اكان في العراق او في ايران او كوريا الشمالية او الصين او الهند. وكلما اسرعوا في ادراك ذلك كلما اصبح بالامكان ان يضحي كوكبنا بيتا موحدا حقيقيا, لا منبوذون فيه ولا مارقون.

* البروفسور اليكسي بوغاتوروف, نائب مدير معهد الولايات المتحدة وكندا التابع لاكاديمية العلوم الروسية.