الحكومة اليمنية تسعى للحد من الثأر بين القبائل

صنعاء - من حمود منصر
محاولة لاستبدال عرف القبائل بقوانين الدولة

تسعى السلطات اليمنية الى تحقيق صلح عام بين القبائل بهدف الحد من ظاهرة الثأر التي تتسبب في مقتل عشرات الاشخاص سنويا في المدن والمناطق الريفية حسب تقديرات السلطات اليمنية.

وقد اكد الرئيس اليمني علي عبد الله صالح دعمه لمجلس الشورى "لمعالجة هذه المشكلة وإيجاد صلح بين القبائل التي لديها ثارات قبلية (...) أسبابها وخلفياتها ودوافعها غير سياسية".

وتبدأ دوامة الاقتتال القبلي عادة بعد سقوط قتيل على اثر خلاف ما قد يكون على قطعة ارض او حول قضية اجتماعية او تجارية او غير ذلك او حتى خلاف شخصي.

وقد عزا بعض شيوخ القبائل استمرار هذه الظاهرة الى "غياب سلطة القانون وضعف القضاء وغياب العدل واستمرار الاحتكام الى العرف القبلي". كما رأوا ان "انتشار السلاح في اوساط المواطنين بكميات وفيرة" يشكل عاملا مهما ايضا.

وتشير احصائيات شبه رسمية إلى وجود اكثر من خمسين مليون قطعة من الاسلحة الخفيفة والمتوسطة في أيدي المواطنين.

ودعا صالح الذي كان يتحدث الى اعضاء مجلس الشورى الاثنين رجال الدين المسلمين الى المساهمة في هذه المهمة، مشددا على "دور العلماء والخطباء والمرشدين الذين عليهم أن يعظوا الناس ويرشدونهم بما يسلم دماء الناس".

وتنتشر ظاهرة الثأر في المناطق الريفية والمدن التي كانت في الماضي في منأى عن هذه الظاهرة، بما فيها صنعاء التي شهدت في السنوات العشر الاخيرة العديد من هذه العمليات التي اثارت قلق السلطات، وقع آخرها قبل ستة اسابيع.

وقد قتل وجرح حينذاك عدد من الاشخاص في تبادل كثيف لاطلاق النار في احد الشوارع الرئيسية في صنعاء بين مسلحين من آل الأحمر الذين ينتمون إلى قبيلة حاشد ومسلحين من آل أبو نشطان الذين ينتمون إلى قبيلة أرحب البكيلية (نسبة إلى بكيل).

ورأى احد شيوخ القبائل ان انتقال هذه الظاهرة الى المدن ايضا ناجم عن "التغيير الذي أصاب القيم والأعراف القبلية خلال السنوات الأخيرة ومن أهمها تحريم الأخذ بالثأر في المدن والمناطق الحضرية".

واوضح ان القبائل كانت تعتبر المدن في الماضي "مناطق محايدة" تطلق عليها اسم "مناطق الهجرة" أي يحرم الثأر في داخلها، وتعتبر ان من دخلها يصبح آمنا حتى اذا كان خصومه يسعون الى قتله.

ولا يرى افراد القبائل في القضاء حلا فيحتكمون الى الاعراف القبلية بعد اندلاع خلاف وسقوط قتيل.

وقال احد شيوخ القبائل ان هذا ناجم عن "المدة الطويلة التي يستغرقها التقاضي وشعور افراد القبائل بوجود اطراف نافذة تتدخل لتؤثر على سير العدالة او اضاعة القضية".

واضافوا ان الاعراف القبلية "تبدو جائرة في بعض الاحيان"، موضحين انها قد تقرر مضاعفة دية القتيل التي حددها القانون اليمني بـ750 الف ريال (4688 دولار) "أحد عشر مرة وفرض غرامات" اخرى تكون سببا في تعقيد المشكلة والعودة الى دوامة العنف.

وهذا ما يفسر استمرار بعض قضايا الثأر سنوات عديدة في دورات عنف يصل عدد ضحاياها في بعض الاحيان الى اربعين قتيلا من القبيلتين المتناحرتين مع ان السبب الاصلي قد اصبح في طي النسيان.

واقر مجلس الشورى الشهر الماضي تشكيل لجنة مهمتها العمل على حل قضايا الثأر القبلي تضم قضاة وشيوخ قبائل وشخصيات اجتماعية من اعضاء المجلس، هي الثانية من نوعها بعد تلك التي شكلها المجلس الاستشاري السابق في 1997 وفشلت في تحقيق اي تقدم.

واكد رئيس مجلس الشورى عبد العزيز عبد الغني من جهته أن اللجنة "استطاعت إنجاز عدد من المهمات المرتبطة بعملها منها وضع صيغة لقاعدة صلح عام بين جميع القبائل والأسر والأشخاص".

كما وضعت اللجنة "تصورا شاملا لتشكيل لجان فرعية على مستوى المحافظات والمديريات وتحديد فترة زمنية مرنة لتلك اللجان للقيام بالمهمات التي من شأنها مساعدتها في عملها"، على حد قوله.

وقد رأى الشيخ محمد بن ناجي الغادر شيخ قبائل خولان العضو في اللجنة ان فرص نجاح اللجنة في حل هذه الظاهرة "المزمنة والمعقدة" التي تعود الى ما قبل الاسلام، ستكون "كبيرة ومضمونة إذا وجدت إرادة سياسية وقرار مساند لها من الرئيس علي عبد الله صالح".

واوضح ان بعض هذه القضايا "يعود الى ثلاثين او اربعين عاما" والتعامل مع كل منها "يختلف من قبيلة لاخرى تبعا للاعراف السارية في كل منها".

واضاف ان نجاح اللجنة مرتبط الى حد كبير بالامكانيات التي ستسخر لتتوصل الى انجاز صلح بين القبائل المتنازعة في قضايا الثأر قبل تحقيق صلح عام.

واكد شيوخ قبليون اعضاء في اللجنة ضرورة تأمين تمويل مالي لتغطية نفقات تحقيق الصلح والتعويضات المالية التي رأى بعض أعضاء مجلس الشورى أنها من البدائل المطلوبة لحل قضايا الثأر وعقد صلح بين القبائل أو الأسر أو حتى الافراد.

الا ان الرئيس صالح قال ان "التوصل الى اي صلح على حساب الدولة امر غير وارد"، موضحا بذلك أن الدولة لن تتحمل أعباء أي صلح أو تعويضات أو نفقات تترتب على المصالحات بين القبائل.