الكساد يجعل تقديرات النمو الاقتصادي اشبه بـ«قراءة الكف»

لندن - من عبد الكريم حمودي
الاسوأ لم يأت بعد

يواصل الاقتصاد العالمي تراجعه يوماً بعد آخر، فيما يحاول صندوق النقد الدولي والبنك الدولي ومنظمة التعاون الاقتصادي والتنمية وغيرهما من المؤسسات الاقتصادية الدولية المهتمة بمسار الاقتصاد العالمي التكيف مع هذا التراجع من خلال إجراء المزيد من التخفيضات على توقعاتهم السابقة بشأن نمو الاقتصاد العالمي، لكن جميع الإجراءات الاقتصادية والسياسية التي اتخذتها الدول الغنية والمؤسسات المالية الدولية الداعمة لها لم تنجح حتى الآن في وقف هذا التراجع أو الحد منه، أو حتى توقع نهاية معقولة له في ظل حالة الاضطراب السائدة.

ومن هذه الإجراءات تغيير السياسة النقدية والقيام بتخفيضات ضريبية وتقديم المساعدات والحوافز الاستثنائية للشركات والمؤسسات المتضررة مباشرة، ورغم كل ذلك ما تزال حالة الغموض هي السائدة، وهو ما دفع بـ"هورست كوهلر" مدير عام صندوق النقد الدولي إلى وصف توقعات وتقديرات النمو للاقتصاد العالمي التي تقدمها المؤسسات الدولية بأنها أشبه بـ"قراءة الكف".

ويزداد غموض صورة الاقتصاد العالمي مع شن الحرب الأميركية على أفغانستان واحتمالات توسيع هذه الحرب، اذ انه من الصعب في ظل هذه الظروف رسم أي ملامح واضحة لنمو الاقتصاد العالمي، ولمدى الأضرار والخسائر التي ستلحق به في ظل الحرب العالمية الشاملة المستمرة منذ نحو شهرين تقريباً والتي يجهل الجميع حتى الآن أبعادها ونتائجها والمدة التي قد تستغرقها.

اختلال تقديرات النمو

منذ بداية العام الجاري بدأت المؤسسات الاقتصادية الدولية بتخفيض توقعاتها لنمو الاقتصاد العالمي عما حققه العام الماضي حيث سجل في عام 2000 معدلاً مرتفعاً للنمو بلغ نحو 4.1 في المائة وبناتج إجمالي زادت قيمته عن 35 مليار تريليون دولار أي نحو (35000 مليار دولار).

وبعد أن أعلن صندوق النقد الدولي أن الاقتصاد العالمي سيحقق عام 2001 نمواً أخفض بقليل من النمو الذي حققه عام 2000، عدل هذا التقدير وأعلن في آذار/مارس الماضي أن معدل نمو الاقتصاد العالمي سيبلغ خلال السنة الجارية نحو 3.5 في المائة، وهو المعدل المتحقق عام 1999، ثم خفض هذا المعدل إلى نحو 3.2 في المائة مع استمرار تراجع الاقتصاد الأميركي خلال النصف الأول من عام 2001، ومع قرب انتهاء الربع الثالث من السنة الجارية وبالتحديد قبل هجمات الحادي عشر من أيلول/سبتمبر خفض صندوق النقد الدولي معدل نمو الاقتصاد العالمي إلى نحو 2.7 في المائة، ومع بدء ظهور تأثير الهجمات بعد ذلك التاريخ بدأ الحديث عن دخول الاقتصاد العالمي في مرحلة ركود، مع اختلاف في وجهات النظر حول المدة التي قد يستغرقها هذا الركود خاصة بعد خفض توقعات نمو الاقتصاد العالمي في تشرين الثاني/نوفمبر الجاري إلى نحو 2.4 في المائة، حسب توقعات مدير صندوق النقد الدولي، فيما تشير توقعات أخرى إلى أنه سيسجل معدل النمو مع نهاية العام الجاري نحو 2.1 في المائة فقط أي أقل من 2 في المائة عن العام الماضي.

ويرى معظم الاقتصاديين أن معدل النمو الاقتصادي العالمي الذي يقل عن 2.5 في المائة، والذي سجله الاقتصاد العالمي عام 1998، هو مستوى يشير إلى ركود عالمي.

وقد جاء في آخر تقرير للأمم المتحدة والذي يرصد حجم الخسائر المترتبة على الاقتصاد العالمي جراء الهجمات بأنها تزيد عن 350 مليار دولار، وخسائر الولايات المتحدة بما يزيد عن 100 مليار دولار، مع افتراض التقرير أن نسبة تراجع النمو في الاقتصاد العالمي 1 في المائة فقط.

لكن ومع أخذ آخر تقديرات النمو المتوقع للاقتصاد العالمي عام 2001 ومقارنتها مع النمو المسجل عام 2000 فإن معدل التراجع يقترب من 2 في المائة وبالتالي فإن حجم خسائر الاقتصاد العالمي سيتضاعف مع نهاية العام الجاري ليصل إلى نحو 700 مليار دولار.

غياب الروافع

يبرر الخبراء والمحللون الاقتصاديون تشاؤمهم من الأزمة التي تضرب الاقتصاد العالمي ويقولون: بأنها الأسوأ منذ مطلع السبعينيات وذلك لأن الأزمة طالت جميع الدول وبالتالي لا توجد دولة أو مجموعة اقتصادية معينة يمكن أن تشكل رافعة للنمو الاقتصادي العالمي كما حدث في أزمة عام 1990 حين كانت الاقتصاديات الآسيوية وبعض مناطق الشرق الأوسط تعمل بشكل جيد وتستورد من البلدان الصناعية بشكل كبير الأمر الذي ساعد إلى حد ما على تجاوز تلك الأزمة.

فالقوى الاقتصادية الثلاثة الكبرى وهي الولايات المتحدة والاتحاد الأوربي واليابان تشهد جميعاً هبوطاً للمرة الأولى منذ عام 1982 وفي آن واحد معاً، وتعاني من آثار الهجمات رغم تفاوت التأثيرات من منطقة إلى أخرى، وجميعها دخلت في مرحبة من الركود قد تمتد لعامين متتاليين على أقل التقديرات، وإن اختلفت نسبة النمو من قوة إلى أخرى.

كما أن المؤسسات المالية مثل صندوق النقد الدولي والبنك الدوليين وغيرهما من البنوك العالمية لا تملك القدرة على مساعدة الدول المتعثرة، خاصة أن هذه المؤسسات استنزفت طاقاتها المالية بدرجة كبيرة حيث قدمت خلال السنوات الثلاث الماضية وبالتحديد منذ بدء الأزمة الآسيوية التي وقعت في النصف الثاني من عام 1997 ومع تبعها من أزمات طالت كل من روسيا والبرازيل وتركيا والأرجنتين وغيرها من الدول مئات المليارات من الدولارات على شكل قروض قصيرة ومتوسطة وطويلة الأمد لمساعدة هذه الدول في الخروج من أزماتها الاقتصادية التي ما تزال تعاني منها حتى الآن.

تباين معدلات النمو

رغم إجماع المؤسسات الاقتصادية والمالية الدولية على رسم صورة متشائمة للاقتصاد العالمي، إلا أن درجة تأثر الاقتصاديات من منطقة إلى أخرى ومن دولة إلى أخرى تختلف بدرجات متفاوتة، فقد جاء في التقرير نصف السنوي الذي أصدرته منظمة التعاون الاقتصادي والتنمية التي تضم في عضويتها 30 دولة من أغنى دول العالم أن الاقتصاد العالمي يمر بمرحلة كساد للمرة الأولى منذ 20 عاماً.

وقالت المنظمة في تقريرها "إن هجمات 11 أيلول/سبتمبر الإرهابية أصابت الاقتصاد العالمي بصدمة شديدة، ومن المقرر أن ينكمش إنتاج منظمة التعاون الاقتصادي والتنمية بدرجة طفيفة في النصف الثاني من العام الجاري للمرة الأولى منذ 20 عاماً، ومن المتوقع أن يبلغ النمو في الولايات المتحدة 1.1 في المائة هذه السنة على أن يسجل في النصف الأول من السنة المقبلة معدل 1.2 في المائة يقابله انكماش في النصف الثاني بنسبة 0.6 في المائة.

وفي منطقة اليورو توقع تقرير المنظمة نمواً بنسبة 1.6 في المائة السنة الجارية يليه نمو بنسبة 1.4 في المائة في السنة القادمة، وفي اليابان توقع التقرير أن ينكمش اقتصاد اليابان بنسبة 0.7 في المائة السنة الجارية وبنسبة 1 في المائة في السنة المقبلة. وفي دول شرق آسيا فإن معدل النمو في الناتج الحقيقي سيتراجع من 3.6 في المائة عام 2000 إلى نحو 0.7 في المائة عام 2001 حسب توقعات البنك الدولي، وتتفق هذه التوقعات الجديدة مع توقعات صندوق النقد الدولي، لكن منظمة التعاون شددت على أن جميع هذه التوقعات غير مؤكدة في الوقت الحاضر.

أما صندوق النقد الدولي وحسب التعديلات الجديدة على معدلات النمو فيتوقع أن ينمو الاقتصاد الأميركي بنسبة 1.1 في المائة خلال السنة الجارية، و0.7 في المائة في السنة المقبلة، كما يتوقع أن ينمو اقتصاد الاتحاد الأوروبي بنسبة 1.7 في المائة سنة 2001 وبنسبة 1.4 في المائة عام 2002.

أما بالنسبة للدول النامية فيتوقع تقرير الصندوق أن يبلغ معدل النمو 4 في المائة سنة 2001 و4.4 في المائة في السنة المقبلة. وبالنسبة لمنطقة الشرق الأوسط فإن تقرير الصندوق خفض معدل النمو إلى 1.7 في المائة خلال العام الجاري وإلى 4 في المائة السنة المقبلة.

أما على صعيد الناتج الإجمالي المحلي العالمي وهو أوسع مقياس للأداء الاقتصادي، فقد ينمو السنة المقبلة بنسبة 1 في المائة فقط لكن معدل النمو وقد يرتفع بشدة إلى ثلاثة في المائة سنة 2003.

أسباب التشاؤم

يعتقد العديد من الخبراء المتشائمين بمستقبل الاقتصاد العالمي أن الإجراءات التي اتخذتها الولايات المتحدة الأميركية والدول المتحالفة معها منذ هجمات الحادي عشر من أيلول/سبتمبر بأنها ستعلب دوراً رئيساً في إعادة خلط الأوراق وتعقيد الأمور بالنسبة للاقتصاد العالمي، وليس من المعروف حتى الآن مدى فاعليتها لكن انعكاساتها السلبية ستظهر خلال العام القادم على أبعد تقدير وستترك بصماتها المؤثرة على أركان النظام الرأسمالي القائم على اقتصاد السوق وتحرير الأسواق والسرية المصرفية وتدفق الاستثمارات وتزايد حجم التجارة العالمية.

وفي نفس الوقت لن تكون ذات جدوى في مكافحة ما تسميه الولايات المتحدة بالإرهاب العالمي، فبحسب مكتب التحقيقات الفيدرالية (أف بي آي) الذي انكب على دراسة ومتابعة الحسابات المالية للمتهمين التسعة عشر فإن عمليات الحادي عشر من أيلول/سبتمبر لم تكلف أكثر من 200 ألف دولار، وفي العام 1993 بلغت كلفة مهاجمة مركز التجارة العالمي نحو 20 ألف دولار فقط.

من هنا فإن ما تقوم به الولايات المتحدة من مصادرة وحجز وتجميد ومطاردة لرؤوس الأموال الخاصة أو التابعة لمؤسسات وشركات معروفة، علاوة على وضع جميع العرب والمسلمين وأموالهم في موضع الشبه، سيترك انعكاسات كبيرة على العلاقات الاقتصادية الدولية، إذ ستدمر هذه الإجراءات جميع المكاسب التي حققها الاقتصاد الرأسمالي وتعيد تشكيله وبناء علاقاته وفق أسس مختلفة، كما أن إشاعة حالة من الخوف والذعر وعدم الاستقرار عبر التهديد بالحرب وأنها ستطال 60 دولة في العالم سيكون له انعكاسات سلبية على مستقبل الاستثمارات والعلاقات الاقتصادية الدولية والتعاون الدولي وستزيد من حالة الركود الحالية وهو ما أكده رئيس بنك الاستثمار الأوروبي "فيليب مايشتاد" معتبراً أن حالة القلق وعدم الوضوح القائمة حالياً إحدى أهم العوامل المؤثرة في حالة التباطؤ التي يمر بها الاقتصاد العالمي.

تدمير السرية المصرفية

ولعل من أكبر دواعي التشاؤم في سلسلة الإجراءات المتخذة لمنع تمويل الإرهاب هي تخلى النظام المصرفي الدولي عن ما يسمى بالسرية المصرفية بحيث أصبح للمحققين كامل الحرية في اختراق أسرار البنوك والعملاء على حد سواء وتعريض أموالهم ومدخراتهم لخطر الحجز والمصادرة، ويرى الخبراء أنه سيكون لهذا الإجراء انعكاسات سلبية على الاقتصاد العالمي لأن هذا الإجراء سيفقد الدول الغربية الكثير من رؤوس الأموال التي تغذي نظامه المصرفي وتحركه وهو ما بدأ بالفعل حيث سحب عدد من المستثمرين والمودعين نحو مليار دولار من أرصدتهم بعد أحداث 11 أيلول/سبتمبر.

ويقدر مصرفيون حجم الثروات الخليجية الفردية المستثمرة في الخارج فقط بنحو 1.2 تريليون دولار موزعة على النحو التالي: 700 مليار السعودية، 266 مليار دولار الإمارات العربية المتحدة، 163 مليار دولار الكويت، بقية مجلس التعاون 65 مليار دولار، فماذا لو سحبت هذه الأموال بالإضافة إلى مليارات الدولارات التي يملكها عرب ومسلمون من مختلف أنحاء العالم؟

أما فيما يخص شبكات الاقتصاد القذر والقصة المشروخة لغسيل الأموال التي تقوم بها شبكات المافيا العالمية والتي يجري الحديث عنها فإن الولايات المتحدة والدول الأوروبية تعرف أساطينها والأساليب التي يستخدموها لكنها لا تجرؤ على اتخاذ أي إجراءات فعالة لمحاربة هؤلاء رغم الدور التدميري الذي يقومون به.

تراجع التجارة العالمية

وأخيراً لعل مما يشير إلى المخاطر المحدقة بالاقتصاد العالمي هو تراجع حجم التجارة العالمية التي تعتبر من أهم محفزات النمو الاقتصادي كما يؤكد تقرير للبنك الدولي صدر مؤخراً وتوضح البيانات أن متوسط الزيادة السنوية في حجم التجارة العالمية بلغ 6.2 في المائة في الفترة من 1990 - 1999، وفي عام 2000 سجلت التجارة العالمية نمواً قياسياً بلغ 12.5 في المائة، وبإجمالي قدرة 6.2 تريليون دولار (6200 مليار دولار).

لكن آخر تقرير لمنظمة التجارة العالمية الذي جاء تحت عنوان: "إحصاءات التجارة العالمية عام 2001"ٍ أكد أن نمو التجارة العالمية خلال العام الجاري لن يتجاوز 1 في المائة وهو أدنى مستوى لها منذ السبعينيات، ويتوقع تقرير البنك الدولي أن يتعرض الاقتصاد العالمي للمزيد من المخاطر في المستقبل نتيجة هبوط معدلات التجارة إلى أدنى مستوى لها حتى الآن.

بكلمة أخيرة إن هجمات الحادي عشر من أيلول/سبتمبر أصابت الاقتصاد العالمي الذي كان يعاني من ركود مقبول بهزة عنيفة لم يشهد لها مثيلاً من قبل ملحقة به خسائر جسيمة ومحطمة في نفس الوقت الكثير من القواعد والأسس التي كانت تعتبر من الثوابت التي لا تمس وبانتظار وضوح الرؤيا فإن قدرة العالم على إعادة التوازن إلى الاقتصاد العالمي والعلاقات الاقتصادية بين الدول ستكون موضع اختبار حاسم وعليها يتوقف طول فترة الركود التي سيعاني منها الاقتصاد العالمي. (ق.ب)