الاقتصاد المصري في ازمة طاحنة

لندن - عبد الكريم حمودي
عدد السائحين انخفض باكثر من النصف

تشير كافة التقارير والبيانات الاقتصادية إلى أن الاقتصاد المصري يتجه إلى مرحلة ركود خطيرة، ربما تمتد لفترة طويلة، نظرا ان الازمة الاقتصادية التي يعاني منها اصلا تفاقمت بفعل الحملة الاميركية على افغانستان.

وكان الاقتصاد المصري يعاني منذ اكثر من عامين من أزمة اقتصادية شديدة تميزت بزيادة البطالة وتراجع الصادرات ونقص السيولة بالاسواق، وبذلك نسفت جميع الآمال بتحقيق انتعاش اقتصادي في النصف الثاني من العام الجاري 2001 كما كان المسئولون يأملون.

وقد تضررت العديد من القطاعات الاقتصادية بسبب الأحداث الأخيرة، وفي مقدمتها قطاع السياحة الذي يعد من اهم مصادر الدخل بالعملات الأجنبية في مصر، بالاضافة الى خسائر قطاع النفط وقطاع النقل وتراجع ايرادات قناة السويس.

وتقول مصادر اقتصادية مصرية مطلعة إن خسائر الاقتصاد المصري بسبب الهجمات والحرب الدائرة حالياً قد تصل إلى نحو 1.5 مليار دولار مع نهاية العام الجاري و2.5 مليار دولار منتصف السنة القادمة.

فيما قال تقرير صدر عن معهد التخطيط القومي مطلع تشرين ثاني (نوفمبر) الجاري إن حجم الخسائر الإجمالية المتوقعة للاقتصاد المصري ستصل إلى نحو 23 مليار جنيه أي (3.8 مليار دولار) منها 11 مليار جنيه خسائر الشركات السياحية، و2 مليار جنيه خسائر النقل البحري، و900 مليون جنيه خسائر قناة السويس، ومثلها في استثمارات الاحتياطات المالية وعجز تجاري إضافي يصل إلى 1.8 مليار جنيه متوقعاً أن يصل إجمالي العجز التجاري إلى نحو 8 مليارات جنيه.

وكانت بيانات حكومية قد قدرت حجم الخسائر المتوقعة بين 3 و7 مليارات جنيه إلا أن الخبراء الاقتصاديين قدروا حجم الخسائر بنحو 15 مليار جنيه.

تراجع النمو الاقتصادي

يعتقد الخبراء أن أولى تأثيرات الأحداث والخسائر الناجمة عنها ستضر بالنمو الاقتصادي للعام المالي الجاري. وبلغ النمو في السنة المالية المنتهية في حزيران (يونيو) الماضي نحو 5 في المائة، كما قال عاطف عبيد رئيس الوزراء المصري قبل يوم واحد من هجمات الحادي عشر من أيلول (سبتمبر)، وتوقع حينها أن يظل النمو في السنة المالية 2001/2002 في حدود 5 في المائة.


ليل القاهرة الساحر لم يجذب الكثيرين هذا العام
إلا أن بعض المحللين المستقلين يقولون إن النمو في الناتج المحلي الاجمالي أقل من ذلك ولا يتجاوز معدله 3.5 في المائة سنوياً.

وهو ما أكده التقرير نصف السنوي الذي أصدره المركز المصري للدراسات الاقتصادية تحت عنوان: "بارومتر الأعمال" أكد أن الاقتصاد المصري الذي واصل تراجعه في النصف الأول من السنة لن يتعافى في النصف الثاني من السنة.

وقال التقرير إن التدابير النقدية والمالية التي أنجزتها الحكومة في الشهور الستة الأولى من السنة الجارية لم تحقق تقدماً ملموساً في التوقعات. وفي هذا السياق أعرب صندوق النقد الدولي بأن النمو الاقتصادي في مصر سيتضرر من آثار الهجمات لكنه لم يقدم تفاصيل محددة بشأن حجم التباطؤ الاقتصادي واكتفى بالقول إن توقعات النمو تدهورت بعض الشيء.

وهنا لا بد من الإشارة إلى أن صحيفة "الايكونومست" قد توقعت قبل الهجمات أن يحقق الاقتصاد المصري نمواً بنسبة 2.3 في المائة خلال العام الحالي سترتفع إلى نحو 5 في المائة خلال الأعوام 2002 - 2005. أما على صعيد الخسائر التي ستتعرض لها القطاعات الاقتصادية فسنعرض لها بشيء من التفصيل.

خسائر قطاعي السياحة والنقل

تعد السياحة مصدراً رئيساً للدخل بالعملات الصعبة، وقد أصيبت بأضرار كبيرة يتوقع أن تبلغ هذا العام نحو 1631 مليون دولار، كما جاء في تقرير حكومي. وفيما بلغت عائدات هذا القطاع في العام الماضي مستويات قياسية وصلت إلى نحو 4.3 مليار دولار، من المتوقع أن تنخفض هذا العام إلى ما بين 2.2 مليار و3 مليارات دولار.

فيما قالت مصادر في وزارة السياحة إن حركة السياحة في مصر قد تنخفض ما بين 30 و50 في المائة في الاثني عشر شهراً المقبلة، فعلى سبيل المثال تراوح الانخفاض خلال شهر تشرين أول (أكتوبر) الماضي بين 40 و45 في المائة.

وقال بيان الوزارة إن من المرجح أن ينخفض عدد السائحين إلى ما بين 2.75 مليون و3.85 مليون سائح بدءاً من الأول من تشرين أول (أكتوبر)، وحتى بداية تشرين أول (أكتوبر) المقبل، وذلك بالمقارنة مع 5.5 مليون سائح في العام الماضي.

اما خسائر قطاع النقل الجوي والبحري فقدرت بنحو 433 مليون دولار منها 200 مليون دولار خسائر شركات النقل البحري. وبالنسبة لخسائر النقل الجوي فقد قال الدكتور إبراهيم الدميري وزير النقل إن حجم خسائر مؤسسة "مصر للطيران تقدر بنحو 250 مليون جنيه (58.6 مليون دولار) وخسائر قطاع الطيران المدني الأخرى بنحو 100 مليون جنيه، بالإضافة إلى خسائر قطاع التأمين نتيجة تراجع الحركة بنسبة 34 في المائة حتى نهاية السنة الجارية.

تراجع الصادرات

يقول رئيس شعبة المستوردين في اتحاد الغرف التجارية السيد مصطفى زكي إن ما تقوله الحكومة يختلف عن الواقع تماماً، فكل المؤشرات تؤكد أن حجم الاستيراد سينخفض نهاية السنة بنحو 5 مليارات دولار عن السابق وذلك إلى 11 مليار من 16 مليار دولار بسبب الأحداث الجارية، فيما ستنخفض الصادرات غير النفطية بنسبة 15 في المائة إلى الأقل، وهي حالياً 4 مليارات دولار، وتوقع أن تتجه السوق إلى بيع المخزون السلعي الأكبر لدى شركات قطاع الأعمال والشركات الخاصة والاستثمارية علماً أن قيمة هذا المخزون تصل إلى 90 مليار جنيه (21.1 مليار دولار).

وتجدر الإشارة إلى أن حجم التجارة بين مصر والولايات المتحدة يبلغ نحو 4.2 مليار دولار سنوياً بينها 3.5 مليار واردات مصرية وتمثل التجارة مع الولايات المتحدة 25 في المائة تصديراً واستيراداً.

وهنا لا بد من الإشارة أيضاً إلى تراجع صادرات القطن التي تمثل مصدراً مهماً من مصادر الدخل القومي حيث من المتوقع أن تبلغ نسبة التراجع خلال العام الجاري نحو 75.2 في المائة، فيما تراجعت أسعار القطن بنسبة تتراوح بين ستة و15 في المائة.

وفي ذات السياق يواجه قطاع الملابس المصرية، وهو اهم صناعة مصرية على الاطلاق، معوقات عديدة أضافت إليها الأحداث الجديدة معوقات جديدة.

وتقول مصادر مطلعة إن شركات الملابس ستخسر مليار جنيه (239 مليون دولار) على اعتبار أن السوق الأمريكية تستورد 40 مليون متر ملابس جاهزة، وهو ما يشكل نحو 65 في المائة من إنتاج مصر من الغزل والنسيج وخصوصاً الملابس الجاهزة.

تراجع عائدات قناة السويس

تعتبر قناة السويس إحدى أهم مصادر الدخل الرئيسية بالعملات الاجنبية، وقد بلغت إيرادات القناة العام الماضي نحو 1.1919 مليار دولار، وفيما تؤكد البيانات الرسمية أن عائدات قناة السويس تشهد تراجعاً منذ مدة غير قصيرة بسبب تراجع صادرات أوروبا الشرقية وروسيا، فضلاً عن اعتماد دول الخليج على أكثر من منفذ لتصدير نفطها والاتجاه لطرق بديلة عن القناة، فإن الخبراء يتوقعون المزيد من تراجع العائدات المالية في ظل الحرب الجارية حالياً، وتقول التقديرات إن الخسائر المسجلة حتى الآن بلغت نحو 184 مليون دولار بسبب انخفاض رسوم قناة السويس.

هبوط قيمة الجنيه وتراجع احتياطيات النقد الاجنبي

يعاني الجنيه المصري منذ أكثر من عام من أزمة حادة يصارع فيها من أجل بقاء سعره عند مستويات متوازنة وهامش تذبذب مقبول لكن جميع الجهود والتخفيضات التي قامت بها الحكومة لم تستطع وقف تدهور قيمته حيث يقول الخبراء إن قيمة الجنيه أمام الدولار الذي يبلغ حالياً نحو 4.274 ستواصل انخفاضها، وذلك إلى نحو 4.325 للدولار بحلول نهاية العام وإلى نحو 4.745 جنيه مع نهاية العام القادم، بل إن بعض الخبراء يتوقع أن تهبط قيمة الجنيه إلى نحو 5 جنيهات للدولار بحلول نهاية 2002، بسبب تراجع عائدات البلاد من العملات الأجنبية.

يذكر أن مصر خفضت عملتها مقابل الدولار في آب (أغسطس) الماضي بنحو 6 في المائة، وهو التخفيض الثاني خلال سنة أشهر بهدف القضاء على السوق السوداء والحد من نقص السيولة، وهما من أبرز مظاهر الأزمة الاقتصادية التي تعصف بالبلاد منذ عامين وتضمن القرار توسيع هامش التذبذب بنسبة 3 في المائة، وهو هامش يسمح للمتعاملين بزيادة سعر الجنيه أو خفضه بالقدر المذكور بدلاً من النسبة السابقة البالغة 1.5 في المائة.

وكانت أول محاولة للمصرف المركزي لتطبيق سعر واقعي والقضاء على السوق السوداء في أواخر كانون ثاني (يناير) الماضي في إطار نظام "الربط المحكوم" عندما حدد البنك سعر الصرف عند 3.85 جنيهات بعد أن كان بحدود 3.40 طيلة تسع سنوات تقريباً.

ومن جانب آخر بدأت احتياطات النقد الأجنبي بالتراجع تدريجياً بعدما نمت في 1996 و1997 إلى 20.22 مليار دولار، وفي عام 1998 استقرت عند 20 مليار دولار، ثم بدأت تنخفض تدريجيا فوصلت في عام 1999 إلى 15.63 مليار دولار ثم إلى 14.38 مليار دولار عام 2000، ثم تراجعت في آذار الماضي إلى نحو 14.12 مليار دولار، ارتفعت قليلاً مع نهاية حزيران (يونيو) إلى نحو 14.244 مليار دولار وهذا المبلغ لا يغطي سوى واردات عشرة أشهر.

ويتوقع أن تتراجع هذه الاحتياطات بشكل كبير لاضطرار الدولة إلى تغطية النقص الناتج عن تراجع العائدات بالعملات الأجنبية وكذلك بسبب أن جزءاً من هذه الاحتياطات يستثمر بالنقد الأجنبي في أذون وسندات الخزانة الأميركية، إضافة إلى سندات الخزانة الألمانية والفرنسية والإنكليزية.

وعلى الرغم من أن الاستثمارات الأجنبية سواء في المشاريع الاقتصادية أو في سوق المال ليست كبيرة إلا أنه من المتوقع أن تتراجع في المستقبل بشكل كبير، فقد أشار تقرير صادر عن سوق المال إلى أن حجم الاستثمارات الأجنبية في البورصة المالية تراجع خلال العام الجاري بنحو 9 مليارات جنيه، مقابل 11 مليار جنيه في نهاية العام الماضي، فيما يخشى من تفاقم هذه القضية بعد الهجمات والحرب.

وقال رئيس البورصة السابق ناصف نظمي إن الأحداث الأمريكية أجهضت حالة الانتعاش التي بدأت في البورصة وقلبت الموازين وأفرزت حالة من التوتر والقلق انعكست على تعاملات المستثمرين الأجانب، وأضاف أن نسبة الاستثمار الأجنبي إلى رأس المال السوقي في البورصة المصرية لا تتجاوز 9 في المائة، الأمر الذي يعني أن استثمار الأجانب في مصر من النوع القصير الأجل. إضافة إلى 180 مليون دولار انخفضت من صافي إيرادات الاستثمارات الخارجية.

ارتفاع الدين العام

تعاني مصر كغيرها من الدول من ديون خارجية وداخلية كبيرة حيث تبلغ قيمة الدين العام نحو 61 مليار دولار منها 36.1 مليار دولار ديون داخلية، و25 مليار دولار ديون خارجية.

وعلى الرغم من أن الدين الخارجي انخفض بمقدار 50 في المائة خلال السنوات العشر الماضية، إلا أنه ما يزال يشكل استنزافاً كبيراً للاقتصاد المصري.

وبلغت قيمة الديون الخارجية خلال الفصل الأول من السنة الجارية نحو 26.560 مليار دولار، مقابل 27.108 مليار دولار في نهاية كانون أول (ديسمبر) 2000. وتسدد مصر ما بين 1.2 و1.6 مليار دولار في السنة خدمة للدين الخارجي.

وفي ظل التطورات الجارية فمن المتوقع أن ترتفع قيمة الدين بسبب حاجة البلاد إلى تعويض النقص من العملات الأجنبية، كما أن ذلك سيؤثر على قدرة الدولة على خدمة ديونها المتزايدة.

وفي كلمة أخيرة يمكن القول إن المضاعفات الاقتصادية لحوادث التفجير والحرب الأميركية في أفغانستان ستكون كبيرة على الاقتصاد المصري. وإذا كانت التقديرات الأولية تشير إلى خسائر تقارب الـ 4 مليارات دولار، فإن من المتوقع أن تواصل أقام الخسائر ارتفاعها مع مرور الوقت نتيجة لتشابك العلاقات الاقتصادية وارتباط الاقتصاد بمجموعة كبيرة من العوامل الداخلية والخارجية التي تتأثر سلباً بأجواء الحرب، وربما تتزايد الخسائر إذا ما توسعت دائرة الحرب لتشمل دولاً عربية بعد أفغانستان وبالتالي تهدد المعونات والمساعدات التي تتلقاها مصر من الولايات المتحدة والدول الغربية الأخرى في حال مخالفتها لإرادة واشنطن.

وفي ظل هذا الواقع، ومع الأخذ بعين الاعتبار المشكلات السابقة التي يعاني منها الاقتصاد المصري, فإن مستقبله يبدو قاتماً أكثر من أي وقت مضى.