المغرب يواجه ازمة اقتصادية طاحنة

لندن - عبد الكريم حمودي
في انتظار وجبة افطار مجانية في رمضان

تسود الأوساط الاقتصادية والحكومية في المغرب حالة من القلق والاضطراب بشأن مستقبل الاقتصاد والإصلاحات التي تنفذها الحكومة جراء الانعكاسات المحتملة لتداعيات تفجيرات الحادي عشر من أيلول (سبتمبر) وما تبعها من تطورات سياسية واقتصادية وعسكرية، فقد تركت هذه الأحداث آثاراً سلبية على جميع الاقتصاديات العالمية والعربية ومنها الاقتصاد المغربي.

ومع ازدياد الأوضاع الدولية غموضاً واحتمالات توسع دائرة الحرب، فإن حجم الضرر الذي قد يصيب الاقتصاد المغربي لا يقل عن غير من الاقتصاديات العربية، بل ربما تتزايد خسائره من مرور الوقت نظراً للصعوبات الهيكلية التي يعاني منها.

وإذا كان من السابق لأوانه تقدير حجم الضرر الذي سيلحق بالاقتصاد المغربي، فإن التداعيات الاقتصادية الجارية تحمل في طياتها أخباراً سيئة جداً لأنها أصابت القطاعات التي يعول عليها المغرب في دعم اقتصاده وتوفير الموارد المالية اللازمة لذلك وفي مقدمتها قطاع السياحة الذي حقق خلال الشهور التسعة الأولى من العام الجاري أرقاماً قياسية، وكذلك قطاعي الاستثمارات الخارجية والخصخصة.

ومن هنا يعتقد العديد من المسؤولين المغاربة أن الأحداث جاءت في غير وقتها بالنسبة للمغرب كون الاقتصاد المغربي قد بدأ هذه السنة في تحسين ايرداته من الاستثمار الأجنبي ورفع معدل نموه الاقتصادي من 0.3 في المائة عام 2000 إلى نحو 6.5 في المائة كانت متوقعة حتى نهاية العام الجاري، كما سجلت معظم القطاعات الاقتصادية تحسناً في الأداء خلال الأرباع الثلاثة الاولى منه.

تراجع معدل النمو

سجل الاقتصاد المغربي عام 2000 نمواً متدنياً بلغ حسب تقرير المصرف المركزي المغربي السنوي، بلغ نحو 0.3 في المائة فقط، وذلك نتيجة الجفاف وارتفاع أسعار الطاقة وانخفاض سعر صرف اليورو حيث وصل إجمالي الناتج المحلي إلى نحو 365 مليار درهم (31.4 مليار دولار)، وذلك بعد أن سجل الاقتصاد المغربي عام 1999 انكماشاً بلغ معدله 0.7 في المائة.

وحسب إحصاءات المركز الوطني للظرفية الاقتصادية المغربية، فإن الناتج المحلي الاجمالي المغربي نما بمعدل 5.6 في المائة في النصف الاول من هذا العام، على الرغم من أن التقديرات الأولية كانت تشير إلى أنه سينمو بنسبة 8 في المائة، ثم خفضت هذه التقديرات في نيسان (أبريل) إلى 7 في المائة، ومع نهاية النصف الأول من السنة الجارية خفضت مرة أخرى إلى نحو 5.6 في المائة.

وبعد الأحداث الأخيرة تقول مصادر اقتصادية مطلعة إن نمو الناتج الإجمالي لن يتجاوز 2 في المائة فقط مقارنة مع ركود في العامين الماضيين بسبب آثار الجفاف، أما بالنسبة للعام القادم 2002 فإن المركز المغربي للظرفية يقول إن أحداث 11 أيلول (سبتمبر) وما تبعها ستكلف الاقتصاد المغربي خسائر توازي 2.5 في المائة من إجمالي الناتج المحلي ونحو 1 في المائة خلال السنة الجارية.

وأشار المركز إلى أن النمو المرتقب خلال السنة المقبلة لن يزيد على 3 في المائة من أصل التقدير الذي وضعته الحكومة وهو 5.5 في المائة.

وحسب البنك الدولي فإن معدل النمو الاقتصادي في المغرب بقي في حدود 1.9 في المائة على مدى الأعوام العشرة الماضية وهو من أصغر معدلات النمو في منطقة الشرق الأوسط وشمال أفريقيا، أما معدل النمو منذ تولي الحكومة الاشتراكية لمقاليد السلطة قبل نحو الأربعة أعوام فكان بمقدار 3 في المائة مع أخذ توقعات السنة الحالية المرتفعة نسبياً، وهي تقل عن تلك المسجلة في النصف الأول من العقد الماضي.

تخفيض الموازنة

جاءت بيانات مشروع الموازنة لعام 2002 التي أقرها البرلمان المغربي في 17 تشرين ثاني (نوفمبر) الماضي والبالغة قيمتها 165 مليار درهم (15 مليار دولار) لتشير إلى انخفاض عن موازنة العام الجاري التي بلغت نحو 16 مليار دولار بمقدار مليار دولار، وذلك بسبب خفض قيمة الدرهم إزاء الدولار واليورو الأوروبي مما يجعلها غير قادرة على تلبية حاجات الاستثمار والتنمية.

ويقدر عجز الموازنة المقبلة بنحو 3 في المائة من إجمالي الناتج المحلي، فيما تقدر نسبة التضخم بنحو 2 في المائة، لكن من المتوقع أن يتضاعف معدل التضخم مرتين عن النسب المسجلة في الأعوام الماضية ليصل إلى أربعة في المائة.

وتسعى الموازنة لتحقيق نمو قدره 4.5 في المائة، لكن مصادر مغربية تشكك في ذلك وتقول إن الإيرادات الضريبية ستقل بمقدار 600 مليون دولار بسبب الوضع الدولي غير المساعد، وخفض الرسوم على الواردات الخارجية تطبيقاً لاتفاقية الشراكة الأوروبية والمنطقة العربية الحرة وبنود منظمة التجارة العالمية.

كما أن الموازنة لم تأخذ في الاعتبار التحديات الاقتصادية الجديدة ولم تضع في الحسبان آليات لمواجهة الأزمة ولا تتضمن إجراءات استثمارية من قبل الدولة لتعزيز فرص النمو.

تراجع عائدات الخصخصة

شكلت عمليات الخصخصة منذ إطلاق البرنامج عام 1993 رافعة للاقتصاد المغربي، وساعدته على معالجة خلل الموازنة ونمو الاستثمارات وزيادة الاحتياط النقدي إلى نحو 9 مليارات دولار، لكن المناخ الدولي القلق سيحد من هذه العملية، فعلى صعيد الاستثمارات الأجنبية تتوقع مصادر مغربية أن تتراجع قيمة الاستثمارات الأجنبية التي سجلت عام 2001 نحو ثلاثة مليارات دولار إلى نحو مليار دولار العام القادم.

كما أن المشرفون على الموازنة يعتقدون أن الوضع الدولي غير مساعد على طرح شركات كبرى على التخصيص كما كان مقرراً مثل الخطوط الجوية المغربية، والبنك الوطني للإنماء الاقتصادي، فأرقام الموازنة للعام القادم تتوقع تراجعاً في عائدات التخصيص بنحو 41 في المائة لتنخفض الإيرادات إلى نحو 1.2 في المائة مليار دولار من أصل 2.3 مليار دولار خلال العام الجاري نتيجة خصخصة ثلث شركة الاتصالات.

وتقترح الموازنة بيع حصص الدولة في شركات متوسطة الحجم مثل شركة التبغ، وشركة صوماكا لتركيب السيارات، وجزء من رأس مال البنك الشعبي، بالإضافة إلى نسبة 10 في المائة المتبقية من حصة شركة اتصالات المغرب التي كانت أكبر عملية تخصيص منذ إطلاق البرنامج.

وكان المغرب قد باع نحو 65 شركة من أصل 124 شركة منذ انطلاق برنامج التخصيص عام 1993، وقدرت مجموع الإيرادات بنحو خمسة مليارات دولار، فيما يقدر البنك الدولي قيمة أسهم الشركات المتبقية بنحو خمسة مليارات دولار أخرى يحتاج تخصيصها فترة تمتد من 4 إلى ست سنوات.

المديونية

على الرغم من تراجع حجم المديونية المغربية خلال العام 2000 إذ انخفض المعدل العام للديون العمومية من 17.5 مليار دولار عام 1999 ليبلغ مع نهاية عام 2000 نحو 16.1 مليار دولار، وذلك بعد موافقة عدد من الدول الدائنة على تحويل ديونها إلى استثمارات محلية خاصة لفائدة شركاتها، إلا أن مصادر مغربية مطلعة تعتقد أن حجم الديون المغربية لن تنخفض العام المقبل بسبب حاجة البلاد إلى الاقتراض لتسديد عجز الموازنة، كما سيسدد المغرب العام القادم نحو 46.7 مليار درهم (4.2 مليار دولار) من أصول الدين والفوائد لأجل تقليص قيمته بنحو مليار دولار سنوياً.

لكن مصادر مغربية تقول إن المغرب سيحتاج إلى ملياري دولار من القروض الجديدة ، أي 5.2 في المائة من إجمالي الناتج المحلي لمواجهة عجز الموازنة خلال السنة المقبلة وبذلك فإن قيمة الدين الخارجي سترتفع إلى 17.5 مليار دولار رغم تسديد المغرب لأكثر من 4 مليارات دولار من الدين الخارجي وفوائده، بالإضافة إلى نحو 18.3 مليار درهم (نحو 1.567 مليار دولار) لتمويل مستحقات ديون داخلية حان وقت سدادها.

وتمثل الديون الخارجية 55 في المائة من الناتج الإجمالي القومي مقابل 69 في المائة في منتصف التسعينيات، والقسم الأكبر من الديون هي للبنك الدولي إذ تقدر القروض التي قدمها البنك للمغرب بنحو 8.4 مليار دولار.

وقد سددت الحكومة المغربية نحو 1.5 مليار دولار العام الماضي، وتم تحويل جزء هام من الديون الخارجية إلى استثمارات خاصة، وتقول مصادر مغربية إن الحكومة الآن تؤدي ما مجموعه 3 مليارات دولار سنوياً كديون خارجية، وتقترض من السوق الخارجية أكثر من ذلك.

الفقر والبطالة

فيما تشير الإحصاءات الرسمية إلى أن عدد سكان المغرب يبلغ نحو 29 مليار نسمة يشكل الشباب دون سن الثلاثين أكثر من ثلثيهم وبمعدل نمو سنوي يبلغ نحو 2 في المائة، فإنها تؤكد في نفس الوقت أن دخل أكثر 20 في المائة من المغاربة يقل عن دولار واحد في اليوم، وهذه النسبة للفقر من أعلى النسب في شمال أفريقيا والشرق الأوسط.

كما تبين ارقام دائرة الإحصاءات المغربية أن نصيب 20 في المائة من السكان من الاستهلاك المحلي بلغ 6.5 في المائة فقط، في حين ترتفع نسبة الاستهلاك إلى 46.6 في المائة للعشرين بالمائة من السكان الأكثر ثراء، ومن أجل الحد من ظاهرة الفقر ووقف اتساعها قررت الحكومة المغربية إنفاق نحو 17.5 مليار درهم (نحو 1.5 مليار دولار) للقضاء على ظاهرة السكن العشوائي وبناء منازل للفقراء في ضواحي المدن، حيث يعيش نحو 450 ألف أسرة في منازل غير ملائمة.

أما بالنسبة للبطالة فتؤكد مصادر مطلعة أن معدلها يبلغ 24 في المائة من الفئة النشيطة اقتصادياً، وترى هذه المصادر أن التطورات الدولية أفقدت بعض القطاعات الاقتصادية قدرتها على التوظيف فقد سرحت شركات في مجال الملابس والنسيج الآلاف من المستخدمين في حين لم توظف الدولة سوى 11 ألف شخص من الشباب، الأمر الذي يتوقع معه ارتفاع عدد العاطلين عن العمل.

وكان قطاع النسيج والملابس الجاهزة قد خسر العام الماضي 2000 نحو 50 ألف وظيفة بسبب تراجع صادرات شركات الملابس الجاهزة التي خسرت 400 مليون دولار، وانخفاض قيمة اليورو مقابل الدرهم بمقدار 25 في المائة خلال العامين الماضيين، حيث تمثل المعاملات التجارية باليورو نحو 64 في المائة من إجمالي التجارة الخارجية للمغرب التي تبلغ قيمتها نحو 19 مليار دولار.

تراجع عائدات السياحة

يحتل قطاع السياحة المرتبة الثانية في توفير مصادر الدخل من العملات الأجنبية، إذ بلغت عائداته العام الماضي نحو 2 مليار دولار، حيث زار المغرب نحو 2.5 مليون سائح أجنبي، وخلال الأشهر التسعة الأولى من العام الجاري بلغت عائدات قطاع السياحة 23.9 مليار درهم (2.1 مليار دولار) بزيادة نسبتها 43.7 في المائة عن نفس الفترة من عام 2000، وبمقارنتها مع متوسط عائدات السياحة خلال نفس الفترة في السنوات الأربع الماضية فإنها تكون قد ارتفعت بنسبة 90.5 في المائة، وعلى الرغم من النمو المرتفع الذي سجله هذا القطاع فإن الأحداث الدراماتيكية التي شهدها العالم أثرت عليه فقد بلغت نسبة التراجع في قطاع السياحة ما بين 15 و20 في المائة.

وهنا لا بد من الإشارة إلى أن المغرب يستثمر حالياً نحو 5.2 مليار دولار في تشييد منتجعات سياحية على البحر، كما أن قطاع النقل الجوي تضرر كثيراً حيث فقدت شركة الخطوط الملكية المغربية نحو 20 في المائة من رحلاتها الدولية.

خسائر متراكمة

يعاني المغرب من خسائر متراكمة على مدى السنوات الماضية، فعلى سبيل المثال كلف الجفاف المغرب نحو 10 مليارات دولار وقلص بشكل واضح العمل في الأرياف حيث أنفقت الدولة نحو 750 مليون دولار لمكافحة آثار الجفاف.

كما يعاني المغرب من خسائر كبيرة جراء ارتفاع حوادث السير التي بلغت على سبيل المثال العام الماضي 2000 نحو 9 في المائة من إجمالي الناتج المحلي أي نحو 3.5 مليار دولار، بالإضافة إلى خسائر باهظة جراء تهريب السلع وخاصة الغذائية والصناعية حيث تقدر قيمة السلع المهربة بنحو 3 مليارات دولار سنوياً يحول جزء منها إلى دول المغرب العربي وخصوصاً الجزائر.

تحويلات المهاجرين

تعتبر تحويلات المغتربين المغاربة أكبر مصدر للعملات الأجنبية للخزينة المغربية، حيث من المقدر أن تصل تحويلات المغتربين العاملين في الخارج هذا العام نحو 2.4 مليار دولار، مقابل 2.1 مليار دولار العام الماضي.

كما يملك المهاجرون ودائع مصرفية محلية تقدر بنحو ثمانية مليارات دولار، فيما يقدر عدد المغاربة في المهدر بنحو ثلاثة ملايين شخص أغلبهم في دول الاتحاد الأوروبي. ويخشى المسؤولون المغاربة من تأثير الأحداث على هذه الفئة وبالتالي تراجع التحويلات المالية التي يتلقاها المغرب سنوياً الأمر الذي يعني زيادة الصعوبات الاقتصادية التي يعاني منها.

بكلمة أخيرة إن تأثيرات الأحداث الدولية على الاقتصاد المغربي ليست كبيرة قياساً بالتأثيرات على اقتصاديات الدول الأخرى، إلا أن تأثر قطاعات مهمة مثل السياحة والنقل الجوي والتأمينات وتراجع العائدات المالية مما سيضطرها إلى الاقتراض مجدداً سيفاقم من المشكلات المزمنة التي يعاني منها الاقتصاد المغربي، حيث تشير التوقعات إلى انخفاض معدل النمو في إجمالي الناتج المحلي بمقدار 2.5 في المائة عن النسبة المتوقعة عام 2002 بسبب الأزمة الاقتصادية الدولية التي خلفتها الأحداث الأخيرة والحرب في أفغانستان، وبالتالي فإن نسبة النمو المتوقع أن يسجلها الاقتصاد المغربي خلال العام القادم لن تكون كافية لامتصاص الصعوبات الاجتماعية وتوفير المزيد من فرص العمل وهو ما سيؤدي إلى تعثر خطط الإصلاح الاقتصادي وهذا الوضع دفع مؤسسة "استاند اند بورز" (اس آند بي) إلى تعديل تصنيفها الائتماني للمغرب من مستقر إلى سلبي. (ق.ب)