مملكة وادي فينان تستعيد بريقها

ضانا - من سمير المرايات
إذا كنت تنشد الهدوء والسكينة، فعليك بوادي فينان!

في وادي فينان، ذلك الطرف الجاف لمحمية ضانا الطبيعية، التقت صفحات الطبيعة الخلابة بجبالها وصخورها من الصوان والرمل المتعددة الألوان مع تنوع الأشجار النادرة الراسخة في الصخور كما في اشجار اليسر الفضية الجذوع واشجار الاكاسيا، مأوى طائر الوروار بألوانه المتعددة لتشكل قصة تطور المنطقة عبر التاريخ.

منذ عهود الصيد في هذا الوادي تصارع الإنسان مع الطبيعة من اجل البقاء وعلى رماله راوغت الذئاب طرائدها من الماعز الجبلي (البدن).

ويقول السيد رائد الخوالدة، مدير مركز زوار ضانا، "ان مملكة فينان عاصرت حضارات عريقة ابتداء من الأنباط والبيزنطيين والرومان حتى الحضارة الإسلامية وكانت مستودعا صخريا لعنصري النحاس والمنغنيز وارضا تحتضن المزارع التي كانت تروى من شلال ضانا لتغرق الأشجار وترويها بالمياه النقية".

ويضيف السيد الخوالدة، "لقد اكتشفت الدراسات الأثرية الميدانية خربة قديمة العهد وكنيسة رومانية وشواهد أثرية تدلل على الأهمية التاريخية لهذا الموقع الذي يكنز الكثير مما يشبع فضول علماء الآثار، كما في أكوام الحجر المقصوص التي كانت تشكل القرية الرئيسة في الوادي والنظم المبتكرة للتحكم بالماء وتأمينه للسكان والزراعة والصناعة ومواقع صهر النحاس.

ويستطرد قائلا، "لقد لعب استخراج خام النحاس من التلال المجاورة دورا أساسيا في حياة الناس منذ آلاف السنين ويمكن زيارة المناجم التي ما زالت آثارها باقية حتى اليوم. ولقد تسبب صهر الصخور لانتاج النحاس الخالص تلوثا بيئيا واسع النطاق إلى حد لا ينبت نبت على ظهر ردم الشوائب السوداء حتى بعد مرور اكثر من الفي عام.

ويوضح، "لقد أدركت الجمعية الملكية لحماية الطبيعة منذ البداية أهمية هذا المكان المتنوع في مقوماته السياحية فقامت بإنشاء مخيم شتوي بيئي للزوار وذلك لطبيعة المكان الدافئة وتوفر المواقع الأثرية والسياحية التي تجذب السياح، وتسعى إلى استقطاب الدعم من عدة مؤسسات دولية بهدف تطوير هذا المكان وإيجاد فرص عمل للمواطنين المقيمين في موقع فينان من خلال مشاريع تصنيع الجلود وهذه المشاريع ستكون البديل لأهالي المنطقة للحد من استنزاف مصادر الطبيعة من خلال الحد من الرعي الجائر.

اما العلاقة التاريخية بين فينان وقرية ضانا فأنها تتلخص بان ضانا كانت إحدى محطات المراقبة لعمليات نقل النحاس والمنغنيز من فينان الى الأسواق الخارجية.

ويبين السيد جهاد درويش، مدير آثار الطفيلة، أهمية الموقع التاريخية فيقول، "لقد كانت فينان القلب الصناعي الأول في الأردن، وتشتمل على اكبر واكثر المواقع الأثرية أهمية في جنوب الأردن في منطقة تقع بين الطفيلة شمالا والبتراء جنوبا وتلاقي وادي ضانا بوادي الجوير"، مشيرا إلى مشروع المعهد البريطاني للآثار والتاريخ في عمان الطويل الأمد الذي يدرس التطور الاستيطاني على مر الزمن في هذه البقعة.

ويقول السيد درويش، "لقد زار المنطقة العديد من الباحثين وقام بعضهم بعمل المخططات والخرائط والصور لمنطقة السدود المائية الواقعة على وادي الاشيقر ومخططا لاحدى الكنائس"، ويشير الى الأعمال والمسوحات التي جرت في موسم 1997 التي كشفت عن مبنى يتمثل بجدران كبيرة مشذبة وأخرى صغيرة متداخلة وبقايا معمارية لمبانٍ كبيرة ممتدة وصغيرة والى صفوف غير منتظمة من القبور المميزة معظمها بشواهد من الحجارة الرملية وردية اللون.

اما البقايا المعمارية في موقع فينان فثمة بناء مربع الشكل من حجارة رملية يوجد فيه جاروشة الحبوب مصنوعة من حجر بازلتي اسود وكسر فخارية وجدت داخل البناء البيزنطي مع وجود القليل من الكسر النبطية والرومانية.

واضاف، "من خلال الدراسات السابقة تبين ان الموقع المستخدم منذ سبعة آلاف سنة قبل الميلاد وحتى يومنا هذا يمثل استيطانا مبكرا لمختلف نشاطات الإنسان الحياتية من تطور حضاري في التعامل مع واقع البيئة المحيطة او من حيث الاعتماد في تلك الفترات على أعمال زراعية وصناعية كصناعة النحاس، وأهم ما في هذا التطور وادي الجوير الذي ترقى معظم بقاياه المعمارية الى حوالي ستة آلاف سنة قبل الميلاد