الازواج الالمان سعداء بلا أطفال

هامبورج - من سابينه هينينج
اتجاه متزايد في المانيا لحياة مشتركة بلا اطفال

تقول ألموت بانبيكر من ميناء هامبورج شمالي ألمانيا أنها لم تعقد العزم مطلقا على ألا تنجب أطفالا، بل أن فكرة الانجاب ظلت تراودها من آن لاخر على مدار العشرين عاما الماضية. وتضيف السيدة، 43 عاما والمتخصصة في مجال البصريات، "ولكن فات الاوان الان".

ولكنها ليست آسفة لمجريات الامور في حياتها، وتقول "لم أعتبر قط أن الاطفال مهمون". ويقول معهد الاحصاءات السكانية الفدرالي في فيسبادن أن حوالي ثلث النساء اللاتي ولدن بعد عام 1960 في ألمانيا لم ينجبن أطفالا حتى الان، وأن هذا الاتجاه يزداد. وقد أصبح العيش بلا أطفال نمط حياة بالنسبة لكثير من الازواج والشركاء في الحياة.

ويقول عالم الاجتماع هارالد روست من معهد أبحاث الاسرة التابع للدولة بجامعة بامبيرج أن قرابة نصف الازواج الذين لم ينجبوا أطفالا في ألمانيا يتخذون قرارا واعيا بعدم تنشئة أطفال. وأوضح مع ذلك أن قليلا منهم يقرر عدم الانجاب في مطلع الشباب وأن "معظم هؤلاء يؤخرون الانجاب إلى أن يفوت الاوان".

واكتشف روست أن الازواج يتذرعون بأسباب كثيرة لرفض الانجاب. فربما يكون السبب هو عدم العثور على شريك الحياة المناسب أو ربما يكون الخوف من أن يعكّر الطفل علاقة سعيدة. وهناك أسباب مختلفة أخرى مثل الخوف من أن يفقد الازواج استقلالهم أو التغيرات التي تطرأ على الجسم أثناء الحمل أو متطلبات الامومة.

إلا أن الخبراء يتفقون في الرأي على أن أحد الاسباب الرئيسية هو الفشل في التوفيق بين الاسرة والوظيفة. والذين يعملون في السلك الجامعي يندرجون في هذه الطائفة، و89 في المائة منهم لم ينجبوا. وبإلقاء نظرة على الدول الاوروبية المجاورة لالمانيا، يتضح أن معدل الانجاب يكون أعلى عندما تتوافر دور الحضانة ورياض الاطفال ومجموعات اللعب للاطفال دون سن المدرسة. وهذا هو الحال بالقطع في الدول الاسكندنافية وفرنسا.

وبينما تظهر الاحصاءات أن السيدة الالمانية تنجب 1.4 طفلا، تنجب السيدة الفرنسية من 1.7 إلى 1.8 طفلا. ويقول البروفيسور هيرفج بيرج المدير الاداري لمعهد الاحصاءات السكانية والادارة الاجتماعية في جامعة بيلفيلد "هناك، 15 بالمائة فقط من النساء لا ينجبن".

وتشير أرقام أخرى إلى أن النساء في ألمانيا يمضين وقتا طويلا في التعليم وللتخصص في مهنة معينة. وهذا يعني أن السيدة المتزوجة تنجب طفلها الاول قبل شهور قليلة من سن التاسعة والعشرين في المتوسط. وفي عام 1980 في ألمانيا الغربية السابقة، كان المتوسط 25 عاما وهو نفس المعدل في ما كان يعرف بجمهورية ألمانيا الديمقراطية عام 1991.

ولكن حتى في الشرق الالماني الشيوعي سابقا، انخفض المعدل حاليا إلى 1.1 طفلا للسيدة رغم توافر مراكز رعاية الاطفال طوال اليوم أثناء وجود أمهاتهن في العمل. وفي السويد التي لا تزال تعتبر في صدارة الدول التي توفر مثل هذه الرعاية، ينخفض معدل المواليد. ويقول بيرج إن أحد أسباب ذلك هو أن "العائلات لا تزال تواجه خسائر مادية هائلة".

وقالت شتيفاني فينتر 37 عاما وهي صحفية من هامبورج، إنها لم تتطلع قط لان تصبح أما. كما أن عملها لعب دورا كبيرا في قرار عدم الانجاب. وأوضحت "لم أرغب أن أكون في مكانين في آن واحد". ولكنها أكدت أنها ربما اتخذت قرارا مختلفا لو كان المجتمع يتيح توزيعا عادلا للاعباء بين الامهات والاباء. وأضافت "ولكني لا أعتقد أني سأرى ذلك في حياتي".

ولكن شتيفاني لم تفقد كل اتصال بالاطفال، فهي تخرج بانتظام في أيام أجازتها مع ابنها بالمعمودية الذي يبلغ من العمر 12 عاما، وترعى أطفال أصدقاء وصديقات لها من حين لاخر. ويؤيدها شريك حياتها في قرار عدم الانجاب.

ويقول البروفيسور برنهارد شتراوس مدير معهد علم النفس الطبي بجامعة جينا أن هذا الاتفاق بين شريكي الحياة يمكن أن يلعب دورا حيويا في نجاح أية علاقة.

وخلص شتراوس إلى أن الاطفال ليسوا بالضرورة جزءا من حياة سعيدة. وأوضح أن "الازواج الذين يركزون على أشياء أخرى في حياتهم سعداء أيضا" فبالاضافة إلى العمل، يمكن لهم ممارسة هوايات وحياة اجتماعية زاخرة ونشاطات تطوعية. لكن بعض الاطباء يؤكدون أن الناس الذين لم ينجبوا أطفالا أكثر عرضة للانتحار والاصابة بالامراض من غيرهم. ويرد شتراوس "هذه محض خرافة".

كما أن النظرية القائلة بأن عدم الرغبة في الانجاب قد يرجع إلى انطباع مشاكل الطفولة في الذاكرة، هي ضرب من التكهنات. وشدد شتراوس على أن "قرار عدم الانجاب ليس ظاهرة مرضية" وإن كان المجتمع لا يزال "ينظر بتشكك" إلى الازواج بلا أطفال. ولكن عدم الانجاب في ألمانيا لم يعد يعتبر ضربا من الفشل كما كان يعتبر كذلك حتى ثمانينات القرن الماضي.

ولا تشكو ألموت بانبيكر من ردود فعل سلبية من جانب الزملاء أو الاصدقاء، فهي وشريك حياتها يعتبران في نظرهم كيانا راسخا. فهما يعيشان معا منذ 13 عاما وجمعت بينهما هوايات مشتركة مثل السفر والغوص. لكن السيدة الرشيقة ذات الشعر الاصفر القصير تعتقد أن الفكرة القائلة بأن وجود الاطفال يمكن أن يساعد الازواج في التغلب على صعوبات الحياة تنطوي على مغالطة، وقالت "إن الاطفال يمكن أيضا أن يفسدوا العلاقات"، وروت تجارب أصدقاء لها في هذا المجال.

وتستمتع شتيفاني فينتر بحياتها "كما هي"، ولكن التفكير في أنها ستتقدم في العمر يجعلها تؤكد أن مصيرها في النهاية إلى الوحدة. وتعتقد أن أفضل شيء يمكن أن تفعله هو ترسيخ صداقاتها. وقالت "بوسعك أيضا أن تختار أسرتك".