ملوك ورؤساء عشقوا «ايس كريم» دمشق

دمشق - من طلال الكايد
الملك عبد الله يستمتع ببوظة بكداش

تشتهر مدينة دمشق، وبخاصة احياؤها القديمة، بصناعاتها اليدوية الشهيرة التي تتجذر في عمق التاريخ. وبالرغم من بدء انكماش معظمها مع دخول الآلة في تصنيعها، الا انه مازال البعض الذي توارثها عن الاباء والاجداد يزاولها ولاسيما ‏ ‏صناعة البوظة الشامية الشهيرة.‏

ففي منتصف شارع الحميدية التاريخي الشهير وسط العاصمة السورية دمشق، والذي يعود ‏ ‏تاريخه الى مئات السنين وذكره عدد من الرحالة عندما كان يسمى بسوق الاروام، تباع ‏ ‏كافة المنتجات الدمشقية من الاقمشة والمنسوجات والنحاسيات والزجاجيات والسيوف والبشوت والغتر والعقل والجلديات والمسابح.

ولدى دخول الزائر الى هذا السوق، وعلى بعد امتار، لابد وان يجذبه مشهد تجمهر الناس امام احد المحال ليسارع الى معرفة ماذا يقدم هذا الحانوت ويفاجأ بأنه محل للبوظة.‏ فقد اصبح محل "بكداش" احدى علامات هذا السوق القديم حيث تصنع فيه وتباع البوظة العربية الشامية المصنعة بشكل يدوي منذ عام 1895.

وكانت بداية القصة عندما قرر شاب مغامر يدعى محمد حمدي بكداش تطوير مهنة والده، وهي بيع وتصنيع الليمون الجامد. فقام ابنه محمد، الذي لم يكن ‏ ‏يتجاوز العشرين عاما، بتأسيس محل في سوق الحميدية وبدا يصنع فيه البوظة العربية الشامية بطريقة الدق اليدوي.‏ ومازال هذا المحل على حاله منذ ذلك العام وهو الوحيد في دمشق والعالم العربي الذي يصنع ويبيع البوظة بالطريقة اليدوية التقليدية.

ثم تابع ولدا هذا الشاب مهنة والدهما حتى انهما لم يغيرا ديكورات المحل لأنها تتناسب مع خصوصية تصنيع وبيع ‏ ‏البوظة الشامية العربية اليدوية.

وتحدث احد ولدي بكداش عن هذه المهنة وتاريخها وشعبيتها فقال ان البوظة العربية اليدوية تحتاج للثلج "وكان والدي يعتمد طريقة مميزة بتحضير هذا الثلج من قمم الجبال القريبة ويتم حفظه عدة اشهر في المغارات حتى يبقى جامدا". وذكر انه قبل اختراع آلات التبريد ودخول الكهرباء الى دمشق "كان والدي يجمع الثلج في مغارات تحت الارض ببراميل خشبية مع تغطيتها باعشاب عازلة، يجمعها من الجبال نفسها، لتحافظ على تماسكها مدة تسعة اشهر تحت الارض هي فترة الحفظ في فصل الشتاء".‏

واضاف انه بعد ذلك يتم اخراجها مع بدايات فصل الصيف ويقوم برش الملح عليها ‏ ‏لتظل محافظة على صلابتها وتجمدها بحيث كانت تصل درجة التجمد الى 20 درجة تحت الصفر، وبعد ذلك يتم اضافة الحليب فوق الثلج مع مواد طبيعية مأخوذة من فاكهة الشام لاعطاء اللون الطبيعي وكذلك الطعم للبوظة مثل الفريز والكرز والمشمش والليمون ‏ ‏والبرتقال والتوت الشامي.

واوضح ان هذا النوع من البوظة يسمى البوظة "المشكل" مشيرا الى قيام عمال فنيين بدق البوظة بشكل يدوي بعد اضافة الطعم حتى ‏ ‏تتماسك وتأخذ شكلها الاخير ويتم وضعها في الزبادي وتقديمها للزبائن.‏ وقال بكداش ان هذه العملية تأخذ وقتا وجهدا كبيرين ولكن في المحصلة تنتج بوظة عربية شامية ذات نكهة مميزة وبمواد طبيعية حتى ان لها فوائد علاجية متعددة.

واضاف انه من هنا بدأت البوظة تأخذ شهرتها الواسعة مشيرا الى انه منذ ‏افتتاح المحل قبل 106 سنوات لم يبق ملك او رئيس دولة او مسئول كبير او شخصية شهيرة زارت سوق الحميدية والجامع الاموي الا ودخلوا هذا المحل لتذوق هذه البوظة.

وذكر بكداش ان اخر من قام بزيارة مصنع البوظة من الرؤساء والزعماء كان العاهل الاردني الملك عبد الله الثاني "الذي ظل في محلنا حوالي ساعة واستمتع كثيرا بأكل بوظتنا". ويلاحظ من يزور هذا المحل الصور العديدة المعلقة على جدرانه لشخصيات عربية وتركية من زمن الحكم العثماني، والافواج السياحية التي توافدت عبر الزمن الى المحل لاكل البوظة الشامية.

ويضيف بكداش ان والده كان يرسل البوظة إلى اسطنبول، عاصمة الدولة العثمانية آنذاك، للسلاطين والمسئولين، موضحا انه كان يتم حفظها بشكل فني حتى تظل ‏ ‏متماسكة الى هناك.

وقال انه تم ارسال البوظة بالطائرة الى فرنسا، بالاضافة الى شهرة البوظة وشعبيتها في دول شمال افريقيا ومصر "فلا يأتي زائر من هناك الا ويمر على محلنا لتذوق البوظة العربية".

وذكر ان هؤلاء السياح يقولون عند تذوقهم الآيس كريم انه ذو طعم لذيذ لا يقارن ‏ ‏بطعم الايس كريم المعروف لديهم موضحا انه على معرفة باشخاص لبنانيين يأتون كل ‏ ‏فترة الى المحل فقط من اجل اكل البوظة.‏

وعن تطور العمل في تصنيع البوظة يقول بكداش ان طريقة التحضير ظلت على شكلها المعروف منذ افتتاح المحل وحتى دخول الكهرباء إلى دمشق سنة 1930 حيث قام والده باستقدام خبراء فرنسيين صنعوا له آلات التبريد على الكهرباء. وبعدها تم الاستغناء عن جلب وتحضير الثلج من الجبال، كما تم تطوير البوظة واضيف لها المسكة العربية وماء الزهر لتعطي البوظة السمك المطلوب، كما تم اضافة المكسرات كالبندق والفستق الحلبي وغير ذلك "وما زلنا مستمرين بهذا الشكل من التصنيع والاضافات حتى الان".

وتنتشر محلات بيع البوظة حاليا في كافة انحاء دمشق الحديثة وخاصة في فصل الصيف ‏ ‏حيث يقبل الناس ومن كافة فئات الاعمار لتناولها كونها تساعد على تلطيف حرارة الجسم. واصبحت البوظة تقدم في مناسبات الافراح التي تقام في فصل الصيف بدلا من الحلويات وكذلك في الاعياد اذا صادف حلولها في الصيف ايضا اضافة الى معمول العيد.