95 بالمائة؟ لا تكفي لدراسة الطب في مصر!

القاهرة ـ من محمد ج. عرفة
لا يدخلها الا المتفوقون

في الوقت الذي استمرت فيه المناوشات الكلامية، التي تصل لحد التهديد باللجوء للقضاء، بين نقباء بعض كليات "القمة" في مصر مثل كليات الطب، ووزارة التعليم العالي حول أعداد الطلاب المقبولين كل عام في هذه الكليات والذين لا يجدون فرص للعمل في المستشفيات أو المصالح الرسمية، جاءت نتيجة تنسيق (توزيع) طلاب مرحلة الثانوية العامة لعام 2007 مخيبة لأمال الطلاب المتفوقين الذين حصل بعضهم على أكثر من 95 في المائة من مجموع الدرجات، ولم يجد له مكانا في كليات القمة.
نتيجة الثانوية هذا العام جاءت بإحصاءات غريبة، جعلت مسئولين تعليميين كبار يتندرون على عبقرية الطلاب الذين حصل بعضهم على مجموع أكثر من 100 في المائة، بإضافة درجات مواد تسمي المستوي الرفيع، وحصلوا على الدرجات النهائية في كل المواد، ما أدى لارتفاع الحد الأدنى للقبول بكليات القمة بصورة غير عادية لتصل إلى 99.14 في المائة لبعض كليات الطب، و96 في المائة للكليات النظرية.
فقد حصل 1661‏ طالبا على نسبة 102 في المائة، أي أكثر من نسبة النجاح العادية وهي 100 في المائة من مجموع المواد، وحصل ‏43‏ ألفا و‏878‏ طالبا وطالبة على أكثر من ‏95 في المائة، فيما حصل ‏187‏ ألفا و‏912‏ طالبا حصلوا على أكثر من‏80 في المائة، ومع هذا لم يتمكن الآلاف من هؤلاء الطلاب المتفوقين من دخول كليات القمة مثل الطب والهندسة والصيدلة والإعلام واللغات، واضطروا لدخول كليات نظرية مثل التجارة والآداب كان يدخلها في سنوات سابقة طلاب بمجموع 70 في المائة أو أقل.
حالة من الغضب وعدم الرضا، ظهرت بين الطلاب المتفوقين في أعقاب إعلان نتيجة المرحلة الأولى من تنسيق الجامعات المصرية أمس الأحد، بعدما اكتشفوا أن نتيجة التنسيق أبعدتهم عن الكليات التي تحقق أحلامهم‏، واتهموا نظام تقويم الطلاب وفق الدرجات بأنه غير عادل للطالب، حيث يقذف به في كليات قد تتصادم في كثير من الأحيان مع هواياته.
الأسر المصرية التي تنفق كانت أكثر غضبا بعدما أنفقت ألاف الجنيهات على تعليم الطلاب وتوفير الدروس الخصوصية لهم في غالبية المواد الدراسية، ولم يشفع لها هذا في دخول الأبناء كليات القمة بما يضمن لهم مستقبل أفضل.
أما علماء الاجتماع والتربويون فيتساءلون‏:‏ من أين حصل هؤلاء الطلاب على هذه المجاميع أو النتائج الباهرة والحصول على الدرجات النهائية في كل المواد الدراسية، وهل هم عباقرة أم أن نظام التعليم فاشل خصوصا أنهم يعتمد على امتحان وحيد في نهاية العام الدراسي فقط ودون أي تقييم للطالب طوال العام، فضلا عن تأثير عدم تسكينهم في كليات القمة وتحقيق أحلامهم بعد التفوق الدراسي، على حالتهم النفسية وفقدانهم الثقة في نظام التعليم خصوصا في ظل حالة البطالة الشديدة بين خريجي الجامعات.
وسبق ان كشف أطباء نفسيون عن أن 23 في المائة من طلاب الثانوية العامة في مصر يذهبون إلى العيادات النفسية والعصبية بعدما حولتهم الامتحانات إلى مرضي يعانون حالات الانهيار العصبي والإحباط والاكتئاب التي قد تنتهي بالانتحار في لحظة ضعف، فيما ذكر آخرون أن شهور الامتحانات تشهد إقبالا على أدوية الاكتئاب والصحة النفسية التي قد يستخدمها طلاب أو أسرهم.
وجاء هذا الكشف الطبي في الوقت الذي شهدت فيه بعض امتحانات الثانوية العامة التي تقرر مصير الطلاب في الوصول للمرحلة الجامعية أم لا، حالات انتحار راحت ضحيتها طالبة بمحافظة المنوفية شمال مصر العام الماضي، وعنف وجدال سياسي بسبب شكاوى الطلاب من صعوبة الأسئلة أو اختلافها عن المناهج أو أخطاء بها، فضلا عن التحقيق مع طالبة لأنها كتبت في موضوع "التعبير" في اللغة العربية أن سياسة الولايات المتحدة والرئيس بوش تعرقل جهود الشباب لاستصلاح الأرضي الجديدة.
وأكد الدكتور إبراهيم خليفة أستاذ علم النفس لصحيفة "الجمهورية" الرسمية في عددها الصادر في (28/7)، أن 23 في المائة من الطلاب يعالجون من أمراض عصبية ونفسية، وأن هناك تحولات نفسية تحدث لطالب الثانوية العامة الذي يعيش في سن المراهقة بسبب ضغوط نفسية قد لا يتحملها وتجعله يلجأ للتخلص من الموقف الذي فرض عليه بطريقة خاطئة، ربما بالانتحار في لحظة ضعف، فضلا عن الضغوط الاجتماعية والأسرية خلال فترة الامتحانات.
ووجه الأطباء النفسيون انتقادات لامتحانات الثانوية العامة بوضعها الحالي معتبرين أنها تؤدي إلى حالات اكتئاب مزمنة للطلاب بسبب الدروس الخصوصية والمصروفات والمناهج الصعبة والامتحانات وجدولها، ما يجعل الطالب يشعر وكأنه في سجن طوال فترة الدراسة بالثانوية العامة، لذلك فالحل في التوعية الأسرية للطلاب وتعديل أسلوب القبول بالجامعات والمناهج، وإلا ستتكرر حالات الانتحار بين الطلاب.
وزاد من الضغوط النفسية على الطلاب تحويل الطالبة آلاء فرج مجاهد العام الماضي إلى لجان تحقيق لمدة ثلاثة ساعات واتهامها بأنها "منحرفة سياسيا" ورسوبها ثم الاكتفاء بعقابها بالرسوب في مادة اللغة العربية، بسبب نقدها للرئيس بوش في الامتحان ضمن موضوع عن "التعبير" الحر عن رأيها، ما اثأر تساؤلات حول التناقض بين المطالبة بتعليم الطلاب حرية التعبير والتفكير وحق النقد، ثم عقابها على رأيهم رغم أن الرئيس بوش يُهاجم في بلده.
ويقول أطباء آخرون مثل الدكتور علي خضر أستاذ علم النفس والاجتماع بكلية التربية جامعة حلوان إن نظام الثانوية العامة ليس السبب الوحيد في فشل العملية التعليمية خاصة في مرحلة ما قبل الجامعة، ويطالبون بإصلاح العملية التعليمية برمتها من خلال إعادة النظر في النظام المادي للمدرسين وإلغاء المجاملات والمحسوبيات والقضاء على الدروس الخصوصية وتحديث المناهج وإعادة النظر في محتوي الامتحانات وإدخال المواد الحديثة وتعديل طرق التقويم حتى لا يكون المجموع هو المعيار الوحيد لدخول الجامعة.
ويشيرون إلى أن نظام الثانوية العامة الحالي يؤدي بأي طالب للإصابة بالصدمات النفسية والعصبية لسبب بسيط قد يكون الإخفاق في مادة واحدة وهو نفس السبب الذي دفع بطالبة المنوفية للانتحار، وأن هذا المناخ أدى لوجود منافسة شرسة بين الطلاب للالتحاق بكليات القمة وقد يقع بعض الطلاب بسبب هذه المنافسة الشرسة في نصف الطرق وهذا يؤدي للانهيار العصبي أو الإحباط أو الاكتئاب وفي النهاية للانتحار في لحظة ضعف أو انهيار عقلي للطالب.
وكشف مسئولون بشركات إنتاج الدواء في مصر في وقت سابق عن أنهم لاحظوا زيادة في نسبة تسويق الأدوية المهدئة التي تعالج حالات الاكتئاب في بعض المناسبات والأجواء الصعبة مثل فترات دخول المدارس والامتحانات أو الانتخابات، وهو ما قد يعني دخول مرضى جدد في تعداد مرضى الاكتئاب أو قيام مرضى فعليين بزيادة جرعات الدواء في هذه الفترة.
وقال الدكتور أحمد عبد الله مدرس الطب النفسي في جامعة الزقازيق (شمال القاهرة) أن مسئولي شركات أدوية مصرية تنتج أدوية الاكتئاب والمهدئات أبلغوه بأن الشركات تزيد إنتاجها بنسبة 30 في المائة أحيانا في الفترات التي تشهد لحظات ضغوط نفسية، وأن هذه الظاهرة تتكرر في أوقات الأزمات الاجتماعية أو الاقتصادية أو السياسية التي تضغط على المواطن المصري، وشدد أحمد عبد الله على أن استهلاك أدوية الاكتئاب يزيد عموما في أوقات الأزمات. (قدس برس)