9 آلاف عقار مهدد بالسقوط: القاهرة تنهار في صمت

القاهرة ـ من محمد الحمامصي
عقارات الخطورة الداهمة

يبدو أن التآكل والانهيار لم يعودا يطاردان القاهرة سياسياً وثقافياً واقتصادياً واجتماعياً، بل صارا يطاردان عمارتها التي تفخر بقيمها الجمالية والفنية، تلك العمارة التي صممها مهندسون أوروبيون كبار في فترة الملكية، قاهرة الخديوي إسماعيل، المصممة على الطراز الفرنسي.
فقد احتلت أحياء وسط القاهرة التي تضم أهم وأبرز تلك الطرز المعمارية النصيب الأكبر بعدد 2700 عقار من العقارات المهددة بالانهيار في القاهرة كلها، والتي بلغ إجماليها حسب تقرير لمحافظة القاهرة 8800 عقار.
وتلتها أحياء المنطقة الجنوبية 2500 عقار، حيث المناطق الشعبية بالسيدة زينب والخليفة ومصر القديمة، التي تشكل نسيج وروح القاهرة الشعبية، قاهرة يحيى حقي ونجيب محفوظ، ثم 2000 عقار في أحياء المنطقة الشمالية شبرا والساحل وروض الفرج والزاوية والشرابية وحدائق القبة والزيتون.
عقارات الخطورة الداهمة ـ كما يطلق عليها المسؤولون ـ في حي وسط القاهرة تضم مناطق الحسين والجمالية والدرب الأحمر والحمزاوي والأزهر والباطنية وباب الخلق، وهي تلك المناطق التي تشكل مصر الفاطمية، وتضم 38 ألف عقار منها عقارات أثرية يقع أسفلها 55 ألف محل تمثل ثروة لسكانه وشاغليه.
عقارات هذا الحي تعد أقدم عقارات أحياء القاهرة حيث مر على معظمها أكثر من 150 عاماً، وصنف منها 433 عقاراً تحت بند الخطورة الداهمة وتم إزالة 251 عقاراً منها وباقي 179 تجري محاولات إزالتها.
هذه الصورة التي تعطيها الأرقام الرسمية، لا تحمل في طياتها خطورة ما يجري للثروة العقارية وسط القاهرة، فالحقيقة أكبر من الأرقام، حيث تحولت عمارة وسط القاهرة إلى ما يشبه "اسطبلات الخيول وحظائر الماعز والجاموس" في ظل جهل كبير بقيمتها التاريخية والحضارية والإنسانية، تحولت إلى ورش أحذية وملابس ومحازن للبشر والبضائع، ومقاهٍ ومحلات أغذية، تبدو في ظاهرها رائعة لكنها من الداخل تتآكل جدرانها بسبب الاهمال وعدم وجود أي نوع من أنواع الصيانة حيث تهددها تسربات المياه من مواسير الصرف على سبيل المثال لا الحصر.
المهندس رجائي محمود يؤكد أن عقارات أحياء وسط القاهرة تشكل روح القاهرة ويجب على المجتمع المدني التحرك للدفاع عنها وحمايتها قبل أن يتم هدمها جزءا تلو الآخر دون أن يدري أحد، وهذا ما حدث مع الكثير من الفيلات في الزمالك وجاردن سيتي.
وأرجع تدهورها إلى غياب الصيانة الدورية وسوء العلاقة بين المالك والمستأجر، وارتفاع منسوب المياه الجوفية في بعض المناطق وقدم عمر المباني وتردي وصلات الصرف الصحي ولجوء الملاك إلى إجراء تعديلات إنشائية وإضافة أدوار علوية دون الرجوع للمهندس المتخصص وعدم إخلاء العقارات أثناء الترميم أو التنكيس، كل ذلك يجئ وسط اهمال الدولة ولامبالتها لما يجري.
ويعتقد رجائي محمود أن الإهمال في الثروة العقارية لوسط القاهرة وراءه تسهيل محاولات بيعها لشركات استثمارية، مشيراً إلى ما تردد أخيراً بشأن استيلاء إحدى الشركات ـ شركة الإسماعيلية للاستثمار العقاري ـ على 31 عقاراً من أجمل عمارات وسط القاهرة وأبرزها على مستوى الطابع التاريخي، منها عقارات في مناطق الجمالية والترعة البولاقية وشوارع شامبليون وطلعت حرب وعدلي ومحمد بسيوني.
وطالب بضرورة قيام وزارة الثقافة بتشكيل لجان لحصر المباني ذات القيمة الأثرية لمنع بيعها طبقا لقانون الآثار، وقال "لكن أن يظل الأمر بالصورة الحالية من اهمال ولامبالاة وتفريط وبيع، فهذا يعني أن القاهرة الخديوية والفاطمية أيضا معرضة للسقوط في أي وقت".
وذكر المهندس رجائي محمود بزلزال 1992 وزلزال 2007 اللذين أوديا بالكثير من ملامح عمارة القاهرة سواء الفاطمية أو الخديوية، وكشفا عن ترد واضح لدور الحكومة في حماية الثروة العقارية التاريخية بشكل خاص.