5 سنوات على 'العراق الجديد': مراجعة في المحنة والمواقف (1)

بقلم: د. ماجد أحمد السامرائي

قد تبدو المراجعة السياسية بعد خمس سنوات من الاحتلال الاميركي للعراق نوعاً من التراتيل على ايقاع نهر الدم النازف في العراق، أو انها خطابات لمرثية محنة شعب لم يعاقب لأنه خضع لسلطة دكتاتورية حسب، بل لأنه حمل تاريخاً ايجابياً ومؤثراً في الانسانية، حيث تنفذ اليوم بحقه أكبر جريمة من جرائم الاستعمار والاحتلال العسكري التي استهدفت كيانه البشري والحضاري، وتفكيك هويته الوطنية بالتعاون مع أعنف أدوار قوى التطرف الطائفي التي ظهرت في حلقات سوداء من التاريخ الانساني وتاريخ المنطقة والعراق.
ان المراجعة السريعة للمعطيات السياسية بعد خمس سنوات من احتلال العراق، تشكل ضرورة من ضرورات التنبيه على علامات القوة والضعف في مسيرة شعب العراق الصامد بوجه أكبر هجمة بربرية في التاريخ ولفحص امكانيات وخطط أصحاب المشروع التفتيتي المحليين والاقليميين والدوليين، وكذلك قوى مشروع العراق الواحد المتمدن المتحرر بهويته الأصيلة، لأن النتيجة النهائية هي رحيل الاحتلال العسكري عن العراق ولو كان ثمن ذلك بالتضحيات كبيراً، لأن المساعدين على اطالة عمره من الجماعات المحلية كثر، وأصبحت لديهم مؤسسات سياسية وأمنية واعلامية هائلة داخل السلطة السياسية وخارجها، متشابكة مع مؤسسات الاحتلال الاميركي ذاته.
ان المقارنة حتى ولو كانت شكلية ووصفية ما بين واقع العراق قبل وبعد الاحتلال في الرصد والتحليل لطبيعة الحواضن السياسية العراقية التي سهلت ودعّمت تنفيذ مشروعه لقاء مصالح خاصة، قضية أصبحت معروفة للمواطن العادي، لكنها على المستوى السياسي والاعلامي ضرورية وتحتاج الى جهود تتسم بالجرأة والصدقية والصراحة وتبتعد عن المصطلحات الجاهزة والنظرة الفئوية والطائفية التي أصبحت اليوم احدى العلامات الموبوءة والمكروهة من قبل جماهير الشعب العراقي. والاستناد الى رصيد محنة العراقيين الكبيرة التي تشكل اليوم الخزان التاريخي العميق الذي يمكن أن ينهل منه المخلصون من نخب العراق السياسية والثقافية والاعلامية المقاومة والرافضة للاحتلال، خصوصاً بعد أن حصلت القطيعة بين شعب العراق الصامد وبين الجماعات السياسية المنشغلة منذ خمس سنوات بترتيب والحفاظ على مكاسبها وحصصها المطلقة حتى وان تطلب منها ذلك القتال في الشوارع مثلما يحصل الآن في زوايا عدة من مراكز النهب في بعض مدن العراق أو في مكاتب الوزارات الحكومية. ان حلقات الوقائع السياسية مترابطة داخل نسيج العراق الواحد، ومن الصعب على أية قوة سياسية أو عسكرية تقطيعها، أو وضع الحواجز النفسية في ذهن المواطن المبتلي بمحنة عيشه وعيش أطفاله ومصير شبابه وبناته، فتلك المهمة فاشلة حتى لو اعتمدت على أكبر منظري الفلسفة السياسية من رواد اليمين الاميركي المتطرف الذين وظفوا في العراق عدداً ليس قليلاً من أنصاف المثقفين والاعلاميين العراقيين الحاملين للاستعدادات النفسية والايديولوجية، وناقصي الجاه والحاملين للجوع القديم في الثأر والفوضى وفي الدعوة والعمل على تعميم ثقافة تقسيم العراق وتحويله الى كومونات ضعيفة لا تستطيع بمجموعها أن توازي وتعادل الكيان الاسرائيلي، وبذلك يصبح ذلك الكيان هو المتقدم والراقي في الشرق الأوسط الجديد. اضافة الى توظيف واقع التنوع الاثني والعرقي لخلق الصراع والتصادم والاحتراب مع ان الخصوصيات الدينية والقومية كانت موجودة في العراق منذ تكوينه السوسيولوجي الأول، وكانت عنصر تكامل وتفاعل عبر تاريخه الطويل. رؤيا في وقائع الأمس السياسي ثمة محور جوهري يحاول البعض تغييبه في خضم تفصيلات العملية السياسية الحالية، وهو موقع القوى والأحزاب السياسية الحاكمة حالياً من خارطة العمل السياسي العراقي المعاصر، وان ولادة وتكوين معظم هذه الحركات والأحزاب المتسيدة جاء انعكاساً لفترات غير طبيعية في حياة العراق.. حروب اقليمية، وتصعيد هائل لمشروع الامبراطورية الأميركية في المنطقة، وانفتاح لمشروع آديولوجي عقائدي مذهبي له حساسيته في بلدان تشكل العروبة بالنسبة لها وعاء للتفاعل والتماسك مع الاسلام.
في استعادة تاريخية لمسيرة الحركة الوطنية العراقية، وما زال بعض رموزها وقادتها أحياء، تشير الحقائق السياسية بأن حزب البعث المُحارب حالياً من قبل الاحتلال الأميركي والأحزاب الحاكمة التي طبقت بحقه وحق منتسب قرارات الاجتثاث والمساءلة والعدالة، مما يعطيه حسب المنصفين صفة "الوطنية" في زمن الحرب والاحتلال. مثلما نشأ في العراق أوائل خمسينيات القرن الماضي كرد فعل على ظروف التجزئة ونكبة فلسطين 1948 ولمواجهة ظروف العراق في "الانتداب والأحلاف والاتفاقيات"، فتحالف مع الأحزاب الوطنية والقومية واليسارية كالحزب الشيوعي والاستقلال وحركة القوميين العرب والوطني الديمقراطي والحزب الديمقراطي الكردستاني، للنضال من أجل اسقاط النظام الملكي، ولم يكن للأحزاب الاسلامية الشيعية والسنية في المرحلة الأولى من العمل الوطني المعارض للعهد الملكي نشاط معروف ما عدا الاخوان المسلمين الذين لم يدخلوا في تحالفات سياسية مع الحركة الوطنية العراقية. وشارك البعث في وزارة الجمهورية الأولى بعد تموز/يوليو 1958 بواسطة القيادي البعثي فؤاد الركابي. ودخل العراق في عهد عبد الكريم قاسم عام 1959 صراعات الهوية الوطنية والقومية التي تحولت الى صدامات ومجازر دموية بين الحزب الشيوعي وجميع الفصائل القومية العربية كان مسرحها في مدن كركوك والموصل بعد ثورة عبد الوهاب الشواف التي استهدفت قلب نظام الحكم القاسمي، وقاد البعث محاولة فاشلة للوصول الى الحكم بمحاولة اغتيال عبد الكريم قاسم، واستمر صراع ردود الافعال بعد تسلم البعث للحكم في 8 شباط 1963. وباستثناء الأزمة الكردية في شمال العراق عام 1961 لم ينزل الصراع السياسي الى المستوي الشعبي، ولم يتحول الى انقسام طائفي وقد ظلت تلك الحوادث مؤلمة في ذاكرة العمل السياسي الوطني، الا أنها لم تتمكن من محو أدوار حزب البعث أو الشيوعي أو الكردستاني أو القوميين العرب من الساحة السياسية الوطنية لحين عودة حزب البعث الى الحكم ثانية في 17 تموز/يوليو 1968 الذي أصدر عفوا سياسياً عاماً عن جميع المعتقلين والمسجونين السياسيين، وتم اعلان بيان الحادي عشر من آذار للحكم الذاتي للأكراد عام 1970 وانفتحت أبواب الحوارات لقيام جبهة وطنية تحققت عام 1973، حيث شارك الشيوعيون والأكراد الى جانب القوميين العرب وبعض المحسوبين على الاسلاميين في الحكومة حينذاك. الانقلاب العسكري مع ذلك كانت الهواجس والشكوك وعدم الثقة قائمة ثم تزايدت خلال شهور قليلة.. فحزب البعث كان يتصرف من منطلق الاعتداد بنفسه لكونه غامر بالانقلاب العسكري لوحده وتسلم السلطة، وانه "الحزب القائد" للعملية السياسية، وانه صاحب مشروع قومي عربي، وكحزب شمولي كان يؤمن "بالديمقراطية الثورية" على نمط التيار العراقي الثوري السائد حينذاك والذي كان الحزب الشيوعي من أوائل رواده. لقد انهارت الجبهة الوطنية وخرج الحزب الشيوعي من السلطة بعد اتهامه بتنظيم خلايا حزبية شيوعية داخل القوات المسلحة، كما انسحب الحزب الديمقراطي الكردستاني وتصاعدت التوترات المسلحة شمالي العراق. بعد توقيع اتفاقية الجزائر مع ايران عام 1975 ثم اتخذت الأحداث منحاً جديداً بعد سيطرة صدام على الحكم عام 1979 واعدام كوكبة من قيادة حزب البعث، وبرزت مشاكل محلية على صعيد العلاقات السياسية مع الأحزاب التقليدية تتعلق بشراكة السلطة واختلاف المناهج، واستخدام السلطة في اقصاء الآخرين من الوطنيين العراقيين المخلصين لبلدهم. وكذلك أزمة الحركات الاسلامية الشيعية الناشئة بفعل ظروف الحرب مع الجارة ايران مثل الدعوة والمجلس الاسلامي بعد تولي الخميني سلطة ولاية الفقيه وتطبيق مبدأ تصدير الثورة، "وطريق فلسطين يمر عبر كربلاء "مما فجر حرب الثماني سنوات بتضحياتها البشرية المؤلمة من الشعبين المسلمين. اضافة الى مشكلات العلاقات القومية المتعلقة بالزعامة العربية في ادارة أزمة الصراع العربي الاسرائيلي. مع ذلك لم يكن للطائفية السياسية من تأثير يذكر في الواقع الاجتماعي، ولم يعززها منهج سياسي في السلطة أو خارجها. لقد سقط في حرب العراق مع ايران مئات الألوف من الشهداء عن الطائفة الشيعية وما زالت عوائلهم الشيعية الكريمة تتذكرهم بفخر وتحتضن صورهم وهم يرتدون بزاة القتال، ويتوشحون بعلم العراق، مع ان مسؤولية القرارات السياسية للحرب ولاستمرارها لثماني سنوات تقع مسؤوليتها على القيادتين العراقية والايرانية.
ان خطاب النقد والاتهام من قبل الأحزاب الحاكمة اليوم، وخاصة "الاسلامية الشيعية" لا يتوقف عند مرحلة حكم صدام قبل الاحتلال، بل يتعداها الى أعماق السنين وفق منظور غير موضوعي طائفي يرى بأن المشكلة تتعلق "بحكم السنة منذ أكثر من ألف وأربعمائة عام" وسيأتي الوقت المناسب لكي يتمكن المؤرخون والسياسيون من تسجيل تلك الفترة من حكم العراق محليا وعربيا ودوليا بعقل علمي هادئ بعيد عن المهاترات الحزبية والصراعات الطائفية والدوافع الثأرية والأجندات المصلحية. ولكن اليوم وبغض النظر عن سياسة الحكم السابق في الدكتاتورية والاستبداد لا يمكن لأي منصف الا أن يعترف بأن مرحلة السبعينيات وأوائل الثمانينيات كانت مرحلة نمو وتنمية عراقية في مختلف مجالات الحياة الاجتماعية والصحية والثقافية والتعليمية حيث نشأت طبقة علمية وثقافية ضخمة بسبب البعثات الكبيرة للخارج وبنيت مرتكزات التنمية التحتية داخل العراق. ثلاثة شواهد تدل على ذلك: القضاء على الأمية في العراق بنسبة 100% وفق تقارير اليونسكو. معدل دخل الفرد 593 دولارا عام 1991. انعدام المخدرات في العراق؛ تعاطيا ومتاجرة لأن العقوبة كانت بحق المتورطين هي الاعدام. انعدام البطالة حيث ارتفع عدد العمال العرب من الأشقاء المصريين في بعض الفترات لأكثر من أربعة ملايين عامل. ولعل واحداً من الآثار الايجابية لتنظيم "البطاقة التموينية " التي نظمت بعد حصار 1991 هي اليوم صمام الأمان للمواطنين للمحافظة عليهم من النزول تحت خط الفقر، وهو ما تفكر الحكومة الحالية لالغائها ليس بسبب حالة الغنى التي وصلها العراقيون بعد الاحتلال، وانما تلبية لشروط صندوق (الافقار) النقد الدولي.
لقد كان الخطأ الأكبر والخطيئة التي يصعب تبريرها عند بعض القوى التي كانت تحسب نفسها "وطنية" وطالبت بإسقاط نظام صدام لكونه "دكتاتورياً"، وليس لكونه غير وطني، أي كانت تدعو الى استبدال الدكتاتورية بالديمقراطية، لكنها أية ديمقراطية؟ هل هي ديمقراطية الاحتلال الأميركي أو ديمقراطية الاسلام السياسي الشيعي أم السني؟ هل هي ولاية الفقيه التي تتعارض مع الديمقراطية بجميع ألوانها أم هي ديمقراطية الشورى والخلافة الاسلامية؟ هل هي السلفية أم التجديد في الفكر الاسلامي، أم الديمقراطية الليبرالية الغربية، هل هو حكم رجال الدين أم المؤسسة المدنية.. وهذه الاشكالات الفكرية هي الظهير للأزمة السياسية التي تواجهها القوي الاسلامية حالياً ولا تستطيع الخروج منها. المعارضة والسلطة ان مسألة الأحزاب العراقية والسلطة ذات أهمية كبيرة. ففي تاريخ العراق المعاصر لم تتوفر لأي من الأحزاب العراقية الوطنية أو غير الوطنية فرصة تسلم الحكم بغض النظر عن الوسائل لكونها أصبحت اليوم سواء، ما عدا حزب البعث الذي تسلم الحكم في العراق عام 1963 لمدة تسعة أشهر وفي عام 1968 لمدة خمس وثلاثين عاما بغض النظر عن التفصيلات. ومنذ المرحلة الأولى تسلم سلطة البعث في العراق كانت قضية حمل الأحزاب لجينات المعارضة وهو يحكمون مطروحة داخل القيادات العليا في الحزب. هناك نقص في ثقافة السياسيين العراقيين لمسألة السلطة، وهو نقص فكري وسياسي، فهم يتصرفون في أروقة الحكم بعقلية المعارضة، فتتحول السلطة الى جاه اجتماعي ونوعٍ من أنواع التسلط الاقطاعي المناقض لفكرة الديمقراطية التي تجعل من المسؤول الحكومي أداة لوظيفة خدمة المواطن الذي انتخبه، وليست أداة للارهاب والقتل والتغييب والتسلط، وهو ما يتكرر بصورة أبشع في الواقع العراقي الحالي. قال لي أحد الأصدقاء السياسيين الذين اشتغلوا ضمن معارضة نظام صدام وعاد الى لندن أخيراً خائباً نادماً "عندما كنا معارضين لصدام كانت أجهزته المخابراتية تستدعي أهلنا وأقاربنا تطالبهم التوسط معنا لتليين مواقفنا.. الخ. اليوم في العراق الرد على المعارض هو قطع الرأس أو الاختطاف ورمي الرأس في القمامة.." للأسف هذا الانحراف في الثقافة السياسية لا يعود الى طباع العراقيين مثلما يحاول بعض المثقفين تشويه جوهر ومعدن العراقيين بكونهم قساة قتلة، بل الى مردودات غريبة عن العراق لها صلة بخارج حدوده الجغرافية، كما ان ذلك ليس خللاً منهجياً في مفهوم العلاقة بين السلطة والشعب حسب، وانما في طبيعة السلطة التي تتحول الى نوع من التحكم بمصير الناس واتجاهاتهم الاجتماعية والثقافية.. ولعل جاذبية قانون اجتثاث البعث من قبل الأحزاب الرئيسة الحاكمة حالياً وعملية تعريقه بالمساءلة والعدالة هي مظهر من مظاهر التشبث بالثأر والعنف والاستئثار بالسلطة. تاريخياً لم يرض وصول حزب البعث للحكم عام 1968 جهات عدة محلية وعربية واقليمية ودولية ودائماً طبيعة الأعداء تؤكد هوية المستهدف.. ولو كان هذا الحكم منفذاً لرغبات الولايات المتحدة الأميركية أو خادماً لمخططاتها، لسارت الأمور باتجاه آخر.
لقد بدأت الأزمات السياسية تواجه الحكم خصوصاً من قبل ايران الشاه التي حاولت تنظيم محاولة انقلاب عسكري بأدوات عراقية عام 1969، ثم تصاعدت الأزمة على خلفية قضية أكراد العراق الذين دعمهم شاه ايران ثم قايضهم مع صدام باتفاقية الجزائر عام 1975، واليوم الطرف الكردي لا يتمكن من الغائها بل ان التنكر اليها اعلاميا بات ممنوعاً ويثير احتجاج حكومة طهران. لقد بدأت معارضة النظام العراقي بصورة واضحة من قبل الأكراد الذين وفروا فيما بعد مستلزمات الايواء للشيوعيين العراقيين العرب والأكراد وبعض الاسلاميين الشيعة الذين ذهب غالبيتهم الى طهران، وكان التنسيق والتحالف قوياً بين جلال الطالباني والمرحوم محمد باقر الصدر والسلطات الايرانية، تصاعد بعد عام 1986 عبر الحدود العراقية الايرانية الشمالية الشرقية حتى 2003 تخللتها عمليات لوجستية مشتركة بين قوات الطالباني، وما استخدمته الجهات الاستخبارية الايرانية من آلاف الأسرى العراقيين والذين سموا "بالتوابين" كمادة لتشكيل فيلق بدر التابع لتلك الجهات والذي وظف من قبل مجلس أل الحكيم. وهنا بدأ تدويل المعارضة العراقية، وبذلك خضعت لأجندات مخابرات الدول المضيفة. فخلال السبعينيات احتضنت سوريا المعارضين من البعثيين المعارضين لنظام صدام، على خلفية الخلاف العقائدي بين شطري حزب البعث، وهو في حقيقته خلاف على زعامة الحزب والحكم في كل من العراق وسوريا، اضافة الى مجموعة من القوميين العرب والأكراد وبعض المنتسبين للأحزاب الشيعية حيث استثمرت ايران تحالفها مع سوريا لصالح نشاطات حزب الدعوة داخل العراق حينما كانت الحدود مع ايران مغلقة خلال الحرب العراقية الايرانية 1980-1988. فيما قدم الأكراد (جلال الطالباني) وسائل الدعم اللوجستي للمجلس الأعلى خلال فترة الحرب العراقية الايرانية وما بعدها. وفي أوائل التسعينيات وبعد دخول صدام الكويت وحرب الخليج الثانية التي انكسر فيها الجيش العراقي أمام التحالف الدولي بقيادة اميركا، تبلور مشروع تغيير نظام الحكم في العراق. وفي تلك الفاصلة الزمنية، ولتوزع معارضي نظام صدام بين دول الرعاية لم تتبلور صيغة قيادة تنظيمية موحدة للمعارضة العراقية، ولم تنجح السعودية رغم تبنيها لمؤتمر بيروت 1991 الى جانب سوريا من توحيد فصائل المعارضة العراقية على مشروع وطني واحد، وتعددت وتوزعت مشاريع اسقاط نظام صدام، ما بين عاصمة الرياض العربية الاسلامية وما بين طهران الخمينية. وفي موازاة هذا الخط كان للمخابرات الاميركية خطها الذي لم ينجح كذلك في بلورة تجمع عراقي معارض في مؤتمر "فيينا" ومنذ ذلك الحين فرضت جهات اميركية عدة هيمنتها واخترقت المعارضة العراقية، وكانت في المرحلة الأولى تتعامل مع الأفراد ذوي التوجهات الليبرالية، وكانت تتحفظ على "التعامل مع الاسلاميين الشيعة والسنة".. كانت تروّج بأن مستقبل العراق والبديل لنظام صدام لا بد أن يكون ديمقراطياً ليبرالياً. والفكرة المهمة بالنسبة لديها هي قضية الأكراد التي سوقت دولياً قبل أن تسوق قضية اضطهاد شيعة "الجنوب" حسب المصطلحات التي درجت في الاعلام الاميركي والغربي فيما بعد. والتطور المهم هو ان قوى اليمين الأميركي - مجموعة بول وولفيفتز وريتشارد بيرل، وهما من بين الذين رفعوا مذكرة مع اسرائيليين الى الادارة الأميركية بضرورة احتلال العراق عسكرياً منذ أواسط الثمانينيات، وقد ساعد هؤلاء خلال تعاطيهم للمسألة العراقية على تبلور شعور داخل أوساط المعارضة ان ثقل الولايات المتحدة هو الذي سيغير النظام السياسي في العراق.. ليست طهران ولا سوريا، وحتى السعودية وصلتها هذه الرسالة المباشرة المحبطة من واشنطن، وجعلتها تعيد حسابات تعاملها مع قوى المعارضة الوطنية ذات التوجهات القومية والليبرالية.. وهكذا أصبحت المعارضة عنواناً لكتل وحركات خارج العراق لم يعرف حقيقة حجمها التنظيمي داخل العراق سوى مخابرات نظام صدام السابقة ومخابرات الدول التي احتضنتهم وقادة تلك الحركات أنفسهم. د. ماجد احمد السامرائي