14 تموز، نراه انقلاباً وجريمة ويرونه إنجازاً وثورة، وبيننا وبينهم حكم الزمان والتأريخ

بقلم: مصطفى القرة داغي

منذ سنوات قطعت على نفسي عهداً بأن أكتب سنوياً مقالة في ذكرى الحادثة الأليمة والمجزرة البشعة التي أصابت العائلة المالكة العراقية في الصباح المشؤوم لـ14 تموز 1958، ومنذ ذلك اليوم وأنا مواظب على الإيفاء بهذا العهد وسأبقى إن شاء الله.

قد يتسائل البعض عن أسباب هذا الموقف، وأجيبهم بالقول أنها كثيرة، أولها رد الإعتبار لعائلة مالكة رائعة ولعَهد مُفترى عليه أصابهما الكثير من الظلم والحَيف، وكانا ضحية شمولية أحزاب ثورية فوضوية، وجهل نسبة كبيرة من شرائح شعب غُيّب وعيه وأنساق وراء شعارات كاذبة.

والسبب الثاني هو تسجيل لموقف مبدأي تجاه جريمة تأريخية أبادت عائلة مسالمة، وأنهَت عهداً ذهبياً، ودمَّرت بلداً كان في طريق النهوض.

أما السبب الثالث فهو الواجب الذي يفرضه عَلي القلم، الذي يجب أن يكون أميناً في قراءة التأريخ وتقييم أحداثه.

الغريب أن بعد كل هذه العقود من تزييف التأريخ وتغييب عَقل الناس، هنالك من يُستفز ويَستكثِر على العائلة المالكة أن تكتب بحقها مقالة لتعيد لها الإعتبار وتندِّد بالجريمة التي أصابتها، وتُعَرّي وتفضح زيف إنقلاب سُمِّيَ لعقود بالثورة بأدبيات الأحزاب الشمولية، رغم أن البعض قد ألّفَ كتباً ومُعلقات طِوال جُلّها مُغالطات تشيد بإنجازات14 تموز وتتغنى بجرائمها النكراء وتصِفها دون أدنى حياء بالعنف الثوري المُبّرّر.

لذا أرتأيت أن تكون مقالتي هذا العام مروراً على أبرز المُغالطات التي ذكرها هؤلاء في كتبهم ومقالاتهم، لتفنيدها وردها بالحجة والدليل المنطقي، ولإلقاء الضوء على جوانب جديدة من الحَدَث رُبّما فاتني أن أتطرق إليها بمقالات سابقة.

بدءاً يؤسفني أن بعض هؤلاء الكتاب يَعمد أحياناً لخلط الأوراق والإلتفاف على الحقائق ولي عنقها عند الحديث عن واقع القوميات والطوائف الدينية والمذهبية أبان العهد الملكي، إرضاءً لهذا الطرف السياسي أو ذاك مِمّن يدّعون اليوم تمثيل الطائفة الفلانية والقومية العلانية، والذين يمتلكون اليوم جيوشاً من الكتاب والمثقفين الذين يروجون لهذا الأمر، إذ لا يمكن الإدعاء بل من المُعيب القول أن النظام الملكي لم يَعترف بحقوق القوميات والطوائف بدئاً من الملك المؤسس فيصل الأول وإنتهائاً بالملك الشهيد فيصل الثاني، كما أن أغلب ساسة العهد الملكي كانوا شيعة وأكراداً وتركمان.

لقد كان العَرش الهاشمي ينظر للجميع بشكل متساوي ولم يفرق بين عربي وكردي وشيعي وسُني، فالجميع سواسية أمام العرش والقانون، وهنا أرجو العودة الى مقالي "بدعة الطائفية والعنصرية في تاسيس الدولة العراقية الحديثة".

يتهمني بعض هؤلاء الإخوة في مقالاتهم بوضوح بأني مُتحيّز للنظام الملكي، لا أرى أخطاءه وأركز فقط على حسناته، هنا أعيدهم والقارئ العزيز للكثير من مقالاتي حول تأريخ العراق الحديث وعهده الملكي الزاهر وهكذا أراه، وعهوده الجمهورية المظلمة وهكذا أراها، التي أشرت فيها الى أن ما فعله قاسم برفاقه كان جريمة، وأن ما جرى له على يد رفاقه أيضاً جريمة، بعيداً عن رأينا به وبهم، وطالبت أكثر مِن مَرة بإبراز هذه الجرائم وإدانتها ومرتكبيها، ويَعلم الكثيرون هذه الحقيقة، لذا ليس ذنبي أنهم يَغضّون الطرف عن هذا الأمر ويركزون فقط على مطالبتي بإعادة الإعتبار للعائلة المالكة ومحاكمة قاتليها.

أنا أكتب عن العهد الملكي لأنه عهد مُفترى عليه مُنذ نصف قرن كما افتُريَ على ما تلاه من عهود جمهورية كان بها بَعض الصالح وكثير من الطالح الذي طالما تحدثنا عنه وأشرنا له دون تحيّز، ولأن ما ناله من افتراء أكثر بكثير مما نال العهود الجمهورية، ولأن ما كُتِب للدفاع عن العهود الجمهورية لإنصافها، إن كان فيها ما يُنصَف أكثر مِمّاكُتِب عَن العهد الملكي لإنصافه.

إن للجمهوريات من يُدافع عنها شخوصاً وأحزاب كانت و لاتزال ترى بحكم رؤاها الثورية أن إنقلابات العسكرالتي جائت بالجمهوريات ثورات مجيدة،فأقلام اليسار كانت ولاتزال تكتب المعلقات في إنقلاب 14 تموز، وكذلك القوميون والبعثيون والناصريون الذين لايَجُف لهم حِبر دفاعاً عن إنقلاب 8 شباط 1963 و17 تموز 1968 ويعتبرونهما ثورتين مجيدتين.

أما النظام الملكي فليس له من يُدافع عنه أمام ما أصابه مِن حَيف وتشويه وظلم سوى مَن هُم غير مُسَيّسين أو مُؤدلجين لفِكر مُعيّن، دفعهم حُب الحقيقة والحيادية لإنصافه والكتابة عنه، وبدأ الأمر بالعقدين الأخيرين بعد إنقشاع الغمّة التي كانت تغطي سماء الوعي العراقي وسطوع شمس الحقيقة التي غيّبت لعقود، وإنكشاف زيف ماكنة الإعلام القومي واليساري التي كانت توصل الليل بالنهار لبَث الإشاعات وحَبك الروايات وتأليف الملاحم والتراجديات لتشويه صورة العهد الأكثر جمالاً في تأريخ العراق، سواء بنظامه السياسي الذي كان مُتطوراً سابقاً لزمانه ومُجتمعه، أو بساسَته الذين لم يَعرف العراقيون مِثلهم.

رغم ذلك أنا لست مع النظام الملكي بالمُطلق بدليل أني ومع حُبي وتقديري لجلالة الملك الراحل غازي، الذي يكفيه كونه سليل العائلة الهاشمية وابن فيصل الأول وأبو فيصل الثاني، لست معجباً بشخصيته التي أراها غير مؤهلة للحكم رغم ما فيها من إخلاص وحُب للعراق شبيه بما كان لدى الزعيم قاسم، إلا أن الاثنين لم يمتلكا الحِكمة والخبرة التي تؤهلهما للحكم، ففترة حكمه كانت أضعف وأسوء الفترات التي مَر بها العهد الملكي سياسياً واقتصادياً واجتماعياً، ولم تشهد فيها البلاد طفرات حقيقية بهذه المجالات كالتي شهدتها في زمان أبيه وولده.

فحينها حدث أول إنقلاب عسكري بتأريخ العراق الحديث، كان ضحيته مؤسس الجيش العراقي الشخصية الوطنية جعفر باشا العسكري، وكان محفزاً لإنقلابات عسكرية تلته، كدَكّة رشيد عالي وإنقلاب تموز1958، بالتالي لم يكن عهده وهو جزء من العهد الملكي بمُجمَله عهداً مُتمَيزاً كعهد والده وولده، كما لم يكن هو بذكاء وحكمة والده، أو بهدوء وذكاء ونشاط ولده.

إن عقول الناس باتت تدرك وتعرف ماكان يجري أيام الملكية، وتقارن بينه وبين ماجرى في زمن الجمهوريات التي أعقبته، وترى الفرق بينهما كالفرق بين الثرى والثريا، بعد تلاشي تاثير الأحزاب التي كانت تعادي ذلك العهد وتسَفِّه وتشوّه كل ما كان يقوم به، وتطبّل لجمهوريات العسكر التي أعادت البلاد للوراء، وادّعَت لنفسها ما خُطِّطَ له مِن قِبَل مَجلس الإعمار الذي شكله الملك فيصل الثاني، كجامعة بغداد ومدينة الطِب والجسور والسدود، وبيوت الفقراء بالثورة والشعلة، والمجمعات السكنية بشارع حيفا والصالحية.

لقد أصبح المَجال مفتوحاً اليوم للبحث والحُكم بحيادية، وبدأ الخروج عن المألوف بالكتابة عن ذلك العهد،مألوف أوجدتموه بأنفسكم طوال العقود التي أعقبت سقوط الملكية ولا يسعدكم مايحدث اليوم من خروج واضح عنه وعن ثوابته الوهمية التي تُسَمّونها ثورات.

إن أبرز ما يثير بعض الأخوة هو إنتقادي الدائم للزعيم قاسم ولـ14 تموز، وهنا أقول..لايختلف إثنان حول وطنية ونزاهة وإخلاص الزعيم قاسم،بل إني أرى وكما ذكرت بكثير من المقالات بأنه مِن أنزه مَن حَكَموا العراق، لكن هذا لايعني التغاظي عَن أخطائه وعَدَم أهليته للحُكم وتولي السلطة.

أما انقلاب 14 تموز، فأراه انقلاباً دموياً همجياً وخروجاً على الشرعية الدستورية والنظام البرلماني الديمقراطي الذي كان يُمَثله النظام الملكي، والذي كان مُمكِناً تجاوز أخطائه وإصلاحها دون اللجوء للقوة والأساليب الدموية التي استُخدِمَت في 14 تموز وأصبحت تقليداً يتبعه الإنقلابيون واحداً تلو الآخر، وسقط قاسم نفسه ضحية له.

ليس صحيحاً أن الانقلاب تحول لثورة كما يقول البعض بفعل انضمام الجماهير؛ فالثورة يقودها الشعب ويتبعه الجيش أما الإنقلاب فيقوده الجيش ويتبعه الشعب، بالتالي لايُغيّر من صفة 14 تموز الانقلابية خروج العوام بالإثارة والتضليل والعاطفة لتأييدها وهي لم تكن تعلم حتى قبل دقائق من وقوعها مِن أمرها وأمر القائمين بها شيئاً، فمبادرة الشعب وليس تأييده لاحقاً هي التي تضفي على الحَدَث صفة ثورة.

لذا فانقلاب 14 تموز لم يَمتلك مُقوّمات الثورة، والقائمون عليه من العَسكر لم يَمتلكوا حتى رؤوس أقلام برنامج سياسي واقتصادي واجتماعي للتغييرالذي يَحسَبُه لهم البعض، إلا إن كان يُقصَد بالتغيير جانبه السلبي بعد أن غَيّرَت بَساطيل العَسكر نظام البلاد السياسي من برلماني دستوري الى عسكري شمولي دكتاتوري، ونِظامها الإجتماعي من نِظام يَعتمد طبقة برجوازية متوسطة الى نِظام يتحكم به العوام وأحياناً للرعاع، ونظامها الإقتصادي مِن نِظام مُزدهر نهَض بدَخل البلاد ومواطنيها ووضَع خططاً عملاقة وجبارة لبناها التحتية الى نِظام جَعَل العراق مِن أفقر دول العالم ببُنى تحتية مُهترئة.

أما التغيير بجانبه الإيجابي الذي يَحسَبُه البعض لـ14 تموز، والذي اقتصَر على الجانب الثقافي والإجتماعي، فلم يكن من بناة أفكار العَسكر وأحزابهم الشمولية، بل مِن نتائج العهد الملكي وتحصيل حاصِل لعجلة النهوض التي إنطلقت في أيامه، وكان من بناة أفكار جيل مُثقفين نشأوا وتربوا على مفاهيم ليبرالية وأفكار تحررية وروح تمَدّن سادَت حينها، ولم يَظهَروا من العَدَم بعد 14 تموز مُحَمّلين بهذه الأفكار، ولم يَستلهموها مِن عِصِي تبَختُر العَسكر، أو فكر أحزاب تلك الفترة التي كانت تؤمن بالشرعية الثورية والحزب القائد والزعيم الأوحد، وكرّسَت أفكاراً شموليةً دكتاتورية شوّهَت المجتمع العراقي، بالتالي لم يكن الانقلاب سوى عَصا وضِعت بعجلة التطور التي سارت بخطى حثيثة بالسنوات الأخيرة مِن العهد الملكي، وكان يقودها فيصل الثاني الملك الشاب النشِيط المفعم بحُب الوطن والأمل والأفكار الجديدة، بعكس ما صوّرته ولا تزال ماكنة الدعاية المناهضة للملكية.

وبمقارنة بسيطة بين طبيعة الأفكار والشخصية التي تميّز الأجيال التي نشأت في العهد الملكي وتلك التي نشأت في العهود الجمهورية، نرى بوضوح طبيعة ونوع ذلك التغيير وما أحدثه من تشَوّه بالمجتمع العراقي.

يَحلو لبعض هؤلاء الكتاب وصفنا بالقِلة، فيما يصفون أنفسهم بالملايين، وكأنهم لا زالوا يعيشون أيام ستالين وكاسترو وماوتسي تونغ، وأجيبهم بأني أتشرف ومَعي كثير مِن العراقيين لايمكنهم تصوّر عددهم وحَجمهم بالحزن على سقوط الملكية واستشهاد العائلة المالكة، وكنت أتمنى عليهم خصوصاً أن فيهم أساتذة كبار أن لايقعوا في غمرة إنفعالهم بالدفاع عن انقلاب 14 تموز وقادته بإشكالية المبالغة والتعميم، لأنهم أعلم الناس أن التعميم خطأ، وإطلاق التصريحات الغير مستندة لدليل غير مقبول في عالم البحث والدراسة، خصوصاً بما يخص أحداث التأريخ.

هم يتحدثون بكل بساطة وبدون دليل باسم الملايين من العراقيين، ولا أدري مَن خَوّلهم الحديث بإسم هذه النسبة وهل لديهم إحصائية حديثة موثقة بهذا الرقم! بالتأكيد لا، لأنهم لا يتحدثون عن وَعي وعِلم، وإنما يتحدثون من وَحي ثوريات القرن الماضي التي لا زالوا مَحبوسين بقمقمِها، أنا على ثقة تامة بأنهم يعرفون المئات فقط ممن يؤيدون 14 تموز ويعتبروها ثورة، وهي النِسبة التي ينطبق عليها كلامهم، وإذا كانوا يظنون أن من يَحضر حفلات 14 تموز هُم من مؤيديها فهُم واهمون، لأن بعض الناس مختصون في حضور حفلات، تجدهم اليوم في حفل 14 تموز وبعد أيام في حفل 17 تموز، بالتالي حديثهم باسم الملايين مردود عليه.

أما أنا فلم أتحدث بلسان الملايين من العراقيين ولا أريد أن أفرض عليهم نظام حُكم معيناً، جمهورياً كان أو ملكياً، قومياً كان أو إشتراكياً أو ليبرالياً أو إسلامياً، كما كانت تفعل ولاتزال بعض الأحزاب ونخبها الثقافية، فزمن الحديث بأسم الشعوب ولّى، وكثير من العراقيين يَترَحّمون اليوم على النظام الملكي ورجاله ويتمنون لو بقي حتى الآن، لأنهم يعلمون أن حالهم ما كان ليصل لما هو عليه اليوم لو لم يندفعوا بالتضليل خلف شِعارات فارغة لم تُشبع بطونهم ولم تكسي أجسادهم، أما أبناء الطبقة المتوسطة البرجوازية فجميعنا نعلم بأنهم ليسوا مع 14 تموز بل مع النظام الملكي.

رغم ذلك نحن لا ندعو لعودة النظام الملكي اليوم أو الآن، لأسباب سَبَق أن ذكرتها، أهمها الوضع السياسي المزري للعراق، والذي لا يَسمَح بعودة النظام الملكي لأنه أكثر تطوراً من التركيبة الحالية للمجتمع العراقي ونُخبه السياسية اليوم، إضافة لعدم وجود رَمز لعودة الملكية، خصوصاً وسُمو الشريف علي الذي أقدره وأحترمه جداً أثبت عبر أدائه السياسي في الفترة التي أعقبت 2003 أن لا قِبَل له بالأمر، لذا فبعض الإخوة يَستلِمون أحياناً رسائل خاطئة مفادها أني أدعو لعودة الملكية حالاً، رغم أن هذه ليست طريقة تفكيري بل طريقة تفكير الثوريين المُندفعين وأصحاب الشعارات الطنانة وأنا والحمد لله لست مِنهم.

فالهدف إظهار الحقيقة التي ظلت مغيّبة بفِعل الدعاية الثورية لجمهوريات الخوف التي أفرزتها 14 تموز، لذا يا أستاذتنا الأعزاء كونكم ترفضون الملكية لا يعني أن كل البشرية لها نفس رأيكم.

هنا أذكِّرهم بأن بعض المحسوبين على ما يُسَمّى بالحركة الوطنية وبالأخص القومية منها لازالوا يطلقون على حركة مايس 1941 الانقلابية صفة ثورة، رغم أنها بالنسبة لغالبية الشعب العراقي دَكّة، وهم يَعلمون ماذا تعني كلمة دَكّة بالعراق ولماذا تقال ولِمَن، فهي تقال لمن يَغدُر ويَطعَن بالظهر ويقوم بفِعل مُعيب مُخجل، والعراقيون قالوا كلمتهم منذ ذلك الحين بهذه الحركة ووَصَفوها بالدَكّة ولا يزالون.

هذه هي نظرة العراقيين لمَن خرَج عن الشرعية الدستورية للنظام الملكي وتحَرّك لإسقاطه، أما ما يُسَمّى بالحركة الوطنية فسارعت حينها للدخول بحكومة الإنقلاب وباركته باندفاع مُخجل، في حين كانت ترفض دخول حكومة يشكلها نوري السعيد أو صالح جبر أو الجمالي، ففي الوقت الذي سارع الجادرجي للدخول في حكومة شكلها الكيلاني المتآمر مَع مجموعة ضباط ودولة أجنبية هي المانيا، كان يُهاجم الحكومة التي شكلها فاضل الجمالي ويَصِفه بعديم الخبرة! فأي حركة وطنية هذه التي تدّعي تمثيل شعبها وهي تشارك بحكومة حركة إنقلابية وصفها شعبها بالدَكّة؟

يتغنى بعض الكتاب بنضالهم ضد النظام الملكي، ويتكلمون كعادتهم بصيغة الجَمع وبإسم كل العراقيين، مدّعين بأن (عشرات الآلاف) من العراقيين قد تعرضوا للتعذيب في العهد الملكي، وهو كلام غير سليم وغير واقعي، تدحضه الوثائق والشهادات التأريخية حتى لأعداء النظام الملكي، لكن هذا الرقم قريب ربما لعدد العراقيين الذين تعرضوا للتعذيب بظل(ثورة 14 تموزالمجيدة) ومُحاكماتها الصُورية الفكاهية.

وهنا أجيبهم بالقول..لم يناضل البسطاء ولا أبناء الطبقة المتوسطة ضد النظام الملكي، على العكس، فقد بكوا بدل الدموع دماً عند سقوطه، ولعنوا من انقلب عليه، ولا زالوا يترحمون عليه وعلى أيامه التي لم يعرفوا أيام خير وعِز مثلها طوال تأريخهم الحديث.

إن مَن (ناضل!) ضد النظام الملكي وبالأحرى (حارب النظام الملكي وتآمر عليه وشوّه صورته) هي أحزاب مؤدلجة بأفكار الشرعية الثورية كانت متأثرة بنظام شيوعي إشتراكي هنا، وآخر قومي وحدوي هناك، سَعَت لإقامة أنظمة حُكم مُستنسخة عنها ببلدانها، ولم تكن لترضى عن النظام الملكي أو لتتوقف عن محاربته مهما فعل، فقد كانت تنظر إليه كنظام رجعي رأسمالي إقطاعي غير ديمقراطي، وكأن الأنظمة التي كانت متاثرة بها في روسيا ومصر كانت أفضل منه وأكثر تحرراً وتقدمية وديمقراطية!

ولم تكن نِيّة إسقاط النظام الملكي بسَبق إصرار وترصّد رغم كل الإنجازات التي تحققت في السنوات الأخيرة مِنه وكان يُمكِن أن تتحقق بحال بقائه سوى لدى أحزاب كانت تؤمن بحُكم الحزب الواحد والزعيم الأوحد، وكانت الأصنام الثورية الدكتاتورية كستالين وناصر مَثلُها الأعلى، والتجارب الشيوعية بروسيا والقومية بمصر هي النموذج المُحتذى الذي تناضل لتحقيقه، لذا ما إن سَقط النظام الملكي حتى بات لكل مِنها زعيم أوحد وقائد ضرورة يُرى في القمر، وهي ظاهرة خطيرة مُخزية لم تكن موجودة أيام النظام الملكي(الرجعي) الذي كان يَتندّرون على رؤساء وزرائه بالقول "نوري السعيد قندرة وصالح جبر قيطانة".

إن أبناء الطبقة المتوسطة وحتى الفقيرة كانوا يعلمون بأن حياتهم الحرة الكريمة ستتحقق عاجلاً أو آجلاً ببقاء النظام الملكي البرلماني وساسته من ذوي الخبرة والعقل، وليس بالإنقلاب عليه أو بواسطة بَساطيل العَسكر المَسكونين بداء العَظَمة الذين أوجدوا بدلاً عنه أنظمة ديكتاتورية شمولية تَحكُم بالحديد والنار.

نعم من حق هؤلاء الكتاب أن يتكلموا بأسم أحزابهم وما كان يُسَمّى بالحركة الوطنية التي كان بعضهم ولايزال جزئاً منها ومن كهنوتها، لكن ليس بإسم كل العراقيين.

هنا أسألهم..الى أين قادنا نضالكم الذي تتغنون به اليوم؟ الى جمهوريات قاسم والعارفين والبَكر وصدام الدكتاتورية التي دمّرت البلاد وأفقرتها وأدخلتها وشعبها بحروب عبثية خاسرة وحَكمَتها وشعبَها بالحديد والنار والقمع والرُعب والإبادة الجماعية؟ أم الى عراق ولاية الفقيه الحالي؟

إن ظاهرة الحنين الى الملكية والترَحّم عليها وعلى أيامها، وبالتالي إعادة تقييمها كمرحلة سياسية وثقافية وإجتماعية ليست جديدة كما يظن البعض،فقد بدأت منذ ما يزيد على عقدين وزادت بالسنوات الأخيرة حتى باتت ظاهرة عامة بأوساط شرائح واسعة من أبناء الشعب العراقي، لا يمكن وصفها بالمئات أو الأولوف، وهي اليوم أكثر تجذراً بنفوس وعقول الشباب، الذين بات الكثيرون منهم ناقمين على النُظُم الجمهورية التي حَكمَت العراق، ومؤيدين لعودة الملكية الدستورية الهاشمية إليه، وأعتقد أن أغلب كتاب الأحزاب الثورية الشمولية غير مُنتبهين لهذه الظاهرة، التي باتت اليوم حقيقة يراها ويُشخِّصَها كل مُتابع مُنصِف ومُحايد للتأريخ يعيش الواقع لا أحلام الماضي،وهي أن شباب العراق الواعي المُثقف يميل بغالبية واضحة للملكية الدستورية ويتمنى عودتها لحكم العراق، ويَحن للعائلة المالكة العراقية ويَلعن سنوياً وبكل ذكرى لـ14 تموز قاتليها ومن انقلبوا عليها من العسكر، ومن صَفّق وهَوّس لهم من الرعاع.

أما الأجيال الكبيرة فهي تنقسم لقسمين، قِسم يذهب لما يذهب إليه الشباب مِن مَيل للملكية، وقِسم آخر لايزال يعيش أحلام الماضي وتتردّد بأسماعه صدى شعاراته التي تجعله "يعيش الدور" حتى اللحظة رغم إنقضاء نصف قرن.

إذا أراد البعض أن يعرف رأي عامة العراقيين شباباً وشيباً، رجالاً ونساءً في 14 تموز، فأدعوهم للخروج قليلاً بعيداً عن حدود وأطر عالمهم التقليدي الذي اعتادوا أخذ أمثلتهم منه، وهو عالم صغير إذا ما قورن بعُموم المجتمع العراقي الأوسع بكثير من غيتوات هنا وأخرى هناك، مُرتهنة العقل منذ نصف قرن لعقائد وآيديلوجيات لم تتغير وتتطور تظن أنها تملك الحقيقة المطلقة وأنها مركز الكون.

إن 5-10%من الجالية العراقية في عموم العالم التي يتواصل معها الأساتذة الأعزاء أو الجزء الأكبر منها وليس كلها هم فقط أنصار14 تموز وهي لا تمثل كل العراق، ماذا عن90% من هذه الجالية الجالسين في بيوتهم ولايعرفونهم لأنهم لايلتقون في أي محفل إجتماعي أو ثقافي يساري؟ وماذا عن أبناء الشعب العراقي في الداخل؟ إن كانوا من أنصار14 تموز فلِمَ لَم يصوتوا لِمَن يُهللون لـ14 تموز؟ ولماذا لم تحصل القوى التي رفعت شعارها على مقعد في البرلمان؟

أظن أن كل هذا يثبت أن العالم قد تغير، وأن المجتمع العراق الحالي هو ليس ذلك المجتمع الذي تركوه قبل 40 سنة، ولا يشبه المجتمع الذي يتواصلون معه في المهجر، فعلى سبيل المثال لم يُعد شباب العراق ثورياً مُندفعاً يؤمن بالشرعية الثورية كما يُصِرون على تصوّره، بل بات الواعي منه عَمَلياً يُفكر بغَدِه ومستقبله ويَميل للنظم الملكية ويُقدِّرها ويَحلم أن يُحكم بلده على غرارها، أما مغيبوا الوعي فلاهون بلطم الصدور وتقديم النذور وزيارة القبور بعد أن باتوا ألعوبة بيَد أحزاب الإسلام السياسي،التي ما كانت لتحلم بالعمل السياسي في العراق لو بقي النظام الملكي، فكيف بتولي السلطة كما يحدث اليوم!

رغم اختلاف وجهات النظر بيني وبين هؤلاء الأساتذة الأعزاء حول الكثير من المسائل الجوهرية، الفكرية منها والسياسية، إلا أنني أتمنى ألا يُفسد ذلك للود قضية بيني وبينهم، لأنني أعتز بمعرفتهم وبتواصلي معهم وبردِّهم في أكثر من مَرّة على ما أكتب ومناقشة ما أطرح مِن أفكار، يبقى الحُكم والقول الفصل فيها للقراء الذين يتابعون مقالاتنا، والذين أدلى بَعضهم بدَلوه فيها مِن خلال التعليقات التي ورَدَت على مقالاتي ومقالاتهم في صفحات الإنترنت التي نشرتها، يَستطيع من يراجعها أن يَعرف لأي كفة تميل أفكار ومشاعر العراقيين اليوم بمختلف مشاربهم وتوجهاتهم، الى العهد الملكي الزاهر؟ أم الى الانقلابات وجمهورياتها الدكتاتورية الشمولية.

همسة :

يقول الإمام الشافعي: "رأيي صواب يحتمل الخطأ، ورأي غيري خطأ يحتمل الصواب ".

يقول فولتير: "قد أختلف معك في الرأي، لكني مستعد للموت في سبيل حقك بالتعبير عن رأيك ".

مصطفى القرة داغي

karadachi@hotmail.com