''14 آذار''

بقلم: الطاهر الأسود

"14 آذار" و"حق التظاهر" أصبح من الصعب عدم ملاحظة الغرور الفائق لقوى "14 آذار" والتي لا ترى "مسيرات الحرية" و"جمالية" التظاهر والاحتجاج إلا متى قامت بها هي بينما إذا قام الآخرون بالتظاهر يوصف ذلك بأنه أشبه بـ"سوق الحميدية" منه بأي شيء آخر. حيث على المتابع لوسائل الاعلام المصطفة وراء "14 آذار" بانضباط مخل بآداب الاعلام المتوازن أن يسمع تقييمات البروباغندا السمجة والتي تصف ما يجري في ساحة رياض الصلح من احتجاج شعبي مشروع تكفله القوانين للجميع بأنه مجرد "صراخ" و"ضجيج" و"شغب" يتم تحميله مسؤولية "الخراب العام" بما في ذلك "تأجيل معرض الكتاب الدولي" في بيروت مذكرا بما يمكن أن يصف به وزير داخلية متوحش من أقطار تساوي بين الديمقراطية والكفر مسيرات شعبية (وبهذه الصفات تحديدا وأخرى لا تقل قبحا مثل "نباح الكلاب" وصف وزير داخلية قطر خليجي كبير مظاهرات غير مسبوقة للاصلاحيين فيها). يصبح الاحتجاج الشعبي الذي تكفله القوانين للجميع (علينا أن نؤكد: تكفله لجميع المواطنين اللبنانيين بما في ذلك "فقراء الشيعة" والذين ليس لهم ربما الكثير من الحسناوات "المودرن" من نوع جمهور استوديوهات قنوات الغناء التجاري للاستعراض الاحتجاجي كما لدى قوى "14 آذار") يصبح مجرد الاحتجاج الشعبي السلمي بقوة التكرار الدعائي المشترك "دعوة للعنف والحرب الأهلية" وليقفز شخص دموي بامتياز مثل سمير جعجع على الحدث ليصرح بأطروحات مسمومة من نوع "عدم قدرة" المحتجين على "الانقلاب" و"الشغب" لأن الجيش لن يتركها تقوم بذلك بما يعني ذلك من دعوة صريحة لإقحام الجيش اللبناني (مرة أخرى) في النزاع السياسي الداخلي تحت غطاء مواجهة "انقلاب عنيف" غير موجود في الواقع. مع الآلة الدعائية الفجة لـ"14 آذار" يصبح الاعتصام ليس القائم فعلا في ساحة رياض الصلح بل ذلك القائم في السرايا بربطات العنق وفي رعاية المسخنات ملحقة إياه بصور "الدعم الشعبي المنقطع النظير" في قاعة الأربعة أمتار لـ"دولة رئيس الوزراء" في حضور "الفعاليات الشعبية القادمة من كل حدب وصوب" وخطبه المثيرة للشفقة لسطحيتها وحماستها المصطنعة.
لا يجب أن يكون أحد مواليا لسوريا أو إيران لكي يرى هذه النرجسية المفارقة والتي تمنح لأتباعها حقوقا أعلى من بقية المواطنين اللبنانيين عندما تفرق بين "حق التظاهر" على أساس الولاء السياسي لتعكس عقلية قروسطية مازال بعض اللبنانيين غير قادرين على القطع معها. وطبعا لا يجب أن يكون أحد مواليا لسوريا أو إيران لكي يلاحظ الوضعية المفارقة الأخرى المتمثلة في أن التغطية العربية الاعلامية (مرئية، صحفية، انترنت...) لقوى "14 آذار" مؤمنة من قبل أطراف لا ترى في "حق التظاهر" أصلا مسألة جدية أو قابلة للتمثل (دع عنك التطبيق) في بلدانها الأصل... يؤمن بروباغندا قوى "14 آذار" عربيا بما في ذلك الندوات الصحفية التي يقوم بها السيد جنبلاط "التقدمي الاشتراكي" (عدى ذلك الطائفي الدرزي) والتي يتم نقلها على المباشر عبر هذه المنابر "الخليجية" قوى لازالت ترى في ظهور المرأة في الشارع أو حتى على مقود السيارة "عورة" تستحق المنع دع عنك ظهور المواطنين للاحتجاج والمطالبة بحقوقهم الأساسية. لا يجب أن يكون أحد مواليا لسوريا أو إيران لكي يشعر بالاشمئزاز من الادعائية الفارغة للتآلف الاقليمي بين قوى "14 آذار" التي تحمل أجندة "مودرن" بقوى مغرقة في التخلف في محيطها الصحراوي ومهذبة بقدرة قادر حالما تنتقل لاستوديوهات دبي ولندن. علينا أن لا ننسى طبعا تصريحات حليف اقليمي آخر و"زعيم ديمقراطي" مميز في المنطقة مثل الرئيس المصري (والذي أسقط "حق التظاهر" بشكل أزلي عبر "قانون الطوارئ") والذي لا يرى في التظاهر الجاري أي "حكمة". حول سرد "14 آذار" لطبيعة الصراع في لبنان تكرر قوى "14 آذار" مقولة دائمة كأنها تميمتها: "لبنان ليس ساحة حروب الآخرين". سيكون ذلك موقفا يستحق الاجماع والاحترام البالغ لو لم يصدر عن أطراف اصطفت أصلا في أجندة حرب اقليمية واقعة الذات (وليست من اختلاق "قناة المنار"). علينا أن نرجع هنا بضع سنوات فقط للخلف أبعد بقليل من الذاكرة القصيرة للـ"14 أذار" لنتذكر أن هذا التحالف تشكل ليس على الخلفية اللبنانية الضيقة للتجديد السوري للرئيس لحود فحسب بل أيضا والأهم من ذلك على خلفية الجبهة الأميركية-الخليجية المنخرطة هجوميا في "الحرب على الارهاب" والتي ستشمل بدفع نيومحافظ العراق. هناك من الجهة الأخرى الحكومة الشارونية المدعومة بدون تحفظ أميركيا والتي ترى (بشكل غير دقيق) في السوريين والايرانيين السبب الرئيسي في هزيمتها لبنانيا بحلول سنة 2000. "عدم التعاون السوري" في الملفات الاقليمية خاصة منها اللبنانية والعراقية والفلسطينية ستجعل من سوريا وحليفها الايراني هدفا أكثر الحاحا من قبل الدوائر النيومحافظة والتي كانت خاصة بين 2002 و2004 سيدة الموقف في واشنطن. إن فك قوى "14 آذار" ولاءها السوري تم بالتوازي مع كل ذلك ويجب أن يكون المراقب أبلها بامتياز حتى لا يرى دعوات "الاستقلال من الاحتلال السوري" من قبل أطراف كانت لا تحرك اصبعا من دون إشارة من القيادات السورية الاستخبارية بمعزل عن الظرفية الاقليمية وتحديدا الموقف الأميركي الذي قرر الانتقال للهجوم في علاقة بالأطراف المناهضة لسياسته الجديدة وهو ما يشمل حليفا غير مستقر وغير طيع بشكل أعمى مثل سوريا. لقد خرجت سوريا من لبنان متى تم نقض التوافق الأميركي-السوري-الخليجي (وليس "الطائف" إلا ذلك التوافق بالمناسبة) وليس لأن قوى "14 آذار" قررت ذلك. الفرق بين قوى "14 آذار" والقوى الأخرى أن الأولى كانت موالية للسلطة السورية لأن ذلك من مستلزمات تموقعها في الحلف الاقليمي الأميركي الأوسع. بينما القوى الأخرى لم تكن في غالبيتها (طبعا هناك أقلية مصلحية تابعة سوريا لا تقدم ولا تؤخر) موالية للنظام السوري بقدر ما كانت موالية لأجندة سياسية تلتقي عليها مع النظام السوري.
إن لبنان اقليمي بامتياز. تلك حقيقته الاستراتيجية غير القابلة للتبديل متى بقي لبنانا. إن "الاستقلال" اللبناني لا يمكن أن يكون إلا عن أجندة اقليمية على حساب أخرى. قوى "14 آذار" لا تعارض في الواقع أن يكون "لبنان ساحة حروب الآخرين" بل هي ترغب أن يكون "ساحة حروب" لمصلحة الحلفاء ضد أولائك "الآخرين". طبعا هناك حلف لقوى المعارضة وخاصة حزب الله مع سوريا وإيران ولم يكن للحرب ضد هؤلاء لبنانيا إلا أن تكون من قبل الطرف الاسرائيلي الذي لا يستطيع إلا أن يكرهه غالبية اللبنانيين. لم تستطع قوى "14 آذار" ولا يمكن لها أن تتعامل بنفس القدر من التعاون مع الاسرائيليين بقدر ما يقومون به مع الأميركيين. غير أن الادارة النيومحافظة والاستباقية الأميركية قررت أن يقوم حليفها الاسرائيلي بالمهمة سواء كان ذلك مفيدا أو غير مفيد لقوى "14 آذار". هنا علينا أن نتذكر تصريحات السيد جنبلاط التي رأت في لحظة ما من الوحي السياسي أن العراق أصبح "ديمقراطيا". كما يجب أن نتذكر أن بعض أقطاب "14 آذار" وتحديدا تلك المحيطة بالسيد جعجع كانت حليفة معلنة وشريكة في الجرائم الاسرائيلية في لبنان. الفكاك الظاهر لذلك التحالف لم يكن نتيجة قناعة بعدم أهميته بقدر ما كان نتيجة للعدوانية الاسرائيلية غير المحدودة ومن ثمة غير القابلة للتجاهل لبنانيا، كان نتيجة الضرورة وليس خيارا حرا. كل ما في الأمر أن التحالف بين بعض اللبنانيين والاسرائيليين المرعي أميركيا فشل في التجربة في التواصل في ظل لبنان مستقر. يقف على جبهة أكثر رمادية أطراف سنية متنوعة يقف على رأسها (بشكل مؤقت) طرف يأتمر بالمكشوف من قبل عواصم خليجية متموقعة بهذه الدرجة أو تلك ضمن الاستراتيجيا الأميركية. يلعب هذا الطرف (الذي يقف على رأسه "مراهق سياسي" مدلل لا يفرق بين حروب "البلاي ستايشن" والحروب الحقيقية شاءت تقاليد التوريث السياسي في لبنان تبوءه موقعا بهذه الخطورة) ورقة شديدة الحساسية والرواج في الوقت الراهن تكشف التقاء خليجيا رسميا متزايدا مع الاستراتيجيا القاعدية (الخليجية بدورها الى حد كبير) حول الدفاع عن "أهل السنة والجماعة" ضد "الهلال الشيعي". يصبح هذا المحور شديد الأهمية والخطورة في الظرفية اللبنانية كما انكشف ذلك خلال الحرب الاسرائيلية على حزب الله ومن ثمة اللبنانيين. آفاق "14 آذار" في ظل التغيرات الأميركية كانت العلاقة الأميركية مع الطرفين السوري والايراني دائما غير مستقرة سواء على العداء أو التوافق. تبدو أقل استقرارا مع الطرف الايراني والذي تراوحت العلاقة معه بين التجاذب والصراع غير المباشر من جهة والتعاون غير المعلن حتى التزويد بالسلاح كما حصل في الحرب العراقية الايرانية وفي ترتيب البيت العراقي الداخلي في العراق المحتل من جهة أخرى. أما العلاقة مع السوريين فتبدو أكثر استقرارا حيث لايزال الأميركيون يحتفظون بسفارتهم ولم يغلقوها (ولو أنهم استدعوا السفيرة) حتى في ظل السيطرة النيومحافظة. وكان أهم ملف توافق بين السوريين والأميركيين من المدرسة "الواقعية البيروقراطية" تحديدا الملف اللبناني. إن تكون تحالف "14 آذار" على خلفية الجبهة الاقليمية التي أقامها النيومحافظون يطرح بقوة آفاقه في ظل التراجع النيومحافظ أميركيا وصعود "الواقعيين البيروقراطيين" من جديد خاصة في ظل اصرار الأخيرين على "الحوار المباشر مع سوريا وإيران". لقد أصبح من البديهي أن التغيرات القادمة في الاستراتيجيا الأميركية والتي تنبئ تحديدا بعودة نحو سياسات قديمة ستهم خاصة طبيعة الوضع اللبناني.
إن مراهنة قوى "14 آذار" على الاستراتيجيا الأميركية النيومحافظة بدى مكشوفا تحديدا عندما انخرط أقطابها وخاصة متحدثها غير الرسمي السيد جنبلاط في خطاب يدعو علنا لإسقاط النظام السوري كسبيل رئيسي لـ"إنقاذ لبنان". كان ذلك خيارا غير حكيم خاصة في توقيته حيث تزامن مع بداية تراجع النيومحافظين في ظل عدم قدرتهم على ضبط الوضع العراقي وهو ما دفن عميقا الخطط المبكرة لغزو سوريا. التحق بذلك الخطاب الجنبلاطي بشيء من الخفة السيد الحريري والذي بدى أنه يفقه أقل بكثير من السيد جنبلاط مغازي ما يقول وما يفعل. الآن لم يبق لتحالف "14 آذار" من أساس اقليمي في ظل "الحوار" المقبل مهما كانت نتائجه. سيقوم الخليجيون والمصريون كما هي العادة بتغيير بوصلتهم بـ 180 درجة على هدي الاستراتيجيا الأميركية والتسابق في "الحوار" مع السوريين وربما الدعوة لعزلهم عن الايرانيين كورقة أخيرة لانقاذ ماء الوجه.
بعد ذلك لن يبقى الكثير من الوقت حتى نرى السيد جنبلاط يعتلي منصة ندوته الصحافية لينطلق في موجة جديدة من الكلام الرامسفالدي غير الواضح تسيطر عليه الـ"ربما" والنبرة التساؤلية ولكن هذه المرة لتبرير نزعة تصالحية تجاه السوريين. لن يصعب على الزعيم الدرزي و"التقدمي-الاشتراكي" في آن واحد أن يقوم بذلك. ستكون تلك الاشارة التي سنسمع بعدها خطابا مختلفا من قبل أقطاب آخرين من "14 آذار". ليبقى بعدها السيد جعجع اي الطرف الأكثر إسرائيلية في "14 آذار" في الريح وحده. وعندها لن يصبح "14 آذار" سوى تحالفا آخر في الذكرى لم يعد منه جدوى في الساحة اللبنانية الزئبقية والاقليمية دوما. الطاهر الأسود
باحث تونسي يقيم في أميركا الشمالية laswadtaher@yahoo.com