12 من يونيو، تركيا تقرر

بقلم: مهدي هلي بك اوغلو

تركيا! ومن لم يسمع بها. الجمهورية التي تأسست عام 1923 كانت قد جربت تعدد الاحزاب في عصر اتاتورك (1923-1938). الا ان التجربتين لم تكتب لهما النجاح وذلك لترجيح المرشال اتاتورك بان نظام الحزب الواحد افضل لمصلحة البلد من تعدده وذلك لان الدولة تبنت نظام سيطرة الدولة على جميع مداخل ومخارج البلد ولذلك فان اي حزب معارض قد يؤدي الى تأخير عجلة المشاريع لتطور البلد.

بعد الحرب العالمية الثانية قرر رئيس الجمهورية عصمت ايننو الدخول الى عصر التعددية الحزبية وذلك بشطر حزب الشعب الجمهور الى حزبين. فقد بقي هو على رئاسة الحزب الام اما الحزب الآخر فقد ظهر تحت اسم حزب العدالة.

ورغم كون اركان حزب الشعب من الجنرالات الذين شاركوا فى تحرير البلد، الا ان ميول الشعب كان مع الحزب الجديد وكانت الانتخابات الاولى قد ادت الى وصول الحزب الديمقراطي الى السلطة سنة 1955 حتى عام 1960 والتي انتهت باول انقلاب عسكري في تركيا. واستمر عصر السجال بين الجنرالات والاحزاب حتى سنة 1983 حيث رجعت السلطة الى يد المدنيين وذلك بعد تنصيب كنعان ايفرين على سدة الحكم كرئيس للجمهورية.

اما اليوم فالسجال من نوع اخر. فرجب طيب اردوغان يحمل في شخصيته شيئا من القومية التركية وشيئا من الفكر الاسلامي مع توجه نحو اوروبا دون ان يهمل مصالح بلاده مع البلاد العربية. وهو لا يتوقف عن توسيع دور تركيا اقليميا. فتارة يتدخل بين مجلس الامن وايران وتارة اخرى تراه يحمل على رئيس اسرائيل ويذكره بجرائمه في غزة.

هذا الرجل لا يتوقف عند نقطة معينة. واليوم يقود اردوغان صراعا من نوع اخر. فهو يحمل شعار 2023 اي الذكرى المئوية لتأسيس الجمهورية التركية. وللشعار بعد معنوي فهو يريد ان يوصل رسالة الى الناخبين بان الجمهورية التي قامت على اساس مبادئ اتاتورك المؤسس قد تصبغت بلون من الاسلمة بعد مضى 100 عام على تأسيسها. والحقيقة فان ما يدعو له اردوغان خلال جولاته فى مدن تركيا داخل حملته الانتخابية يدعوا الى الاحترام. فما يكاد ان يطأ باقدامه مسارح المهرجانات فى المدن التركية الا وتراه يتحدث عن المشاريع التي انجزها خلال تسعة اعوام من زعامة حزب العدالة والتنمية للبلاد ويتطرق الى مجال التعليم والصحة والصناعة ومدى تقدم المحافظات اثناء فترته. وطبعا لا ننسى ان نذكر تهجمه الى منافسيه فلا يكاد ان يفوت اي مهرجان دون ان يذكر ان رئيس حزب الشعب الجمهوري ليس الا مبتدئا في عالم السياسة. وفي محور رده على رئيس الحزب الامة بزعامة بهجلي فيذكره بان عصر الحكومات الاتلافية في سبعينات وثمانينات القرن الماضى كان قد ادى الى غمر تركيا بالديون الخارجية وعدم استقرار الاقتصاد الوطني ويذكره ايضا بان الاحزاب التي تتبنى النظرة العرقية لن يكتب لها الفلاح.

اردوغان الذي تخرج من المدارس الدينية والذي عمل كموظف صغير في بلدية اسطنبول والذي تعرض للاعتقال في بداية شبابه، طور نفسه ونظرته وخاصة عندما بدأ يتقرب من نجم الدين اربكان. فقد تعلم منه الكثير واربكان عرف ان المستقبل مع اردوغان لذلك فقد قدمه كمرشح لتولي منصب بلدية اسطنبول. ومنذ ذلك اليوم عرف الشعب التركي اردوغان جيدا.

لعل الحظ يساعد هذا الرجل احيانا. حيث ان المشاكل الداخلية للاحزاب المعارضة الرئيسية تجعل من حزبه الخيار الاكثر فاعلية للناخب التركي.

والجميل في الامر ان اعلانات الاحزاب المشاركة تكاد تملأ العاصمة انقرة. واليوم مثلا تلقيت هدية من فتاة محجبة كانت هي وزملاؤها يوزعون زهرة القرنفل للمارة. فبالاضافة الى المظاهرات والكرنفالات الانتخابية فان القنوات اتاحت فرصة الاعلان للاحزاب فى قنواتها ويتم بث اقوال الزعماء عبر التلفاز والراديو. والاعلانات التي تقدم للجمهور ذات توجهين لا يلتقيان. فاعلانات حزب العدالة امتازت بوجه مشرق وتصور البلاد على انها في عصرها الذهبي. اما اعلانات الاحزاب المعارضة فتتميز بالبؤس ونظرة سوداوية حيث انها ركزت على توجيه نظرة الناخب التركي الى تسع سنوات من الحرمان والفساد والقصور ووضعية اللاعدالة.

لا يفوتني ان اذكر لكم مواضيع بعض الاعلانات التلفزيونية. فقد بدأ حزب العدالة باعلان عن نفق قد حفر في عصر اردوغان والتي سهل للمراكب طريق خطر كانت تؤدي الى اسطنبول. ويجسد الاعلان رجل في الاربعين من عمره ويتكلم عن أن ايجاد شحنة كان هما وبعد تحميل الشحنة كان الطريق الجبلى هم اخر وذلك لكثرة الحوادث هناك. ورد حزب الجمهوري الشعبي باعلان يتحدث عن سائق شاحنة اخر يتكلم عن قلة العمل وذلك بسبب ارتفاع اسعار المازوت ويقول "ما نفع النفق اذا كنت قد ركنت سيارتي امام بيتي). وفي اعلانات اخرى لحزب الشعب الجمهوري نجدها تركز على نقص العدالة وارتفاع البطالة وحماية المتقاعدين وذلك باضافة زيادة لرواتبهم. اما حزب الامة فهو الاخر يقدم اعلانات توجه الناخب الى الوقوف معه لانه يمثل ارادة الشعب. في حين يركز الحزب الديمقراطي والذي يتخد من جنوب شرق الاناضول منطلقا لها على المظاهرات التي تستهدف قوات الامن وابنية الدولة والمال العام ومطاليبهم تتركز حول ادخال اللغة الكردية كلغة للتعلم واحقية المحامي الكردي للمرافعة في محاكم تركيا باللغة الكردية.

تطرح برنامج حزب الشعب الجمهوري مبادرة ضمان المتقاعد والضمان الصحي بالاضافة الى مشروع دفع راتب للعوائل المعوزة يصل الى 500 دولار لكل شهر وذلك لاضفاء صفة الحرية لسيدة البيت بشراء ما تحتاج اليها. وفي تطور اخير اتهم زعيم الحزب قلج دار اوغلو، اردوغان بانه قد تسبب بخلق ازمة مع اسرائيل وذلك للمشادات التي دارت بين اردوغان ورئيس اسرائيل في دافوس. اما برنامج حزب الامة فيركز على تركيا اكثر شفافية في الحكم بالاضافة الى مشروع توظيف اكثر من 700 الف عاطل عن العمل سنويا. وفي تطور اخير للحزب فانه انزل اعلانا قد يكون النفس الاقوى للحزب في معركته الانتخابية. فيبين الاعلان ان تركيا التي ستنتخب حزب الامة ستكون تركيا قوية لا تتفاوض مع المعارضة الكردية وانما ستعلن عليها الحرب ولن يسمح لعبدالله اوجلان الذي يقبع في سجن عمرانية من ان يقود مسلحي البي كي كي من السجن. اما برنامج حزب العدالة فانه يؤكد على وضع تركيا بين الدول العشر الاوائل في الاقتصاد العالمي ويهدف الى زيادة المستشفيات واكمال بناء مشروع خط المواصلات لمنطقة البحر الاسود.

اعلن اردوغان في لقاء اسطنبول قبل اسابيع مشروع مثير للجدل وهي مشروع "جلغن بروجا" اي المشروع المجنون وذلك بحفر مضيق اخر لاسطنبول. ويقف اردوغان ضد المعارضة وحماة البيئة في دعم مشاريع الطاقة النووية المنتجة للطاقة الكهربائية ويهدف حزب العدالة الى ان يصل الى الغالبية كي يتمكن من مواصلة تعديلاته للدستور التركي.

اما الواقع فيقول ان الناخب التركي هو الذي يقرر.

ويتوقع مؤيدي المعارضة ان هذه الانتخابات ستظهر تفوقهم. الا ان اردوغان وزملائه يؤكدون اعادة تصدرهم للنتائج. ومن خلال متابعتي الشخصية لاحداث تركيا، فاتوقع تغييرا لنسبة المقاعد فى البرلمان بنسبة قليلة لن تتجاوز الـ1 الى 3 بالمائة.

نتمنى انتخابات جيدة لاخواننا الاتراك وكلنا ننتظر الـ12 من حزيران وما ستسفر عنها نتائج الانتخابات.

ولا يفوتني الا وان اقول ان تركمان العراق الذين استوطنان وتجنسوا في تركيا ومنذ اكثر من 80 سنة لم ينجحوا في اجتماع كلمتهم واعلانهم رسميا تأييد حزب من الاحزاب التركية او دعم مرشح من مرشحي البرلمان وذلك يعود وبالاساس الى تقصير واضح في عمل ممثلية الجبهة التركمانية في جمع شمل تركمان العراق المتجنسين في تركيا وكذلك ضعف واضح في المؤسسات التركمانية الاخرى التي تمتد على وجه خارطة المدن التركية واخص منها الجمعيات التى تعمل في مناطق تركز تركمان العراق في مدن مثل اسطنبول وانقرة وازمير وقونيا. وادعوهم باسم التركمان الى توحيد الصفوف ووضع استراتيجية واضحة لهم فى تركيا بالاخص واوربا بشكل عام لاننا نتكلم عن مصير امة باكملها.

مهدي هلي بك اوغلو

أنقرة

mahde_1976_2006@yahoo.com