100 يوم فقط ...وإلا!

بقلم: ليث الربيعي

أمهل السيد رئيس الوزراء العراقي نوري المالكي وزراءه مدة مائة يوم فقط لتلافي العجز الحاصل في الخدمات، وذلك اثر موجة التظاهرات المتواصلة التي عمت البلاد مطالبة بالخدمات ومكافحة الفساد وتغيير الكثير من وجوه المسؤولين الذين سأم المواطنون وعودهم، بعدما فشلوا في توفير أدنى درجات الرخاء والازدهار خلال مدد متعاقبة ومتلاحقة منذ سقوط النظام البائد في 2003..

وبعد مضي أكثر من أسبوعين فإن السيد المالكي أجرى عدة تغييرات طال البعض منها بعض المحافظين والوكلاء والمدراء العامين فضلا عن تقديم أمين بغداد استقالته.

وهنا يبرز دور رئيس الوزراء المفقود منذ زمن طويل في متابعة المقصرين والمفسدين ممن يمثلون حكومته وهو وحده يتحمل مسؤولية تقصيرهم وفسادهم بعد أن اعتاد هو ومعاونوه غض الطرف عن كثير من حالات الفساد المالي والإداري التي سادت مؤسسات الدولة ويتحدث عنها الجميع علنا، حتى صار العراق في المرتبة الثانية عالميا في سلم الدول الأكثر فسادا.

فعلى الرغم من استحداث مؤسسات رقابية كثيرة كهيئة النزاهة وديوان الرقابة المالية ودائرة المفتش العام فضلا عن مجلس النواب وكلها تعمل لكشف وفضح المفسدين، إلا أن ظاهرة الفساد الإداري والمالي لا زالت موجودة وتتعدد صورها وأشكالها وفنونها، فمنها الغش والاحتيال والرشوة والتواطؤ في تنفيذ الأعمال الحكومية من موظفي الدولة واستغلال النفوذ وسرقة الأموال العامة.. وغيرها، وهي كما معلوم من تركات النظام الصدامي البائد، وانتشرت واستفحلت بعد عام 2003 بعدما كُسر طوق العوز والحرمان المادي والمعنوي والثقافي لا سيّما في سنوات الحصار الأليمة التي حطمت الكثير من القيم الإنسانية والأخلاقية في المجتمع، والتي دمرت الثوابت في الشخصية العراقية، وهذا مصداق لسياسات النظام وأزلامه في تحطيم البنى التحتية لدوائر الدولة وتفكيك قيّمها ومبادئها البنيوية من خلال إعطاء الموظف راتبا لا يكاد يكفي لسد رمق عائلته ليوم أو يومين فقط في حين كان أزلامه يتمتعون بمرتبات وامتيازات عالية جدا، الأمر الذي أدى إلى انصهار الطبقة الوسطى من المجتمع الذي تحول إلى طبقة غنية جدا وهي المقربة من النظام، وأخرى فقيرة بائسة لا تكاد تجد ما يسد رمقها، وبالتالي فان العديد من أفراد المجتمع اتجهوا نحو أساليب أخرى لتوفير لقمة العيش ومواكبة ضراوة الحياة وصعوبتها عن طريق تقبل الرشوة واختلاس الأموال العامة.

وهنا يبرز تساؤل مهم مفاده هل يستطيع رئيس الوزراء تغيير واقع وزارته في ظل تفشي ظواهر كثيرة مريبة على رأسها الفساد، قد تكون في بعض الأحيان أقوى منه شخصيا مع الإيمان المطلق بقدرة أحزاب الدولة من لعب أكثر من دور تارة لإثبات قدرتها في بسط السطوة على مؤسسات ومقدرات المواطنين باعتبارها مخولة منهم في حماية الدولة، وتارة أخرى في إضعاف هيبة الحكومة والتأثير السلبي على المنافس، وتارة ثالثة المناورة فيما بين الأمرين أو كما يعبر عنه (رجل في المعارضة ورجل في الحكومة).

وبغض النظر عن حجم الهوة بين ما يحتاجه المواطن وبين ما يطلبه أو سقف آماله وتطلعاته، نجد ان محاربة الفساد بكل صوره وألوانه وفنونه يهيئ الأرضية المناسبة للحكومة في عكس شيء من الجدية في تحقيق ما يمكن تحقيقه من هذه الآمال، وان لا تبقى مقيدة بحبال الحزبية والمنسوبية والمحسوبية، ونورد هنا وبعجالة بعض الآليات المهمة للسيطرة على الفساد:

المرحلة الأولى: وضع تعريف للفساد يجمع بين الرؤية الأخلاقية والشرعية والقانونية لكي ينتبه إلى ذلك التعريف الجاهلون بالحكم الشرعي والقانوني.

المرحلة الثانية: مد يد العون والرعاية إلى من سقطوا ضحايا لثقافة الفساد.

المرحلة الثالثة: شن حملة حرب نفسية لعزل المفسدين المصرين على سلوك الفساد اجتماعيا بقطع العلاقات بهم والامتناع عن التعامل الاقتصادي والاجتماعي معهم.

المرحلة الرابعة: دعوة مؤسسات الدولة إلى تقديم برامج عملية لكشف ملفات الفساد.

المرحلة الخامسة: حث الجهات الحكومية كافة على مساعدة مجلس النواب ودعمه ليؤدي دوره الرقابي كاملا. أن فرصة القضاء على الفساد لا زالت قائمة، وما رفع شعار محاربة الفساد إلا خطوة على الدرب الصحيح لتخليص المجتمع من هذه الآفة.

وهذه بعض الأفكار التي يمكن الاستفادة منها في هذا المجال:

1- إتباع برنامج شامل للحماية والمكافحة والاجتثاث تكون مهمته الأساسية التحصين والحماية ويليها التأهيل والإصلاح

. 2- إتباع الأصول في التعيينات بالوظائف المتعلقة بالمال العام كالمحاسبين والموظفين ومخولي الإحالات والعطاءات والإنفاقات على أساس الخبرة والكفاءة والإلمام القانوني تفاديا لظهور حالات الفساد الإداري

. 3- تقوية مؤسسات الدولة لتنفيذ الإصلاحات من خلال أنظمة إدارية كفوءة ومسؤولين أكفاء في الوظائف الإدارية تعتمد على النزاهة والكفاءة

. 4- إعادة النظر في الرواتب والأجور لغرض تحسينها تماشيا مع الحالة الاقتصادية وظروف العاملين في الدولة عموما

. 5- تفعيل دور الرقابة الداخلية لحماية الممتلكات العامة من السرقة وسوء الاستخدام

. 6- ضرورة إدخال القائمين في الأعمال المحاسبية والمالية بدورات تدريبية وتأهيلية بهدف تقليص الأخطاء غير المتعمدة

. 7- إشراك الإعلام بشكله المتوازن المهني في متابعة ورصد حالات الفساد وعرضها بكل دقة وأمانة على الرأي العام بالأدلة والوثائق، وبعيدا عن التسقيط والتشهير.

ليث عبد الكريم الربيعي

اعلامي وناقد ومحلل سياسي- بغداد