يوم القدس العالمي... تجليات مخجلة

بقلم: سامي جاسم آل خليفة

ليس غريبا أن يصادف الاحتفال بيوم القدس العالمي هذا العام تجليات مخجلة ظهرت على الساحة الإسلامية وكشفت كثيرا من ادعاءات الحرص على القدس والتغني بإسلاميتها تارة وعروبتها تارة أخرى. فبعد أن كان يوم القدس العالمي وما يزال مرفوضا عند كثير من الأنظمة السياسية التي تختلف مع عقيدة إيران فكرا وسياسة، ها نحن أمام صور أخرى مخزية تجلت في الأفق بألوان عدة لم تقتصر على الامتناع عن المشاركة في ذلك اليوم والاحتفال به بل تجاوزته إلى ممارسات أقل ما يقال عنها إنها استكمال لأدوار المعاشرة التي تعودنا عليها مع العدو الصهيوني الغاصب الذي يحتل القدس بكل ما فيه من طهارة إسلامية ومسيحية. تلك الممارسات الجديدة أصبحت ذات عيون عوراء وبصيرة مظلمة وأرجل كسيحة فضلت الوقوف على أبواب دمشق وضواحي حلب لإحياء شرفهم العربي المغتصب من قبل حكومة سوريا وتركت القدس أسيرا في يد الحانية العفيفة إسرائيل. ونتيجة لمقاييس الآداب العربية في تصنيف الشرف والتضحيات رأينا ثوار الصحاري والقفار العربية يحصدون بطولاتهم في قتل الصهاينة المغتصبين في ضاحية السيدة زينب بدمشق والحمدانية في حلب ويخزنون العتاد والأسلحة في أريحا وداريا والقصير استعدادا لمعركة القدس الكبرى وساعة الصفر التي ستقضي على حكومة الصهاينة في الشام التي تتعاون مع روافض حزب الله في جنوب لبنان وإيران.

إن تجليات يوم القدس العالمي هذا العام كشفت مدى هشاشة بعض الأنظمة أمام العدو الحقيقي الذي استبدلوه بصديق رأينا مواقفه المشرفة في حرب تحرير الكويت ومقاومة العدو الإسرائيلي ولم يقفوا عند هذا الحد بل أخذوا في التباكي على الإنسانية وإعلان الجهاد ضد هذا الصديق الذي احتضن ولا يزال فصائل المقاومة الفلسطينية فغدت مساجدهم في شهر رمضان ترتفع بالدعاء والنصرة على حكومة دمشق الباغية المستبدة المغتصبة للأراضي العربية والمدنسة للقدس الشريف. ولا أدري بعد هذا هل يحق لهؤلاء الذين ضيعوا بوصلة القيم والإنسانية أن يذكروا القدس حتى في كتبهم المدرسية أم عليهم أن يتسبدلوا القدس بدمشق ويناهضوا نصرة القدس بإعلان يوم عالمي لدمشق ونصرة أهلها واسترداد أراضيها المغتصبة من حكومة بشار الأسد وجعل الخامس عشر من أغسطس كل عام مناسبة للاحتفال بيوم دمشق العالمي وخروجها من منظمة التعاون الإسلامي.

يؤسفني أن أقول ذلك كله ولكني أجد الاحتفال بيوم القدس العالمي هذا العام جاء ليضع كثيرا من الدول العربية والإسلامية أمام أزمة أخلاقية تجاه دينهم وتجاه شعوبهم. فمناصرة عصابات إرهابية تدعي الحرية وتقتل وتختطف الأبرياء سوءة تشعرنا كمسلمين بالخجل والانزواء أمام غض الطرف عن جرائم الصهاينة في القدس المغتصب ويجعل تلك الدول في إحراج مستمر لاسيما وأنها ترفض أي ثورة داخل بلدانها ولو كانت سلمية ترفع الورود والأعلام الوطنية. ولهذا فإن مناكفة الحكومة السورية أمام ما تتعرض له من هجمات إرهابية ومحاولة الضغط عليها بكل الوسائل يعري إسلام تلك الدول أمام القدس الذي يخجلهم حتى في جمعة وحيدة كل عام لنصرته وتجديد الولاء له أمام الأجيال المتعاقبة ومن هنا جاءت مناسبة يوم القدس العالمي هذا العام بصرخة لضمير الأمة التي تغافلت عن قضاياها وغضت طرفها عن عدوها وتناست قدسها وانشغلت بخلافاتها وعقدت مؤتمراتها الداخلية والخارجية لتتخلص من خاصرتها المقاومة بالطعن تارة والتحريض تارة أخرى. وقد لا أجانب الحقيقة إذ قلت إن يوم القدس العالمي هذا العام يبزغ فجره بالنور ليذكر المسلمين ومن يدعي الحرية وينتصر للإنسانية بأن قضيتكم القدس لا دمشق وأن عدوتكم حكومة الصهاينة لا حكومة بشار الأسد فاستنهضوا هممكم إن كانت حاضرة مع حضور القدس أو علقوها على مشانق دمشق انتصارا لطغيانكم الذي لم يجد غير دمشق على خارطة التضحيات المزعومة والبطولات الضائعة.

سامي جاسم آل خليفة

كاتب من السعودية

sksp@maktoob.com