يوم الصحافة يعمق ازمة اردوغان الداخلية

لم تمر الاشهر القليلة الماضية بسلام على اردوغان في ظل ماشهدته تركيا من احتجاجات ابتدأت باضراب العديد من معتقلي حزب العمال الكردستاني في السجون التركية عن الطعام، ليلحقها اضراب الطلاب الاتراك في العديد من الجامعات، ثم تصعيدها عبر الاحتجاجات الاخيرة التي شهدتها العديد من الساحات التركية التي تحولت الى واحدة من اهم الملامح الاساسية التي ستشكل المستقبل السياسي لتركيا وستحدد فيما اذا سيبقى لحزب العدالة والتنمية ذات السطوة التي يمارسها اليوم في ادارة البلاد من عدمه.

وقد صعدت هذه الاحداث بمجملها من مسألة التركيز على موضوع الحريات في تركيا وبالطريقة التي تم فيها فضح حقيقة نموذج حزب العدالة والتنمية الذي اريد له ان يكون النموذج المطبق في مجمل المنطقة العربية بمباركة اميركية – خليجية. ولعل تنامي حجم الادراك التركي لما لحق بهذا النموذج من ضعف واضطراب بفعل السياسات الخاطئة التي مارسها اردوغان داخليا وخارجيا، يعد بمثابة احد اهم التفسيرات لفكرة تراجع شعبية هذا النموذج في الاوساط التركية. اذ اشارت احدى استطلاعات الرأي التي اجريت مؤخرا بان شعبية حزب العدالة والتنمية قد هبطت بمقدار 9% عما كانت عليها العام الماضي. اذ اكد هذا الاستطلاع بان حزب اردوغان سيحصل على 44% من اصوات الناخبين في حال افتراض ان الانتخابات تجري الان، مما يعيني خسارة ليست بالقلية لهذا الحزب مقارنة بالنسبة التي حصل عليها في عام 2012 والتي وصلت الى 53%.

تلقفت احزاب المعارضة التركية مثل هذه الانباء باهتمام كبير محاولة تسليط الضوء على مزيد من الازمات الداخلية التي ولدتها السياسات السلبية لاردوغان ذاته ومن بينها الان تبرز ازمة حرية التعبير والاعتداء على الكلمة الحرة التي تمثلها بشكل خاص مهنة الصحافة. اذ ركز رئيس الحزب الجمهوري التركي على هذا النمط من الاختلال في نموذج حزب العدالة والتنمية في اليوم التركي للصحافة الذي احتفلت به الاوساط التركية بتاريخ 24 تموز. وياتي تحديد هذا اليوم بالذات على اعتبار انه اليوم الذي انبثقت فيه اولى الصحف التركية في عهد الدولة العثمانية دون المرور عبر الاجهزة الرقابية للدولة، لذا اتخذ هذا التاريخ موعدا سنويا للاحتفاء بحرية الصحافة وخلاصها من القيود القمعية التي عادة ماتفرضها القوى الراديكالية الرامية الى الحد من ايصال الحقيقة الى الجمهور.

في الاحتفالية الخاصة بهذه المناسبة قال السيد كمال كيليجدار أوغلو ان الصحافة في تركيا في طريقها الى الاحتضار بفعل الممارسات الخاطئة لاردوغان وللعديد من قادة حزبه. فاغلب هؤلاء ينظرون الى مهنة الصحافة والى الاعلام الحر الذي لا يأتمر بأوامرهم، على انه اعلام معادي يجب التضييق عليه والحيلولة دون اتاحة الفرصة له في تثقيف الجماهير بخطاب ورؤية مختلفة عن تلك التي يسعى حزب العدالة والتنمية الى ترسيخها لدى عامة الناس عن الكثير من القضايا المصيرية المهمة. الامر الذي جعله يؤكد بان رؤى وتطلعات اردوغان في هذا الملف انما تشكل تهديدا حقيقيا لمكانة تركيا كنموذج محتمل للديمقراطية في الشرق الاوسط.

لقد تقدم رئيس الحزب الجمهوري التركي بالعديد من الادلة التي تثبت مصداقية آرائه وانتقاداته الموجه للحزب الحاكم. فقد ذكر بان هنالك الان قرابة 64 صحفيا قد تم القاء القبض عليهم وان هنالك قرابة 123 اخرين سيخضعون للمحاكمة بتهمة الارهاب، والسبب الوحيد الكامن وراء تلك الخطوات التعسفية المتخذة بحق هؤلاء يكمن في نقلهم الصور والتقارير الخاصة بالاحداث الاخيرة التي شهدتها العديد من ساحات الاحتجاج الشعبي في تركيا . لذا يرى العديد من المراقبين في هذا الصدد بان اردوغان يعمل دون وعي منه على زيادة الضغط الجماهيري على مستقبله السياسي بفعل معاقبة البعض على اتخاذهم لمواقف فكرية مضادة لتوجهاته في ادارة البلد وملفاته الحيوية.

في ظل اجواء الريبة التي تمارسها العقلية البوليسية لاردوغان ضد الصحافة الحرة في تركيا، اشار السيد كمال كيليجدار أوغلو الى ان حرية الصحافة في بلاده قد تراجعت الى ذات المستوى الذي كانت عليه قبل قرابة 105 أعوام. وهي رؤية تتطابق الى حد ما مع ماصدر مؤخرا عن منظمة مراسلون بلا حدود من تصريحات لوصف حرية الصحافة في تركيا التي قالت بحقها "لقد تحولت تركيا الى سجن كبير للصحفيين والدليل على ذلك هو تراجع مكانتها في قائمة الحريات الصحفية التي احتلت في العام 2013 المرتبة 154 من اصل 179 دولة في حين كانت تحتل في العام 2005 المرتبة 98، وهو مايجعل من دول مثل كمبوديا وزمبابوي في وضع افضل من وضع تركيا".

يبدو بان يوم الصحافة التركية قد كشف النقاب عن ازمة اخرى مستفحلة تُحجم من القيمة الاعتبارية والاخلاقية لنموذج حزب العدالة والتنمية في داخل تركيا وخارجها، وذلك في ظل السياسات التي يمارسها اردوغان ضد من يرى بانهم يعملون من اجل الاعداد للمؤامرات التي ستطيح به وبنموذج حزبه في الفترة القادمة. وهو بذلك يسعى الى نفي حقيقة الاشكاليات المتعددة التي انتجتها رؤاه الغير متزنة للسياسة الداخلية في التعاطي مع الكثير من الازمات التي نشأت في الداخل التركي بعد ان اوغل كثيرا في التدخلات والمشاريع الاقليمية. لذا نجد بان الاوساط الصحفية في تركيا تردد اليوم مقولة غاية في الاهمية لاعادة بث الحياة في جزء مهم من تركيبة النموذج التركي للمنطقة عموما، يصر فيه دعاة الفكر التركي الحر على العقيدة التالية "اذا ارادت تركيا ان تكون محترمة في اقليمها، فان اول شيء عليها فعله هو العمل على تحرير الاعلام من سطوة الحكومة". وهي عقيدة تتقاطع مع رؤية الكثير من قيادات حزب العدالة والتنمية وبالذات منهم اردوغان الغارق في نشوة حلمه العثماني والساعي نحو الغاء شيء اسمه صوت المعارضة في الداخل والخارج على حد سواء، وهو ما يرشح هذه القضية الى التصاعد في المستقبل المنظور وبالطريقة التي تفضح معها حقيقة التزييف والتهويل التي تم من خلالها التاكيد على فكرة صلاحية النموذج الاردوغاني للمنطقة العربية بشكل عام.