يوم اسْتُعيدت 'السيادة العراقية'!

بقلم: جواد البشيتي

تحتاج الحكومة العراقية، ورئيسها نوري المالكي على وجه الخصوص، إلى تضخيم المعاني "الإيجابية"، على افتراض وجودها، لانسحاب القوات الأميركية من العاصمة بغداد وسائر المدن العراقية، ونقل السلطة أو السيادة الأمنية إلى الجيش وقوى الأمن العراقية، مع تكثيف الجهود الإعلامية العراقية الرسمية لتصوير تنفيذ هذا الجزء من "اتفاقية الانسحاب" على أنه حدث تاريخي، أو منعطف كبير في تاريخ العراق الحديث، من خلال اختلاق مزيد من المعاني الكبيرة له.

ولقد قرَّرت حكومة المالكي جعل يوم الثلاثين من حزيران من كل عام عيداً قومياً، يُحْتَفَل فيه بما أسمته "يوم السيادة العراقية"، تاركةً مواطنيها يتكهنون بالتسمية التي يمكن أن تطلقها الحكومة ذاتها، أو غيرها، على اليوم الذي تنسحب فيه القوات الأميركية من كل العراق، عملاً بالاتفاقية ذاتها، والتي نصَّت على اكتمال هذا الانسحاب نهاية عام 2011.

الرئيس السابق للجنة العقوبات ضد العراق التابعة للأمم المتحدة تونو أيتل أخذ على الحكومة العراقية (وهو على ما أرى مُحِقٌّ في مأخذه) وصفها انسحاب القوات الأميركية من المدن بأنَّه "انتصار (انتصار لمن؟ وعلى من؟)"، وجعلها يوم الثلاثين من حزيران عيداً قومياً، مشكِّكاً في أن يعرف العراق استقراراً أمنياً بعد هذا الانسحاب، وفي تمتُّع الجيش وقوى الأمن العراقية بما يكفي من الثقة الشعبية.

"اليوم التالي"، أي الأيام والأسابيع والأشهر المقبلة، هو الذي ستُخْتَبَر فيه قدرة الحكومة العراقية على ممارسة سيادتها الأمنية حيث انسحبت القوات الأميركية؛ ونحن نعرف أنَّ الولايات المتحدة، في عهد إدارة الرئيس بوش، قد قرَّرت قبول هذا الانسحاب مستذرعةً بأنَّ الجيش وقوى الأمن العراقية، التي عملت على إنشائها وإعدادها وتدريبها وتجهيزها وتسليحها، أصبحت قادرة (ولو ليس بنسبة 100 في المئة) على تولِّي "الملف الأمني"، ومساعدة القوات الأميركية، بالتالي، على الخروج من "مدن الموت" بالنسبة إليها.

تلك الذريعة هي التي ستكون، من الآن وصاعداً، محلَّ اختبار حقيقي وحاسم، فالقول باكتمال القدرات الأمنية لحكومة المالكي سيظلُّ فرضية لم تَثْبُت صحَّتها بعد، ولن تَثْبُت إلاَّ إذا أثبتت الحكومة العراقية، من الآن وحتى حلول موعد الانسحاب الكامل للقوات الأميركية من العراق، أنَّها تستطيع ممارسة سيادتها الأمنية في العاصمة وسائر المدن من غير أن تُظْهِر حاجة قوية أو دائمة إلى الاستعانة بقوات التدخُّل السريع الأميركية، المتركِّزة الآن في ثكنات وقواعد عسكرية في خارج، أو في محيط، العاصمة والمدن العراقية الأخرى.

نقول ذلك ونحن نعلم أنَّ حكومة المالكي يستبدُّ بها الآن الميل إلى المكابرة، فأعمال العنف والقلاقل والاضطِّرابات الأمنية يمكن تتسع وتزداد حيث تولَّت تلك الحكومة "الملف الأمني"؛ ولكن قوَّة ميل الحكومة العراقية إلى المكابرة يمكن أن تجعلها أكثر تردداً في طلب مساعدة عسكرية وأمنية أميركية مباشرة ، قد تكون هي في أمسِّ الحاجة إليها.

ولا شكَّ في أنَّ كثيراً من أعمال العنف، التي رأيناها تزداد وتتسع سريعاً مع اقتراب موعد الانسحاب من المدن، يمكن نسبه إلى نزاع المصالح الشخصية والفئوية في داخل الائتلاف الحاكم نفسه، وإلى قوى محلية وإقليمية لها مصلحة في أن تلعب ورقة الاضطراب الأمني؛ ولكن من غير أن تُظْهِر نفسها على أنَّها متورِّطة في إحداث هذا الاضطراب وتغذيته، والذي جُلُّه يستهدف إشاعة أجواء الحرب الأهلية القذرة بين السنة والشيعة من عرب العراق.

وغني عن البيان أنَّ استفحال الفساد في داخل الأجهزة والمؤسسات الأمنية والعسكرية العراقية (والذي هو فساد يضرب جذوره عميقاً في السياسة) سيُفْقِد تلك الأجهزة والمؤسسات كثيراً من قدراتها الأمنية والعسكرية الافتراضية، أو الظاهرية، وسيُشدِّد الحاجة، بالتالي، لدى الحكومة العراقية إلى "الجار العسكري الأميركي"، وإلى الإبقاء على تلك الثكنات والقواعد العسكرية الأميركية "جاراً" طويا الأمد.

ويكفي أن تترتَّب على الانسحاب العسكري الأميركي من بغداد وسائر المدن العراقية تلك العواقب الأمنية حتى يتبخَّر كثيرٌ من معاني السيادة من "يوم السيادة العراقية"، وكأنَّ القوات الأميركية لم تخرج من المدن، وتتركز في ثكنات وقواعد تقع في خارجها ومحيطها، أي في الجزء الأكبر من الأراضي العراقية والذي لم "ينعم" بعد بالسيادة العراقية، إلاَّ لتؤدِّي عمل قوَّة تدخُّل سريع، تتوفَّر، في استمرار، على درء المخاطر عن السيادة الأمنية العراقية حيث انسحبت.

وإنِّي لأشكُّ كثيراً في القدرة السياسية (والأخلاقية) لحكومة المالكي على أن تؤسِّس لها من النفوذ بين العراقيين (من مواطنين وقوى سياسية ومسلحة) ما يسمح لها بأن تغرس الأمن (في العاصمة والمدن) في تربة سياسية ملائمة، فيتراجع كثيراً منسوب أعمال العنف، وتضعف مع تراجعه الحاجة إلى طلب مساعدة أمنية وعسكرية من ذلك "الجار" ، الذي بفضل ذلك ينتفي كثير من الذرائع لإطالة أمد وجوده وبقائه حيث هو الآن.

بقي أن نقول إنَّ "يوم السيادة العراقية" انطوى على كثير من المعاني "غير المستحبة"، أي التي لا تستحبها حكومة المالكي، وضربت، بالتالي، صفحاً عنها، فالزمن الطويل الذي انقضى قبل الثلاثين من حزيران 2009 لم يكن، وما كان ممكناً أن يكون، بحسب المنطق ذاته، زمناً للسيادة العراقية، وإنْ وُلِدت فيه وترعرعت حكومة المالكي، وإنْ شَهِد فيه العراق "انتخابات حرَّة ديمقراطية"، وإنْ كُتِب فيه، وأُقِرَّ، "الدستور العراقي"!

كل تلك "المآثر"، وغيرها، لم تأتِ من "فراغ"، وإنَّما من "زمن غياب وانتفاء السيادة"، فَلْنَنْتَظِر رؤية ما سيأتي به "الزمن الجديد".. "زمن عودة السيادة العراقية"! جواد البشيتي