يوم أن صاح جارنا 'دخلتْ قوات الشرعية'!

بقلم: سناء مبارك

كنا صغاراً في 7/7/94، ولم يكن يعنينا حينها التاريخ بقدر ما تفاقم بعده في معرفتنا من كوارث، في الحقيقة كانت فترة الحرب هي التي بمائة عام من الحياة المليئة بكل شيء، كانت فرصة ممتازة لأطفال لم تتعدَ أعمارهم أصابع اليد الواحدة أو اليدين في أغلب الأحوال، كي يتعلموا تفاصيل بالغة عن الفرق بين الآر بي جي، والكاتيوشا، وصواريخ الأرض أرض والجو جو والأرض جو ، بل ويمايزوا بين أصواتها بسهولة بعد فترة قصيرة من التعود والخدر النفسي.

كانت فرصة أكثر من ممتازة لنا لنتعرف لأول مرة على شكل الشظايا، تلك التي كنا نتباهى نحن أطفال الحارة بجمع الأكثر منها بعد كل ليلة حامية الوطيس، أما تلك الحمراء اللزجة التي كانت تأتي سيارات الإسعاف لتجمعها لم تكن تثير اهتمامنا، كل ما يحدث أننا كنا نفتقد بعض اصدقائنا وجيراننا على إثر كل صفّارة، ونسأل عن غيابهم بعته طفولي مبرر لا يستطيع أن يربط المشاهد ببعضها، الفادح منها على وجه الخصوص.

كانت فرصة نادرة لأن نشرب ونستخدم مياه البحر والآبار، تلك التي كانت تحفر على مرأى من اندهاشنا وحماستنا بأيدي أرباب العائلات، لازلت أتذكر كيف هللتْ نسوة الحارة لخالي حينما حفر بئراً غائرة طلع منها بماءٍ شديد الملوحة، استمرت والدتي في غليه وغليه وغليه قبل أن تسقينا منه وهي تبكي، لسببٍ ظل مجهولاً لفترة.

كانت فرصة جيدة أيضاً لنجالس الكبار في الليالي الحالكة بدون الكهرباء؛ ولا يهشّنا أحد مثلما كانت تفعل السيدات والرجال الأكبر قبل الحرب، ذلك أن التفاصيل لم تعد حساسة ولا يمكن أن تخدش وجداننا الطفولي المكشوف على الفجائع، حتما لم تكن هناك تفاصيل مخجلة يتورع الكبار من ذكرها أمام الصغار ولا مكان لها في ظروف صعبة كالتي عشناها.

كنا نتورط في تنظيرات سياسية وحربية معقدة،و نتوارث مصطلحاتٍ غريبة يستهجنها البعض من العارفين "كدعاة الردة والانفصال" و"قوات الشرعية"، كنت أعود إلى البيت محملة بكثير من التساؤلات عن معانيها والأهم من معانيها ذلك الثقل الذي يحثني على وجوب تشجيع أحد الطرفين فيما يحدث، من يجب أن نشجع يا ترى؟ استهوتني كلمة "الشرعية" لمدة لكنها لم تلبث أن تشفي امتعاضي من تعارضها ككلمة مع فكرتها.

فكرتُ ذات صباح وأنا ألعب مع هند ابنه خالي بعرائس القش، فكرتُ أن الشرعية لا تضطر لتقتلني أنا وهند عطشاً وحرّاً وقصفاً لتثبت نفسها، الشرعية (إن كانت فعلاً) لا تعاقب الأبرياء، سألتُ هند فقالت أنها لم تقرأ بعد عن الشرعية في منهج الصف الثاني، فتركنا الأمر يمضي هكذا دونما إلحاح. وعدنا للعب.

في 7/7/94 صرخ أحدهم في الحارة من وسط ضوضاء الرصاص الكثيف " دخلت قوات الشرعية، الخونة أدخلوهم"، لم نفهم من هم الخونة ولم نميز حتى أصوات الرصاص، كانت غريبة عما كنا نسمعه طوال تلك الفترة، بعدها توقف القصف، وتبادر أن هناك أناساً غادروا مطار عدن الدولي ليلاً، وزارنا بعض الرجال ذوو لكنات غريبة، مدججون بخيلاء غريبة وأسلحة مختلفة يبحثون عن آثار الحزب الاشتراكي، أخفت والدتي "تحف الأنتيكه" التي جاءت بها من موسكو بعدما راجت شائعة أن قوات "الشرعية" يعتقدون أننا نعبدها.

تحولت عدن بعدها إلى "مَنهب" كبير، واستمرت هكذا لـ 18 عاما لحقت، كان الناس القوادم من الشمال يخرجون على آثارهم صباحا ويعودون محملين بأشياء ينهبونها من مؤسسات الدولة في الجنوب، دولة النظام والقانون التي كانت لا زالت في تلك الفترة تحافظ على قوامها وشكلها، نهبوا أيضاً بيوت من ترك عدن نزوحاً، شاركتهم جموع المواطنين في عدن وغيرها في عمليات النهب الواسعة هذه، لم يتورعوا عن أخذ أي شيء وكل شيء، عام وخاص،

سُئل هتلر ذات يوم "من هم أحقر الناس الذين قابلتهم في حياتك؟ قال: من ساعدوني على غزو أوطانهم" ربما كان ليضيف بعد 7/7/94: "من ساعدوني على نهب أوطانهم".

عاد اليوم الكئيب ولم تعد معه الأشياء التي ولّت ومضت، عاد يوم الأرض ولم تعد الأرض، عادت الذكرى ولم تشفَ الذاكرة بعد، ولن تشفى بالاعتذار وإن وجب، كما لن تعود الحياة في جثة "الوحدة" الهامدة بعد اليوم أبداً، ولن تسقط جرائم هذه الحرب المستمرة منذ 18 عاماً، من وجداننا نحن الجنوبيون على الأقل.

سناء مبارك

sana_mobarak@hotmail.com