يوميات فتاة عراقية تقاوم العنوسة (21)

بقلم: كلشان البياتي
يا نبعة الريحان حني على الولهان

تركتٌ نافذة الغرفة مفتوحة، وكانت عاصفة الهواء تحركُ الستائر وُتميلها وترفعها للأعلى، انسابت رائحة الريحان إلى غرفتي، فشعرتُ بنشوة، سقيتها وأنا أغسل الطارمة، عندما أسقي حزمة الريحان المزروعة قرب النوافذ، تفوح رائحتها وتنتشر في أرجاء الغرفة، أقطف منها خصلات وأحملها معي أينما أذهب ولاسيما وأنا أغادر متوجهة إلى الدائرة، فأسمع همسات من خلفي: هناك من يرفع صوته، ويسمعني قصيدة غزل عن الريحان، وهناك من يغني: "يانبعة الريحان" لناظم الغزالي: يا نبعة الريحان حني على الولهان حني على الولهان
جسمي نحل والروح ذابت
مشهد انحشار السيارات في شواع بغداد، أصبح مألوفاً، والسائق الشاطر هو الذي يتفنن في إيجاد مخرج سريع وعبور الازدحام، بل والسائق (المضبوط) هو الذي لا يحشر نفسه في الازدحام.
قال سائق التاكسي الذي استأجرته ليوصلني إلى البيت بعد ورود رسالة من شقيقتي سهاد تفيد بأنّ والداتي متوعكة صحياً. وقعت في المطبخ وأغمى عليها، وعاصي ليس في البيت: أتجنب زجّ نفسي في الشوارع الرئيسية المزدحمة، ساعات لن نجتاز الازدحام، الله يلعن الاحتلال.
اجتهد بالمرور من الطرقات غير المزدحمة، وكان كلما يعبر رتل أميركي من أحد الشوارع، يدمدم مع نفسه بصوت عالٍ: عوذة، عوذة. وأحياناً يبصق في الهواء، تماماً مثلما يبصق الطفلان سرمد ورند كلما عبر رتل أميركي من الشارع، وهما راكبين سيارة والداهما، أو كانا يلعبان في الشارع مع أولاد جارتنا سعاد.
لمحته مرة وهو يبصق على حشد من جنود أميركان ترجلوا من الهمر التابع للرتل، سحبته من يديه وهو يقاوم وأدخلته للداخل خشيةٍ عليه من الجنود الذين لمحوه أثناء البصاق.
اتصلت بعاصي وطلبت منه أن يسبقني إلى البيت لأن أمنا ليست على مايرام. بعد نصف ساعة، وإنا لازلت في السيارة، اتصل بي وقال اطمئني أمي بخير، لم تتناول دواءها اليوم، وأرهقت نفسها بالعمل كالمعتاد في المطبخ.
أمي مثل بقية الأمهات لا تستطيع التخلي عن عادة (قيادة المطبخ)، هوايتها المفضلة إنجاز كل شيء بنفسها وإعداد الطعام، ولا يعجبها طبخي أو طبخ هند.
وصلت إلى البيت، وأنا منهكة من الطريق، وجدت عمة نجود قد حضرت قبلي بخمس دقائق. قالت إنها وصلت قبل يومين من دبي، اطلت على بنتيها شهد ولباب وهنّ متزوجات ومقيمات في بغداد، أما هي وزوجها فاضل فيقيمان بدبي منذ أربع سنوات، زوجها كان لواءً في الجيش، اضطر أن يغادر إلى دبي خوفاً من الاغتيال. عندما بدأت موجة الاغتيالات تسود في بغداد، أرغمناه على السفر بعض الوقت لحين توقف النزيف والعنف اليومي في بغداد، لكن أربع سنوات انقضت وبغداد تصحو كل يوم على شلال من الدم. يومياٌ يتم اغتيال عدد من ضباط الجيش أو أكاديمي أو عالم أو طبيب شخصية وطنية تناهض الاحتلال والحكومة.
أجابت عمة نجود وأنا اسألها عن وضع زوجها (عمو فاضل): كاعد بالشقة، ينفث بهل سم (الدخان)، طافرة روحة وضايج خلكة، نوبة مريض، ونوبة يتمارض، صار عودة، يريد يرجع للعراق، يكول الغربة مهانة ومذلة، ماكو أحلى من بغداد، مشتاك عليها حيل، يكول ما أريد أموت واندفن بلاد الغرب.
قالت أمي: خلي يرجع، كافي غربة.
اقتحم عاصي الصالة، وتدخل في النقاش: وين يرجع، ثاني يوم يعتقلون لو يغتالون.
وقال عاصي، كان سامر اخو صديقه مثنى يقيم في مصر منذ ست سنوات، قبل شهر عاد إلى بغداد، تم اعتقاله قبل أسبوع مع ابنه ضياء. وقال إن سامر صرف ما بحوزته من نقود وعاد بعد أن نفذ كل ما لديه.
همست أمي في أذني وأنا أهيئ للعشاء: عمتك نجود طلبت يد سهاد لابنها فيصل وتريد حسم موضوع الخطبة والزواج قبل السفر، لكنها أجلت إعطاء الموافقة لحين استشارتي لأني أكبر من سهاد.
قلتُ لها: على بركة الله، فيصل مهندس وشاب ممتاز، لا تقفي في طريق سهاد.
ردت: ماذا يقول الناس عنا، زوجت الصغيرة قبل الكبيرة.
قلتُ لها: توكلي على الله، دعي سهاد تتزوج، فيصل رجل مناسب لسهاد، إما أنا فلا.
قالت: بس لو افهم منو هذا الرجال إللي يناسبك.
ثم غادرت وهي تتأفف. تسمرتُ على كلمات أمي ورأيت وجهي في المرآة التي علقتها أمي في المطبخ.
قبل الاحتلال كنت أعرف ماذا أريد، وأي نوع من الرجال يناسبني، وكان قلبي يرفّ بسرعة حين أبصر رجلاً ذا شخصية (جنتلمان)، لكن نظرتي للأمور تغيرت وطغت العنوسة على أفكاري وصرت أرى كل شيء حولي عانس. لا يعجبني المهندس ولا الطبيب ولا الأكاديمي ولا الشرطي ولا التاجر ولا المقاول، ولا حتى موظف البلدية، لكن وجهاً واحداً فقط ظل يشتعل في رأسي ويتوقد، كان وجه شاب وسيم في الثلاثين من العمر، ألقي بنفسه من سياج البيت بعد العشاء وكانت الساعة تتراوح بين التاسعة والتاسعة والنصف، أعتقدنا في بدء الأمر أنه لص لأنه تسلق السياج لكن ملامح وجهه وهيئته أفصحت عن هويته.
قال لشقيقي عمر معتذراً: أنا أسف جداًً، تلاحقني قوة أميركية؛ لأني هاجمت رتل أميركي برمانة وأصبت الهمر والجنود، ودخل بعض الشباب في اشتباك معهم.
فقال له عمر: تفضل ادخل، أنت في أمان.
وقضى الليلة ضيفاً على عمر وكان اسمه علي، لكن لست أدري، هل هو اسمه الحقيقي أم الحركي. زارنا مرة واحدة فقط وكنت في الدائرة، كان قد قدم مع عمر جالباً هدية لوالداتي وهي عبارة عن عباءة نسائية، أعطائها لوالداتي قائلاً لها: أمي هذه هدية بسيطة اقبليها من ابنك علي. ظلت أمي تتذكر علي وكلما جاء ذكره تقول: والله أحببت هذا الولد مثل أبنائي. أما أنا فكلما يأتي ذكر علي أشعرُ بالغبطة، ويزول عني الإحساس بالعنوسة، أشعر أني شابة مملئة بالحياة، بالحب. علي هو الإنسان الوحيد الذي يطرد العنوسة من حياتي.
عندما تمددتُ استعداداً للنوم، توقدت كلمات أمي في ذهني، وعادت تنساب مع سلسلة الكلام الذي قيل نهار اليوم: عمو فاضل وهو مريض ويرغب بالعودة إلى بغداد وعذابات الغربة، توهجت على لساني أغنية لحاتم العراقي استمع إليها أينما تظهر ولاسيما في الباب الشرقي من قبل محلات التسجيلات أو في السيارة أو في قناة القيثارة الفضائية. أشوفك وين يا مهاجر .. قلي بأي بلد صاير
فراقك مو سهل عندي .. ولا هي أزمة وتعدي
تعال وطيب الخاطر.
كلشان البياتي ـ كاتبة وصحفية عراقية
بغداد المحتلة العانس Golshanalbayaty2005@yahho.com