يوميات عائلة تونسية بعد الثورة

التونسيون يرون أن الثورة فتحت عهدا جديدا لحياة كريمة بعيدا عن التهميش والحرمان

تونس - تبدأ فاطمة (40 عاما) يومها الشاق في السادسة صباحا، تستيقظ من نومها قبل كل أفراد العائلة، تصلي صلاة الصبح ثم تتوجه إلى حجرة صغيرة مخصص للطبخ لتعدّ فطور أبنائها وزوجها صالح .

وبعد أن إعداد الفطور المتواضع (خبز وزيت زيتون وحليب وبيض مسلوق) توقظ فاطمة أفراد العائلة واحدا واحدا بما فيهم زوجها ، ليتحلق الجميع حول مائدة من الخشب ويتناولوا الوجبة الصباحية قبل أن يمضي الجميع إلى شانه.

وتتكون عائلة فاطمة من ثلاثة أبناء، مراد الذي حصل على شهادة جامعية في الآداب منذ عام 2007 ولم يحصل على عمل حتى الآن، وريم التي تتابع دراستها في العلوم الإنسانية، وأحمد الذي انقطع عن الدراسة بسبب الفقر.

وتقطن العائلة في حي التضامن وهو أحد أكبر الأحياء الشعبية شمال غرب العاصمة تونس وذو كثافة سكانية عالية (حوالي 400 ألف نسمة)، ونشأ هذا الحي السكني الممتد بين محافظتي "أريانة" و"منوبة" خلال ظاهرة نزوح من القرى والأرياف شهدتها تونس بداية الثمانينات من القرن الماضي في مسعى للبحث عن لقمة العيش وطمعا في حياة أفضل.

لكن حال العائلة بعد أكثر عشرين عاما خيب آمالها التي لم يتحقق منها سوى النزر القليل، والقليل لا يتعدى القوت اليومي، حيث تعيش العائلة على الكفاف راضية بقدرها.

تعمل فاطمة خامة منزلية في أحد الأحياء الراقية بتونس بأجر شهري لا يتجاوز 150 دينار تونس ( حوالي 100 دولار)، ويعمل زوجها في حضائر البناء بأجر لا يفوق 250 دينار تونسي ( حوالي 200 دولار).

وفي المحصلة تعيش العائلة على دخل شهري زهيد في حدود 300 دولار لا يفي بحاجيات العائلة ولا يكفي لتسديد نفقاتها في مجتمع استهلاكي يشهد ارتفاعا كبيرا في القدرة الشرائية وتناميا لمتطلبات الحياة.

وتقول فاطمة" نعيش في منزل يتكون من غرفتين وثالثة تستعمل كمطبخ غير أنها لا تتوفر فيها مواصفات المطبخ، عشنا هنا بعد نزوحنا من احد أرياف الشمال الغربي سنوات طوال بلا نور كهربائي وماء صالح للشرب، كنا نستعمل الفانوس للإنارة ونجلب الماء من حي مجاور" وتضيف " لقد تغير الوضع بعض الشيء الآن، هناك النور الكهربائي والماء الصالح للشرب لكن ظروف الحياة مازالت صعبة فما أتقاضاه أنا وزوجي من دخل شهري لا يكفي لنعيش حياة كريمة، أضطر للتداين من الجيران والأقارب لتسديد النفقات التي تزداد يوما بعد يوم".

أما زوجها الذي اشتعل رأسه شيبا رغم أنه لم يتجاوز الخمسين من عمره فإنه يتحدث بصوت خافت تستشف منه مرارة وإحساسا بالإرهاق والاكتئاب.

يقول" اغلب حضائر البناء في تونس أعرفها، بل قل تعرفني، ترددت عليها كلها واشتغلت في أغلبها، أحمد الله على ما أنا فيه، لقد أفنيت سنوات العمر في شغل شاق وبأجر زهيد، أجر لا يكفي سوى للضروريات، أما مستلزمات الرفاه فهي من قبيل الأحلام، أحلم بأن تكون لي سيارة لكن ذلك غير ممكن أبدا".

وفي مجتمع ترتفع فيه نسبة البطالة العامة إلى حوالي 14 في المائة تبلغ هذه النسبة في الأحياء الشعبية إلى حوالي 20 بالمائة، والابن الأكبر للعائلة مراد هو ضحية من ضحايا ظاهرة بطالة حاملي الشهادات العليا، حين تنظر إليه ترى الشيب بدأ يخط شعره الكثيف وترى عينين ذابلتين كأنهما ترويان رحلة تعب كان نتيجتها الفشل وخيبة الأمل، يقول مراد" كنت طالبا مجتهدا بل ومتميزا وتحصلت على الشهادة الجامعية بامتياز وكنت أحلم بتحسين وضع عائلتي لكن كل ذلك كان من باب الأوهام، ترددت على العديد من المؤسسات وقدمت الكثير من الملفات بحثا عن شغل فلم أتلق أية إجابة".

وعن كيفية حياته اليومية يقول مراد" اقضي يومي في المقهى رفقة أصدقائي العاطلين، كما أتردد أحيانا على مقاهي الانترنت لمتابعة الأخبار أو التواصل أو للتسلي" وبصوت خافت كئيب يضيف " تصور تجاوزت الثلاثين من عمري وليس في جيبي ثمن سيجارة واحدة، إنني أخجل كلما قدمت لي أمي بعض النقود، أدسها في جيبي بعد أن تغرورق عيناي بالدموع".

وحالة مراد هي مؤشر عن ظاهرة البطالة المتفشية في الأحياء الشعبية التونسية وفي الأرياف حيث لم تساعد الخطط التنموية التي انتهجتها تونس في عهد نظام الرئيس بن علي المخلوع من الاستجابة للطلبات المتنامية لعدد العاطلين ما جعل تلك الأحياء والأرياف شعلة الثورة ووقودها احتجاجا على مظاهر الفقر والإقصاء والتهميش والشعور بالحرمان.

وبمجرد سؤالنا عن الثورة وما حملته من آمال التمعت عيني مراد ليقول" لقد شاركت في الثورة لأنها ثورة الكرامة وثورة ضد القهر والظلم والاستبداد، كان من الضروري أن نقول كفى وعودا كاذبة ، سئمنا حياة الذل والفقر".

ويضيف "نأمل الآن أن تتغير الأمور، هناك أمر سياسية ولكن الأهم من كل ذلك هو تحسين الوضع الاجتماعي وخاصة تشغيل العاطلين، لقد فتحت الثورة أمامي وأمام آلاف التونسيين آمالا جديدة، اشعر الآن أني تونسي حر بإمكاني أن أعبر عن رأيي وأقول ما أريد دون خوف".

لقد حملت ريح الثورة في تونس لعائلة فاطمة شأنها شأن العائلات التونسية آمالا في تحسين وضعها الاجتماعي، تقول فاطمة"سخرت عمري في خدمة أبنائي وأحلم بأن يجدوا شغلا يساعدهم على تأمين مستقبلهم، كل أملي أن نعيش بكرامة وفي ظروف أحسن".

أما عن أيام الثورة فإن فاطمة تتحدث عنها باعتزاز يشوبه الحذر، اعتزاز بالثورة على تردي الأوضاع ، وحذر من المستقبل، تقول "ما حصل كان من قبيل الأحلام، الأحلام التي لا تتحقق، لكن هذه المرة تحققت أحلامنا ونرجو أن نعيش زمنا أفضل من الماضي، فقد كنا في الماضي نسمع عن المساعدات للعائلات المعوزة لكن لم يساعدنا أحد".

وتضيف " أيام الثورة عشناها لحظة بلحظة كنا نتابع الأخبار عبر جهاز التلفزيون. لكن عشنا أيضا خوفا ورعبا فقد كثرت الإشاعات حول عمليات النهب والسطو على المنازل، لذلك كون الشباب لجنة حي وشاركنا فيها نساء ورجالا، كان الرجال يحرسون الحومة ليلا نهارا وكنا نحن النساء نعد لهم وجبات الطعام، لقد شعرنا لأول مرة بأن هناك تضامن حقيقي بين الجيران".

البنت الصغرى في العائلة ريم طالبة في العلوم الإنسانية تبدو الأكثر طموحا ففي نظرها قطعت تونس مع عهد سمته الاستبداد لتفتح صفحة جديدة في تاريخها .

تقول ريم "صحيح أن الثورة انطلقت شراراتها من مدينة سيدي بوزيد ولكنها انتشرت لاحقا في كل جهات البلاد، فقد شارك الطلبة في الثورة وأنا واحدة منهم، نريد مستقبلا أفضل، نريد تونس جديدة أكثر حرية ونماء، أنا متأكدة من أن الثورة ستغير تونس وبالتالي ستغير وضع عائلتي، قد يحتاج ذلك وقتا لكن الأهم أننا فتحنا عهدا جديدا".

هكذا تبدو عائلة فاطمة وصالح عينة لعائلة تونسية فقيرة تكافح يوميا من أجل تحسين أوضاعها وترى في الثورة عهدا جديدا فتح باب الأمل أمام حياة كريمة بعيدا عن أشكال التهميش والحرمان، وشأنها في ذلك شأن اغلب العائلات التونسية تأمل في القطع مع مظاهر الفقر كما قطعت البلاد مع عهد النظام السابق.