يوميات تولستوي.. أحداث وأفكار وهواجس عصره

يوسف نبيل في تقديمه: عندما يكتب أديب أو مفكر مذكراته أو سيرته الذاتية، فهو يتأمل ويفكر ويختار مناطق بعينها ليعرضها للقارئ ويحذف أخرى.


اليوميات تدوين لأحداث وأفكار وهواجس اليوم، سواء كانت مهمة أم غير ذلك


اليوميات بمثابة كاميرا ترصد ما يحدث على المستوى الخارجي والداخلي دون تمييز

انطلق الكاتب الروائي ليو تولستوي (1828 - 1910) في كتابة يومياته في مارس 1847 وعمره حينئذ تسعة عشر عاما، لتصبح مادة ثرية وكاشفة للتعرف على رؤى وأفكار وشخصيات وواقع عالمه الروائي والقصصي، والتحولات التي طرأت على بعض أفكاره في مختلف مراحله العمرية، وانتقاداته التي تسببت له في مشاكل مع مؤسسات الدولة ومع الكنيسة، فاليوميات التي تترجم للعربية للمرة الأولى حيث ترجمها يوسف نبيل بجهد واضح وصدرت أربعة أجزاء منها "الأول من عام 1847 ـ 1857 ـ الثاني 1958 ـ 1889 ـ الثالث 1890 ـ 1895 ـ الرابع 1896 ـ 1903"، وينتظر أن يضاف إليها جزآن آخران حيث تنتهي في عام رحيله 1910، وقد عمدت دار النشر آفاق أن تتخذ لكل جزء صورة لتولستوي على الغلاف تكشف المرحلة العمرية له وقت كتابتها.
يقول يوسف نبيل في تقديمه لليوميات التي تصدر عن دار آفاق "عندما يكتب أديب أو مفكر مذكراته أو سيرته الذاتية، فهو يتأمل ويفكر ويختار مناطق بعينها ليعرضها للقارئ ويحذف أخرى، ويخرج المنتج العام في صورة قصة متماسة موجهة بحسب رؤية الكاتب في وقت الكتابة، لكن اليوميات تختلف عن ذلك، فهي تدوين لأحداث وأفكار وهواجس اليوم، سواء كانت مهمة أم غير ذلك، إنها بمثابة كاميرا ترصد ما يحدث على المستوى الخارجي والداخلي دون تمييز، وإن كان المنتج قد يبدو فوضويا، أو يتسم بالإسهاب أو بذكر تفاصيل غير مهمة، لكنه في الوقت ذاته يكون بمثابة مجهر حقيقي على ما يحدث داخل تكوين هذه الشخصية، فالتفاصيل الصغيرة كافة هي ما شكلت شخصية صاحبها، وقد تم تدوينها دون تمييز أو تكفير، خاصة أن صاحبها لم يكن يكتبها بهدف النشر، لذا قد يصبح عيب هذا المنتج من حيث فوضويته وعدم اتساقه في بعض الأحيان، هو عين ميزته من حيث تقديمه لصورة حقيقية بالغة الصدق. ولكن الأمر يتطلب من القارئ صبرا وتأملا في أصغر التفاصيل حتى يدرك كيف تشكلت هذه الشخصية.

ويرى أن اليوميات تحول الإجابة على السؤال الآتي: من هو ليف تولستوي؟ ويضيف "وصلت إلينا يوميات تولستوي التي بدأ تدوينها منذ عام 1847 وحتى مماته في عام 1910؛ أي أننا لدينا يومياته منذ كان في التاسعة عشر من عمره وحتى وفاته، إنها كمية رهيبة إذن من المواد، وربما كان حجمها الضخم باعثا على عدم ترجمتها إلى العربية حتى الآن، ولم تترجم اليوميات إلى الإنجليزية أيضا بصورة كاملة، بل صدرت مختارات منها في عدة طبعات، وفي مقدمة إحدى الطبعات الإنجليزية يقول المترجم إن ترجمة يوميات تولستوي بأكملها مهمة مهولة تثير الذعر، وليس من الغريب إذن أن أحدا لم يقدم عليها، لذا لم يكن إقدامي على هذه المغامرة بصحبة دار آفاق أمرا سهلا لأسباب عديدة. فاتخاذ قرار بشأن مشروع في عدد ضخم من الأجزاء كان شديد الصعوبة، لأنه يعني تكريس زمن طويل ومجهود رهيب من أجل مشروع واحد، لكني أظن أنه يستحق. كما أن الأمر في الأساس كان يحتاج إلى حماس ناشر مقدام، وهذا ما وجدته في دار آفاق.
ويلفت يوسف نبيل في تقدمته للجزء الأول التي تضم اليوميات من عام 1847 وحتى عام 1857 أن يوميات هذه اليوميات تعرف القارئ على تولستوي الذي لا يعرفه، حيث ترصد هذه الفترة تولي تولستوي أمور ضيعته التي ورثها بـ "ياسنايا بوليانا" وحياته العابثة، ثم التحاقه بالجيش ومحاولاته لنيل وظيفة بالدولة دون جدوى، وولعه بالموسيقى والقمار، وسفره للقوقاز وانبهاره بالطبيعة هناك، وكتابة الأعمال المبكرة: الطفولة والصبا والشباب ـ صباح صاحب الضيعة، وغيرها، حتى خروجه من الجيش وتنقله بين "ياسنايا" وغيرها من الأماكن.
وتضم اليوميات قائمة بنقاط ضعف تولستوي منذ وقت مبكر، وتحوي بعض التعميمات الموجزة عن الحياة والموت والدين وجوانب مختلفة من السلوك البشري، وتشمل أيضا ملاحظات على كتب قرأها لبوشكين وليرمنتوف وتورجينيف وأستروفسكي وروسو وبلزاك وجوته وشيلر... إلخ. يطرح لنا منذ وقت مبكر جدا فكرته عن تأسيس مسيحية جديدة خالية من الأسرار والطقوس والميتافيزيقا؛ مسيحية عملية تصلح لأبناء الأرض جميعا.
ويوضح يوسف نبيل أن يوميات تولستوي تؤكد على قناعته بفكرة الجانب الأخلاقي في الأدب. وتستخرجها أحيانا من الأدب أو الأعمال الفلسفية التي أثارت إعجابه، وكذلك تتناول رصدا لجوانب مختلفة من الحياة العسكرية وسلوكيات رجال الجيش. وتكشف أيضا تطور علاقاته مع المرأة وربما هذا ما يوضح لنا تطرفه الشديد في كل ما يتعلق بالمرأة في الكتابة بعد ذلك.
ويرى أن شخصية تولستوي معقدة ومركبة حتى أقصى حد، وقد التزم الصراحة الشديدة في تسجيل يومياته، لذا قد يكون لها وقع صادم على القارئ. المهم في الأمر أننا سنتعرف خطوة خطوة على تطور وتشكل هذه الشخصية المثيرة للجدل.
من يوميات تولستوي في الجزاء الرابع:
نمت نوما قلقا طوال الليل، أستمع إلى الموسيقى كثيرا في هذه الأيام. استيقظت في الثانية عشرة وجاءني خطاب من تورجينيف؛ خطاب جاف لكنه لطيف. كتبت خطابا قصيرا وجافا لفاليريا، وكذلك خطابا لنيكراسوف ردا على خطابه. ترجمت إحدى حكايات هانز كريستيان أندرسون، وقرأتها على الغداء عند بوتكين ولم ترق له. استلم بوتكين خطاب من نيكراسوف، وقد أطراني فيه. ثرثرنا بسرور، ثم مضيت إلى أولجا تورجنيفا، ومكثت عندها حتى الثانية عشرة. تلك المرة راقت لي أكثر من كل المرات السابقة. بالكاد استطعت أن أمسك نفسي كي لا أذهب إلى الحفلة التنكرية.  

Tolstoy
قرأت لشو. تفاهته تدهشني حقًا!ّ 

***
استيقظت في وقت متأخر جدا، وأنهيت قراءة مقال بيلينسكي الرائع عن بوشكين، ثم مضيت إلى بلودوفي وليديا شيفيتش. لم أجد الأول، والثانية رفضت تقريبا المشاركة في العرض. أديت تمريناتي وتغديت عند بوتكين، ومضيف عنده إلى تولستوي. إنه يتمتع بشخصية لطيفة طفولية شاعرية. في العاشرة غادرته ومضيت إلى كرايفسكي، وفي الثانية عشرة إلى الحفل التنكري. في البداية كانت مملة جدا، ولكن بعد العشاء مع ستاليبين وستاخوفيتش اقتربت مني امرأة فاتنة لا يلوح من وجهها سوى فم فاتن أسفل القناع، وقد سألتها كثيرا أن تغادر معي، وأخيرا وافقت، وفي المنزل خلعت قناعها. تشبه ألكسندرا دياكوفا، ولكن أكبر عمرا، بملامح أكثر غلاظة. عدت بها إلى المنزل وقد شعرت طوال ذلك ذلك ذلك اليوم واليوم التالي أيضا بالسعادة.
***
استيقظت في الثانية. مقالة بيلينسكي عن بوشكين فاتنة. لقد جعلتني للتو أفهم بوشكين. أديت تمريناتي وتغديت عند بوتكين مع بانايف، وقد قرأ لي بوشكين. دلفت إلى غرفة بوتكين وكتبت خطابا لتورجينيف ثم جلست على الأريكة وانفجرت في البكاء دون سبب، لكنه بكاء سعيد شاعري. كنت سعيدا حقا طوال تلك المدة. تثملني سرعة تقدم الحركة الأخلاقية بداخلي للأمام أكثر فأكثر. في المساء مضيت إلى دروجينين وبيسميسكي، وخلافا للتوقعات قضيت أمسية سعيدة إلى زوجته امرأة عظيمة فعلا.
***
قرأت لشو. تفاهته تدهشني حقًا!ّ لا يقتصر الأمر على أنه يفتقر إلى فكرة واحدة خاصة به تسمو عن تفاهات الحشود القاطنة بالمدن، بل إنه لا يفهم ولو فكرة واحدة عظيمة من أفكار المفكرين السابقين. تنحصر ميزته الوحيدة في قدرته على التعبير عن أكثر التفاهات ابتذالا بطريقة أنيقة جديدة منحرفة تجعل الأمر يبدو كما لو أنه يقول شيئًا جديدًا خاصًا به. سمته الرئيسة هي ثقته المفزعة في ذاته، ولا يعادلها شيء سوى جهله الفلسفي المطبق.