يوجد حل للأزمة: صفقة تجمع بين الإنقاذ وتغيير العقيدة

لندن
افكار العارف

في عام 2003 كانت مجموعة من المفكرين المقيمين في لندن بين من حذروا من أزمة ائتمان ضخمة وارتفاع كبير في حالات الإفلاس على مستوى الأفراد والشركات.
وبعد خمس سنوات وقعت الواقعة وأصبحت الأزمة حقيقة وأضحى السؤال ما إذا كان بوسع هذه العقول ذات القدرة الخاصة على استشراف المستقبل مثل أولئك العاملين في المؤسسة الاقتصادية الجديدة (إن.إي.إف) البريطانية اقناع القيادات السياسية التي صمت آذانها حتى الآن بتبني الحلول التي اقترحوها.
تأسست المؤسسة عام 1986 ويرأسها الان أندرو سيمز خبير الاقتصاد السياسي الذي درس في كلية لندن للاقتصاد. وتصف المؤسسة نفسها بأنها مؤسسة للفكر والعمل تتضمن أهدافها بناء اقتصاد قادر على الاستمرار من الناحية البيئية وشامل جامع من الناحية الاجتماعية.
ولم تلق أفكار المؤسسة سوى تغطية بسيطة نسبيا في وسائل الإعلام المالية وكان الصحفيون المتخصصون في العلوم الذين يصفهم سيمز بأنهم غير مذهبيين أفضل استقبالا لها من المراسلين الاقتصاديين.
لكن "التغيير" هو كلمة السر في الوقت الحالي.
كذلك فربما تستفيد المؤسسة من عودة الموضة السياسية لآراء جون مينارد كينز أو على الأقل من الفكرة المبسطة التي تتمثل في ضرورة تدخل الحكومات والاستثمار في تنشيط الاقتصاد خلال الكساد.
وانتهز سيمز وزملاؤه الفرصة فنشروا كتيبا هذا الشهر يطرح 20 خطوة لإعادة بناء اقتصاد أفضل. وعلى غلاف الكتيب صورة عنقاء ويحمل عنوان "البعث من رماد الانهيار".
ويحرص سيمز على التفرقة بين آراء المؤسسة وآراء كينز الذي وضع نظرياته قبل أن يصبح من الضروري أخذ التغيرات المناخية في الاعتبار.
لكنه قال إن بعض آراء المؤسسة لها نكهة "كينزية" قوية رغم أنها معدلة بما يتلاءم مع العصر الحالي الذي يتعين فيه معالجة "الأزمة البيئية" و"الأزمة الائتمانية" معا في آن واحد.
ويستمد الكتيب الأخير جانبا كبير من مادته من كتيب سابق للمؤسسة بعنوان "الصفقة الخضراء الجديدة" نشر في يوليو/تموز الماضي بعد أكثر من 12 شهرا من المشاورات مع مفكرين يتفقون في الرأي مع المؤسسة.
وهذا العنوان الذي استخدمه أيضا برنامج البيئة التابع للأمم المتحدة في أكتوبر/تشرين الاول الماضي مستمد من عبارة "الصفقة الجديدة" التي استخدمها الرئيس الاميركي فرانكلين روزفلت بهدف انقاذ العالم من الكساد الكبير في ثلاثينات القرن الماضي كما أنه يتفق مع آراء كينز.
ومثلما أيدت "الصفقة الجديدة" الإنفاق العام وحث برنامج الامم المتحدة للبيئة على "النمو الأخضر" الذي يراعي الاحتياجات البيئية فإن الكتيب الجديد الذي أصدرته المؤسسة يقول إن بعض الإنفاق اللازم لإنعاش الاقتصاد يجب أن يتضمن استثمارات بيئية وخلق وظائف لا حصر لها تقوم على مراعاة البيئة.
وقال سيمز إنه إذا عقدت مقارنة لاستجابة الحكومات للتغيرات المناخية فقد كان رد فعلها أسرع كثيرا وأكثر جذرية للأزمة المالية. وبالنسبة له تعد معالجة القضايا البيئية أمرا ملحا بالقدر نفسه.
وقال "إن تأميم مؤسساتنا المالية في حملة شاملة قفزة لا يمكن تصورها عقائديا" وذلك في إشارة إلى تدخل الحكومة البريطانية بالتأميم الجزئي لبعض البنوك وذلك رغم أن خطوات مماثلة اتخذت على مستوى العالم.
ويضيف "إذا كان بوسعهم أن يتحركوا بهذه السرعة ويتخلوا عن مذهبهم بين عشية وضحاها، فلماذا لا يمكنهم ان يطبقوا ذلك على التغير المناخي؟".
وفي العام الماضي قالت لجنة المناخ التابعة للأمم المتحدة إن تجنب أسوأ نتائج التغيرات المناخية مثل نقص الغذاء والمياه وموجات الحر والجفاف وارتفاع مستوى مياه البحار سيكلف العالم 0.12 في المئة من ناتجه المحلي الاجمالي كل عام حتى 2050 .
وحسب تقدير البنك الدولي فإن الناتج المحلي الاجمالي العالمي بلغ 54.3 تريليون دولار عام 2007 وبافتراض عدم حدوث أي نمو اقتصادي خلال تلك الفترة فإن هذا يعني تخصيص 65 مليار دولار سنويا على مدار 43 عاما أي 2.4 تريليون دولار اجمالا.
وللمقارنة فإن اجمالي ما خصص حتى الآن لإنقاذ النظام المالي يبلغ نحو أربعة تريليونات دولار.
ولم يقدر تقرير الامم المتحدة كلفة تجاهل التغيرات المناخية لكن تقريرا أعده نيكولاس ستيرن كبير الاقتصاديين السابق بالبنك الدولي عام 2006 ذكر أن التغير المناخي قد يعني اضطرابات "على مستوى يشبه التغيرات المصاحبة للحروب الكبرى والكساد الاقتصادي الذي شهده النصف الاول من القرن العشرين".
وتتراوح الحلول الأخرى التي اقترحها كتيب المؤسسة من وضع حد أدنى للأجور كعلاج للمكافآت الضخمة للعاملين في القطاع المصرفي إلى إقامة نظام مصرفي محلي آمن بدلا من الشبكة العالمية المحفوفة بالمخاطر التي ستكبد دافعي الضرائب على مستوى العالم خطط انقاذ بتريليونات الدولارات.
واستكمالا لخطط انقاذ نظم الائتمان المنهارة يقول الكتيب إن الخطوة المنطقية التالية هي مساعدة الناس العاديين على سداد رهونهم العقارية ويقترح وقف عمليات الطرد من البيوت التي نجمت عن أزمة الائتمان لفترة زمنية معينة.
ويقول الكتيب "بينما تم انقاذ البنوك وهي التي أخطأت على حساب دافعي الضرائب على مستوى يفوق الخيال فإن الألوف من أصحاب البيوت الكادحين يواجهون احتمال الطرد كل يوم".
ولو أصغت الحكومات للنصائح من قبل لما كان من الضروري اللجوء إلى العلاج الجذري.
ففي عام 2003 كانت المؤسسة من بين المساهمين في تقرير التوقعات الاقتصادية العالمية الحقيقية مع مجموعة من المفكرين البارزين من أشهرهم الاقتصادي جوزيف ستيجليتز الحائز على جائزة نوبل. فقد حذر هذا التقرير من أزمة مالية كبرى.
ويقول سيمز "نحن نحاول بكل جهد لمقاومة إغراء القول بأننا قلنا لهم ذلك".
فالسطور التي كانت مجرد تنبؤات أصبحت تنطبق الان على الوقائع.
فقد قال تقرير التوقعات الاقتصادية العالمية الحقيقية "سيحدث انهيار في نظام الائتمان في العالم الغني وعلى رأسه الولايات المتحدة مما يؤدي الى ارتفاع كبير في حالات الافلاس للافراد والشركات".
ومن العبارات البليغة الأخرى الواردة في التقرير "أن المؤسسات المالية لم تعد خادما للاقتصاد الحقيقي بل سيدا له".
ورغم أن الأيام أثبتت صحة آراء المؤسسة فيما يتعلق بأزمة الائتمان بل وأن الرئيس الاميركي المنتخب باراك أوباما حدد الاطار العام لخطط تسعى للجمع بين تحفيز الاقتصاد والاستثمار الذي يأخذ المناخ في الاعتبار فإن سيمز يدرك جسامة العوائق.
فقد استبعدت مجلة الايكونوميست أفكار "الصفقة الجديدة الخضراء" ووصفتها بأنها "خضراء غضة وسهلة وخاطئة" كما أن "سادة المؤسسات المالية" سيقاومون على الارجح جانبا كبيرا من أفكار المؤسسة بكل ما أوتوا من قوة.