يهود مصر غير المضحوك عليهم

كل ده حرام

القاهرة ـ عن "دار هلا للنشر والتوزيع" بالقاهرة؛ صدرت مؤخرا رواية "غير المضحوك عليهم". وهي الرواية الثانية لكاتبها ياسر منجي؛ الروائي والفنان التشكيلي والناقد، الذي يعمل مدرسا بقسم الجرافيك بكلية الفنون الجميلة بالقاهرة، والذي سبق وأن أصدر في العام الماضي روايته الأولى "مولد سيدي بسيسة".
والرواية هي الأولى في استلهام اشتباكات العلاقة بين يهود مصر وغيرهم من الطبقات والشرائح والقوى الاجتماعية خلال فترة الخمسينيات من القرن المنصرم؛ حيث تطالعنا ذكريات أفراد عائلتي "حوطر" المسلمة و"عقيبا" اليهودية بمنطقة "سوق اللبن" بمدينة "المحلة الكبرى"، والتي يسوقها الكاتب بأسلوب الراوي العليم؛ حاكيا قصة المعبد الذي كان معروفا باسم "كنيس الأستاذ"، والذي يقال إنه قد شيد في حوالي عام 1885، وحرص العائلات اليهودية المتدينة على السكنى بالقرب منه التماسا للبركة من نسخة التوراة ذات الغطاء الفضي الموجودة بهيكله، والتي يقال إن عمرها سبعة قرون، والذي أتت تسميته بـ "كنيس الأستاذ" نسبة إلى الحاخام "حاييم الأمشاطي"، الذي كان يلقب بـ "الأستاذ"، والذي قيل إن قبره موجود بأسفل أرضية المعبد، والذي كان مولده عيدا يحتفل به في أول مايو/آيار من كل عام.
فنرى "درويش عقيبا" اليهودي يديم التردد على صديقه الشيخ المسلم "أمين حوطر"، ابتغاء لقراءة (عدية ياسين) لصالح ذوي قرابته من يهود "صندفا" حين كانت تفشل طقوس الكهنة المتحمسين لتصوف "القبالة"، وتطورات العلاقة بين أفراد الجيل الثاني من العائلتين؛ بإشهار الفتى "إيزاك" لإسلامه متحولا إلى "مصطفى"، والذي ظل دكانه الخاص ببيع الحلوى معروفا برغم ذلك باسم (دكان الحاج "مصطفى" اليهودي)، وكذلك العلاقة الملتبسة بين "أم فرج" اليهودية و"بسيمة حوطر" وأخيها "سيد حوطر" الشهير بـ "سيد عجمية"؛ الذي يحترف القوادة مستغلا في ذلك الجمال الفائق لـ "رفقة" ابنة "أم فرج" اليهودية، والتي تتحول عنه بعد وقوعها في حب "حلمي السنهوري" سليل الأسرة الأرستقراطية التي أطاحت الثورة بنفوذها وثروتها؛ فينتقم "سيد" انتقاما يتأتى عنه فقد "حلمي السنهوري" لذكورته للأبد، بعد أن تحمل منه "رفقة" التي تضطرها أحداث هجرة اليهود من مصر عقب العدوان الثلاثي إلى الرحيل للولايات المتحدة؛ لتمر السنون ويقابل "حلمي" في أواخر تسعينيات القرن الماضي رجلا أميركيا يقدم له نفسه باسم "جاك آكيبا سنهوري"، مقررا أنه ابنه من "رفقة عقيبا" التي صارت "ريبيكا آكيبا".
وحين يتصل "حلمي" بمحاميه ليطلعه على رغبته في رفع دعوى إثبات نسب لصالح ابنه "جاك" يعترف فيها ببنوته؛ يخبره المحامي بأن الدعوى لن تؤدي إلى شيء في صالح "جاك" لكونه يهودي الديانة؛ فيتوجه بصحبة والده إلى "مشيخة الأزهر"؛ حيث جلس "جاك" لملء استمارة ليتسلم في اليوم التالي شهادة اعتناق الإسلام المختومة بختم الأزهر الشريف؛ والتي تثبت اعتناقه الإسلام وتحوله إلى "عبد الله جاك السنهوري".
ويتحول "سيد حوطر" القواد وغريم "حلمي السنهوري" العتيد بداية من منتصف الثمانينيات؛ ليظهر ميلا واضحا نحو التدين المصبوغ بصبغة دعائية مترفة، مبديا شغفا شديدا بشخصية "الشعراوي" التي كانت في أوج سطوعها الإعلامي، ومتبعا مجموعة من التكتيكات المتزامنة التي كفلت له في النهاية ترسيخ ارتباطه بـ "الشعراوي" في وعي أهل البلد، لدرجة أنه اشتهر في المحلة الكبرى بأسرها بلقب (الراجل الطيب بتاع الشعراوي).
ويتداخل السرد لذكريات تلك الفترة مع الأوجاع الشخصية التي يكابدها الدكتور "فتحي عبدالباقي" بطل الرواية في واقعه المعاصر؛ من خلال عمله بالسلك الأكاديمي كمدرس بكلية الفنون الجميلة، ومعاناته لتطورات أعراض سرطان الرئة؛ التي تضعه في مواجهة عجز المسارات البيروقراطية للتأمين الصحي عن توفير حد أدنى من المعاملة اللائقة له، والتي كان يعتقد استحقاقه لها بموجب موقعه الاجتماعي المتوهم؛ على الرغم من أن راتبه لم يكفل له في الأساس سوى فرصة السكنى في أحد الأحياء العشوائية بمنطقة "المرج"، على بعد خطوات من "فيلا زينب هانم الوكيل"؛ التي كانت معتقلا للواء "محمد نجيب"، مما كان يقتضيه قطع المسافة يوميا بين منزله ومقر عمله في ثلاث ساعات؛ لعجزه عن شراء سيارة، بصحبة زوجته وابنتيه تحت رحمة بلطجية عربات نقل الركاب من طراز ربع النقل، وهو ما يؤدي إلى استيقاظ وعي "فتحي" ومواجهته لعدة أسئلة مصيرية خلال تطور علاقاته بالشخصيات المحيطة به من طلاب وزملاء ونقاد – مثل "رياض شاهين" الذي يتحول من كتابة التقارير الأمنية عن الفنانين في العهد الناصري، إلى تأليف كتب عن عبقرية السادات في السبعينيات - وفنانين تشكيليين يعيشون تناقضا ما بين شخصياتهم المعلنة على الملأ، وما يضمرونه من قناعات وأفكار مضادة، والتي تتيح ل اختبار ذاته أمام وقائع الفقر والتطرف الديني والاضمحلال الثقافي لشرائح عدة في نسيج المجتمع تكاد جميعها تجمع على تبني استراتيجيات الخداع والمراوغة في مواجهتها للعالم وتعاطيها مع بعضها البعض؛ وهو التعاطي القائم في أساسه على النزوع للسيطرة على الآخر وتضليله؛ فيستقبله بعيادة المركز الإسلامي الكائن بمنطقته طبيب شاب بدين وملتح، يعظه بوجوب هجر الرسم وتعلم الخط العربي، ويؤكد له أن ملك مصر "الوليد بن الريان" – وفي رواية أخرى "سوريد بن سلهوق" - هو الذي بنى الهرم الأكبر بناء على نصيحة "يوسف" عليه السلام لتخزين الغلال استعدادا لمجاعة السنين السبع العجاف، وأن اليهود الملاعين من علماء الآثار هم الذين خدعوا الناس وادعوا أن "خوفو" هو باني الهرم كي يطعنوا في الإسلام.
ويعيش "فتحي" طرفا من أحداث الضجة المباغتة التي ثارت بسبب تحول أحد المتاجرين بطب الأعشاب من نجم ساطع في فضاء الإعلام الإسلامي إلى مادة دسمة لبرامج القضايا الساخنة وصحف الخطوط الحمراء؛ على أثر تحوله المباغت وتقديمه برنامجا خاصا بالطب البديل من خلال قناة "أورا" الفضائية المملوكة لرجل الأعمال المسيحي "زكريا ناثان"، مما يؤدي لنشوب حرب الفضائيات بين القنوات الإسلامية ذات الطابع السلفي المتشدد من جهة، وقناة "أورا" بمساندة قناة "الخراف الضالة" والقنوات المسيحية المتعصبة المبثوثة من قبرص ولندن من جهة أخرى، واتساع دائرة السجال الفضائي لتشمل عددا كبيرا من القنوات الفضائية والأرضية الأخرى ذات التوجهات المختلفة، وانتقال مادتها لتملأ صفحات الجرائد والمجلات ومواقع الإنترنت و"الفيس بوك".
ويرى "فتحي" بعينيه تغييب وعي طلابه على يد المتاجرين ببرامج الإيحاء الذاتي وتقنيات التأمل المستجلبة من ثقافات شتى في خليط تجاري صرف، تتاجر به بعض المؤسسات من خلال ترويج إعلامي سخي.
وتجتاحه شراسة المقدم "حسيب علوان" ضابط السجون الطموح، الذي يستغل سلطاته لترويعه اعتمادا على نفوذه المفروض على المنطقة العشوائية، دون إلقاء اعتبار لمكانة "فتحي" الأكاديمية التي لا يدعمها استقرار مادي مكافئ.
وخلال ذلك يصطدم "فتحي" بعدة مفاجآت حول علاقات المحيطين به بالجماعات المتطرفة والأفكار الغيبية الواردة من ثقافات مغايرة؛ فيرى انتشار ملصقات الترويع بساحة الكلية بدلا من الأعمال الفنية، وتصدم عينيه عدة ملصقات؛ يقول أحدها:
"لا تحلف بغير الله فتكفر، ويحبط عملك .. لا تقل: والنبي – وحياة أولادي – ورحمة أمي – وحياة العيش والملح، وغيرها من البدع الكفرية والعبارات الشركية .. إحذر أن تموت كافرا، فيصير مآلك إلى النار وبئس القرار."
وخلال قيام صديقه وزميله بالكلية "حسام عاصم" سليل الأسرة الغنية بتحضير أحد بحوثه حول "الرموز الماسونية في الفن التشكيلي"؛ يتصدى له "وسيم حجي"، المولود لأب مصري وأم أندونيسية والطالب بالقسم الحر، متهما إياه بالإلحاد ومعلنا حربه عليه من خلال جماعته المتطرفة المبثوثة بين طلاب الكلية، انتقاما منه لثأر شخصي نتج عن حب "سموات السنوسي" خطيبة "وسيم" لـ "حسام" في فترة سابقة؛ وهو الذي مثل نقطة التحول الأساسية في توجه "وسيم" نحو التطرف، حيث اختفى قرابة الأسبوع، ثم عاد تاركا ذقنه دون تشذيب ومتأبطا عدة كتب، دسها في يد "سموات"؛ والتي اكتشفت من خلال تلك الكتب أنها زنت عشرات المرات دون أن تدري؛ زنت حين صافحت الرجال، وزنت حين خاطبتهم مباشرة دون أن يكون بينها وبينهم حجاب، وزنت حين لم تلبس النقاب الذي يغطي الجسد بأكمله، وزنت حين نظرت إلى رجل لا يحل لها وتأملت محاسنه واشتهته وأحبته.
واكتشفت أنها لم تزن فقط حين ارتكبت خطيئة الحب؛ وإنما أشركت بالله أيضا، لأن قلبها انشغل بغير الله وتعلق به. واكتشفت أن الشرك في كل مكان، وأنه يتلون بألوان شتى حتى صار خفيا لا يكاد يحس، واكتشفت أن هناك ما يسمى بـ "فقه المرأة"، وأن هذا الفقه هو طريقها الوحيد للفوز بالجنة والنجاة من النار؛ وأنه يقتضيها أن تطيع زوجها طاعة عمياء في كل ما يأمرها به، وأن توقن بأنها دونه في كل شيء، وبأنه يفوقها في كل شيء؛ لأنها تحيض وتحمل وتلد، ولأن جسدها فتنة غاوية يتخذ منها الشيطان فخا لإيقاع الناس في حبائله. وأنها عورة لا يسترها إلا بيت أبيها، فبيت زوجها، فقبرها، ووصل تسلط الفكرة على عقلها إلى درجة أنها بدأت تعاني من التهابات وطفح جلدي، ينتشران في وجهها وكفيها بمجرد خروجها إلى الطريق وسقوط الضوء عليها، إلى أن حسمت أمرها وصارت تأتي الكلية مرتدية نقابا أسود اللون ذي قفازين، لا يبدو منه سوى عينيها. وأهملت دراستها تماما، ولم تعد تناقشني فيما يجد من تطورات بشأن فكرة مشروع تخرجها، وأصبحت تزور المرسم لماماً؛ فتقضي يومها بين أداء الصلوات في المسجد والجلوس مع عدد من المنقبات الأخريات.
وبعد تأكيد إصابة "فتحي" بالسرطان، ينتهي به الأمر إلى الدوران في دهاليز اللجنة الطبية لأعضاء هيئة التدريس؛ للبت في الطلب الذي تقدم به كي تسهم الجامعة بنسبة من نفقات العلاج؛ وهي المساهمة التي تصرف عادة بعد تقديم عضو هيئة التدريس ما يثبت إنفاقه لمبلغ إجراء عملية جراحية عالية التكلفة أو علاج مرض عضال مزمن، واشتباك ذلك بأحداث مطالبة نوادي أعضاء هيئة التدريس بعدد من الجامعات بزيادة الأجور؛ بناء على الضغوط المستمرة من أعضاء هيئة التدريس، الذين عبروا عن عجزهم عن مواجهة أعباء الحياة، ومتطلبات البحث العلمي الذي تفرضه عليهم طبيعة عملهم، في ظل الرواتب المتدنية التي يتقاضونها؛ والتي أسفرت عن استجابة وزارة التعليم العالي في النهاية؛ مشترطة أن تتم الزيادة وفقا لشروط محددة، وطبقا لآلية خاصة، يراعى فيها أن يقوم عضو هيئة التدريس بإثبات استحقاقه للزيادة، وأن تتولى عدة جهات ولجان فحص المستندات والأوراق التي يقدمها لإثبات مزاعمه؛ وهو ما أطلقت عليه الوزارة اسم "مشروع الربط بين زيادة دخل عضو هيئة التدريس وجودة الأداء".
وتنتهي أحداث الرواية بموافة "حسام عاصم" على انعقاد المناظرة التي تحداه "وسيم حجي" بعقدها أمام شهود من طلاب القسم الحر؛ والتي تنتهي باندفاع "وسيم حجي" في أثره شاهرا مطواة قرن غزال كي يهوي بها على ظهر "حسام"؛ غير أن الأخير انتبه إليه وهو يلتفت خلفه أثناء انصرافه، فرفع ساعده لصد الضربة التي طاشت لتنغرس في عنق "بيشوي فوميل" مساعد الباحث بالكلية.

وبعد أسبوع من إلقاء القبض على "وسيم حجي" بتهمة ارتكاب جريمة القتل العمد؛ اندفعت "سموات السنوسي" بصحبة عدد من الطالبات المنقبات من أسرة "غار حراء"، ليقمن بالانتشار خلال ممرات الكلية وهن يدفعن ما تطاله أيديهن من التماثيل، لتسقط عن قواعدها مهشمة على الأرض.
أخذت "سموات" تتنقل كالمحمومة من تمثال إلى الآخر، وهي تبكي بحرقة وتصرخ قائلة في لوعة: كل ده حرام .. حرام .. حرام.