يد حزب الله تنتشل الضاحية الجنوبية من تحت الأنقاض

بيروت
معركة كسب القلوب والعقول

بدأت الضاحية الجنوبية لبيروت التي دمرتها الغارات الاسرائيلية في صيف 2006 ترتدي حلة جديدة: ابنية بمواصفات حديثة، مخطط لشوارع اكثر اتساعا، وتجميل للتنظيم المدني... ورشة ضخمة تقدر كلفتها الاجمالية بـ400 مليون دولار، يشرف عليها حزب الله في معقله.
ويثير اعمار الضاحية الجنوبية جدلا سياسيا اذ ينتقد البعض ازدياد نفوذ حزب الله الذي يتهم من جهته الدولة بالتقصير.
في منطقة حارة حريك التي كانت ترزح تحت الركام عند انتهاء الحرب، ترتفع ابنية تدل شرفاتها المرصوفة ولون الطلاء اللماع على ان بناءها انتهى حديثا.
بالقرب منها، ارتفعت اعمدة اساسات لابنية اخرى ينشط فيها عدد كبير من العمال وسط ضجيج جبالات الاسمنت وادوات البناء.
ويقول حسن جشي، المدير العام لمشروع "وعد"، المؤسسة التي انشأها حزب الله لتتولى الاعمار، انه تم بعد حرب تموز/يوليو احصاء "حوالى 1200 مبنى متضرر في الضاحية الجنوبية، بينها 282 مبنى مهدم كليا".
وتتولى "وعد" بناء "241 مبنى مدمر كليا سلمت منها اخيرا عشرين الى اصحابها، بينما اصبح 171 مبنى فوق الارض"، وذلك بعد مرور سنتين ونصف انجزت خلالهما مؤسسة "جهاد البناء" التابعة ايضا للحزب "ترميم 951" مبنى آخر.
ويفترض ان تنتهي عملية الاعمار كاملة خلال سنة ونصف السنة.
ويقول جشي "اننا نبني بمواصفات افضل بكثير من السابق: ابنية مقاومة للزلازل تحترم المعايير البيئية وخالية من المخالفات".
وقد نشأت مؤسسة "وعد" بناء على وعد اطلقه الامين العام لحزب الله حسن نصرالله خلال الحرب للمتضررين.
"المربع الامني" حيث كانت توجد مكاتب الامانة العامة ومؤسسات اخرى تابعة للحزب، ينهض من بين الانقاض. الا ان مكاتب الحزب لن تعود الى هنا، بل ستقتصر الابنية على الشقق السكنية، مع حديقة عامة واسعة "لتجنيب الضاحية الاختناق الذي كانت تعاني منه من قبل"، بحسب ما يقول جشي.
وشهدت الضاحية الجنوبية لبيروت حركات نزوح منها واليها خلال سنوات الحرب الاهلية (1975-1990)، ونمت فيها الابنية كالفطر، غالبا وسط غياب تام للتنظيم المدني وبعيدا عن رقابة القوانين والبلديات.
ثم تحولت مع السنين من منطقة مختلطة الى منطقة ذات كثافة سكانية هائلة غالبية سكانها من الشيعة، والى معقل لحزب الله.
ويقدر جشي الكلفة الاجمالية للاعمار بـ"400 مليون دولار"، لافتا الى ان مساهمة الدولة "اذا استمرت على الوتيرة الحالية، ستشكل حوالى 30% من الكلفة فقط".
في المقابل، يؤكد رئيس الصندوق المركزي للمهجرين التابع لرئاسة مجلس الوزراء فادي عرموني ان الحكومة اللبنانية تسدد قيمة المساعدات التي تعهدت بدفعها تباعا، موضحا ان "الدولة لم تتعهد باعادة الاعمار، بل بدفع تعويضات كما حصل في مراحل مختلفة من الحرب الاهلية اللبنانية في عدد من المناطق".
وبالتالي، فان الفارق بين المبالغ التي يتولى الصندوق المركزي للمهجرين دفعها وتلك التي يطالب بها حزب الله مردها الى ان تعويضات الدولة مبنية على وضع المساكن قبل تدميرها، بينما وضعت وعد "مخططا توجيهيا" تضمن مواصفات مختلفة.
ويشمل المخطط رسما هندسيا جديدا للابنية يضعها على مسافة واحدة من الشارع وتوسيعا للارصفة وللشوارع.
كما تلحظ الخرائط مواقف سيارات لم تكن موجودة ومواصفات للسلامة العامة وآبارا ارتوازية جديدة.
وقال عرموني "ان اتفاقا سياسيا بعد انتهاء الحرب نص على دفع 80 مليون ليرة لبنانية (53 الف دولار تقريبا) لكل شقة سكنية في الضاحية الجنوبية"، كما اضيف مبلغ "خمسين مليون ليرة (33 الف دولار) للاقسام المشتركة في كل مبنى".
وتعادل المبالغ المدفوعة حتى الآن نصف المبلغ المتفق عليه تقريبا. وذكر عرموني ان التحضير جار لتسديد الدفعات الثانية والاخيرة من تعويضات الاعمار.
واوضح ايضا ان الصندوق دفع القسم الاكبر من المبالغ المخصصة للترميم ولم يتبق الا 18 مليار ليرة (12 مليون دولار) من المبلغ الاجمالي البالغ حوالى 129 مليار ليرة (86 مليون دولار).
ومصادر التمويل ثلاثة، بحسب جشي: "مساعدات من دول عربية (المبالغ التي تدفعها الدولة اللبنانية)، ومساعدات عينية عبر اتصالات مباشرة مع وعد، والباقي تتكفل به مؤسسة جهاد البناء".
ولا يفصح حزب الله الذي يملك ترسانة ضخمة من السلاح وشبكة واسعة من المؤسسات الاجتماعية والزراعية والاقتصادية والتربوية عن مصادر تمويله، وان كان الانطباع السائد هو ان مصدرها الجمهورية الاسلامية الايرانية.
وتقول سلام حسون (55 عاما) التي تسلمت شقتها الجديدة في الطابق التاسع من مبنى كان دمر كليا في حارة حريك "الله يحفظ السيد حسن، وعد ووفى".
وتضيف "كنت احلم بفصل الصالون عن غرفة الطعام وبتوسيع المطبخ وهذا ما حققته لي وعد".
ويرى الاستاذ الجامعي والباحث في علم الاجتماع الدكتور احمد البعلبكي ان حزب الله، بمشروعه هذا، "مستفيد من دون شك على صعيد ولاء الناس".
ويضيف "انما كان لا بد من ايجاد جهة قادرة" على تولي العملية، مشيرا الى ان "حزب الله قوي وعنده القدرات البشرية والتنظيمية وولاءات السكان والقدرة المالية".
ويعتبر في المقابل ان المشروع "يؤثر سلبا على الدولة"، الا انه يمضي متسائلا "اين هي هذه الدولة الحلم؟".
ويضيف "قبل حزب الله وقبل الثمانينات وقبل السبعينات كانت هذه الضاحية تنمو عشوائيا. اين كانت مرجعية الدولة؟ كانت المرجعية الحقيقية طائفية غير مسلحة. الآن هي الطائفية المعسكرة".