'يحدث في بغداد' رواية الرواية ومحنة العراق ومثقفيها

رواية موازية

تشكل رواية "يحدثُ في بغداد" للكاتب العراقي د. رسول محمد رسول محنة عراق تحالف على تمزيقه أبناؤه وأشقاؤه بالحرب والخيانة والعمالة، عراق يبحث عن أمل في غد آمن يخرج به من هوة الفناء، وما الرحلة التي يقطعها سعيد الدهان الموظف بوزارة الثقافة أولا بحثا عن فصلين مفقودين من رواية كتبها صديقه الروائي مرهون الشاكر قبيل موته بعنوان "ينحني الصابر للوجع"، وثانيا تحليلا للفصول التي حصل عليها من الرواية بالاشتراك مع زوجته مريم الشبلي، وثالثا مقاربة بين حياة صديقه الروائي مرهون وزوجته نهى الواقعية والحياة المتخيلة بين بطلي رواية "مرهون" (رشيد) و(سهى).

خلال هذه الرحلة نعيش محنة المثقف والمبدع ممثلة في حياة الروائي الراحل جنبا إلى جنب محنة المواطن العادي ممثلة في حياة زوجته، كلاهما قتل، فمرهون قتل بمحنته كمثقف ومبدع ومقتل زوجته الأولى وحبه الأول (فاطمة)، وخيانة نهى زوجته الثانية له، تلك التي منحت روحها وجسدها لشيطانين على خطي نقيض، ضابط الدورية والإرهابي، ورفضها لأن تحمل بذرة شريفة نقية من زوجها المثقف الوطني، كما نعيش محنة "نهى" التي قتلتها الحرب والحصار والديكتاتورية والانهيار المجتمعي قبل أن تفجر جسدها في عملية انتحارية إرهابية.

على الرغم من أن المؤلف صنع رواية موازية أو مقابلة لرواية مرهون، بطلاها سعيد ومريم اللذان يحملان على كاهلهما البحث عن الفصلين المسروقين من رواية مرهون الشاكر ورعاية واحتضان والدته بعد موته والحفاظ على إرث الروائي وطبع أعماله الروائية والنقدية، فإنهما يصنعان حياة تقوم على الحب وتحمل الأمل وتنبت الحياة، أي أننا هنا أمام روايتين تشتركان وتقومان على الشخصيات نفسها؛ رواية للموت وأخرى للحياة، وهو تناقض غريب لا يقل غرابة عن وطن تجتاحه المفخفخات والعمليات الانتحارية والارهابية، فهل هو تناقض المثقف في محنته، إذ لا يكف عن محاولة خلق وولادة غد جديد حتى في ظل وطن يلفظه.

ما يشغل في الرواية حقا هو شخصية "سهى" في رواية مرهون الشاكر، وهل يمكن كما وصل بها تحليل سعيد ومريم لشخصيتها ومقاربتها مع شخصية نهى الزوجة الثانية الواقعية لمرهون، أن تكون مقابلا للوطن الذي ينتهكه حاميه كما ينتهكه الارهابي؟ فقد انتهكت وسرقت حياة نهى الواقعية / سهى المتخيلة من ضابط الدورية والارهابي روحيا وجسديا حتى صارت مسخا مشوها، وقد انتهى بها الحال إلى أن تقوم بعملية انتحارية ليتشظى جسدها ملعونا بقتل الأبرياء؟

على الرغم من أن المؤلف أولى أهمية بالغة لرواية مرهون "ينحني الصابر للوجع"، بدءا من العنوان المأخوذ من قصيدة للشاعر "تراكل"، وانتهاء بالتحليل النقدي الذي جاء على لسان سعيد ومريم، إلا أن شخصيتي رشيد وسهى في هذه الرواية ومقابلتهما بشخصيتي مرهون ونهى، كان أولى بالأهمية، فكلا الشخصيتين وطبقا لحكايات والدة مرهون ثرية بما يكفي العمل عليهما دون الاتكاء على ما كتبه مرهون عن رشيد وسهى بطلي روايته، والدخول في تحليلات طالت في كثير من الأحيان، فنحن لم نر لأبعاد محنة مرهون كمثقف ومبدع وإنسان مع رحيل أخوته وزوجته الأولى فاطمة وأيضا محنته مع أمه ومحنة فقد زوجته الأولى فاطمة، فقد مر بهما المؤلف مرورا ليس عميقا.

أيضا لم يشتغل المؤلف كثيرا على نهى كزوجة ثانية وكيف تطورت الحياة بها مع مرهون، ولماذا كانت ترفضه روحيا وجسديا؟ ولماذا لم يتهم مرهون الشاكر مثقفا وإنسانا؟ لماذا لم يتهم والدة مرهون باعتبارها إرثا اجتماعيا تقليديا ربما رفضته "نهى" أو كانت تحاول الهروب منه؟ تساؤلات كثيرة تحوم حول انحيازات المؤلف الذي منح بطليه سعيد وزوجته مريم والكثير من شخصياته ملامح وأبعاد المثقف والناقد.

الحركتان الثقافية والإعلامية اللتان قدمتهما الرواية كانتا متعاطفتين ومساندتين لرحلة سعيد للحصول على فصلي رواية "مرهون" المفقودين، وهما من يتصديان للأمر ومحاكمة نهي المتهمة بسرقتهما، فأين كانتا من حياة "مرهون" حيا وميتا، إننا نرى صورة مثالية للتعامل مع إرث الكاتب، فبالنهاية يتم إصدار أعماله الكاملة بمقدمة لمريم الشبلي واثنين من كبار النقاد.

أيضا التفاؤل والأمل الذي منحه المؤلف للمستقبل بعلاقة الحب بين سعيد ومريم وكشف مريم لحملهاعقب موت مرهون وولادتها بنهاية الرواية وتسميته للطفل "مرهون" تقديرا وتكريما لمرهون الشاكر الصديق، يبدو مناقضا للواقع الذي ترسمه الرواية للعراق ومناقضا أيضا للواقع الحقيقي للعراق خلال الفترة التي تدور فيها أحداث الرواية وامتداداتها الحالية.

يذكر أن "يحدث في بغداد" صدرت حديثا عن الدار المصرية اللبنانية بالقاهرة في 198 صفحة من القطع المتوسط.