يبدأ الوطن من..

بقلم: ملهم الملائكة

يبدأ الوطن من رحم الأم، ليولد الانسان عراقيا او سوريا، كرديا أم عربيا، يهوديا أم مسلما (وله فيما بعد أن يغير كل ذلك باختياره إن رضيت دوائر الاقامة والجنسية والسفر).
يرفض المتعلقون بالماضي أن يفهموا هذه البديهية البسيطة، فيسمّون العراق امتدادا عربيا، ويريده غيرهم امتدادا تركيا وآخرون يصفوه بالامتداد الايراني. و يريده البعض شيعيا، بينما يريد له آخرون ان يكون سنيا، والمثقفون يريدونه وطنا من نسيج الفردوس، علمانيا، ليبراليا تخالطه رياح الماركسية، وديمقراطيا بحلة القائد الاوحد، رائدا كما كان يحلم الطغاة بالريادة، ومنفتحا على العلوم والافاق كوطن خلق للتو من عجين الأمل والتمني.
يبدأ الوطن حيث يرضى الجميع أن يتشاركوا في خيراته، وحيث يرفض الجميع أن يكبوا نفاياتهم في الرافدين المتعبين، وحيث يعرف الجميع قوانينا تحميهم، وحيث لا يتجاوز اصحاب المحلات على الارصفة، وحيث يطمئن الناس الى أن غدهم سيكون أحسن من يومهم، وحيث يسهر الناس حتى الصباح دون أن يزعجوا جيرانهم ودون وجل من زائر مرعب سيفسد السهرة، وحيث لا تكون الاعراس مناسبة تعرض فيها النسوة اغلى المجوهرات وبازارا يتبارى فيه الرجال لاستعراض اسلحتهم النارية، وحيث لا يرفع الآذان في المساجد باصوات قبيحة (يجب ان يكون صوت المؤذن جميلا ليوقظ الناس في الساعة الرابعة صباحا)، وحيث يلعب الابناء في ساحات خضراء ويلعب الصبيان كرة القدم في ساحاتها دون ان يتلفوا النجيل الاخضر الجميل.
يبدأ الوطن حين لا تكون الفياشة والحماسة والفخر الاهوج دليلنا للكرامة (ولا أدري ما سر تعلق البعض بفياشة صفي الدين الحلي وهو يردد على مدى أجيال "بيض صنائعنا، سود وقائعنا، خضر مرابعنا، حمر مواضينا"، وقد ولى عصر الصفاح البيض والسيوف المرهفات!)، يبدأ الوطن حيث يجد الناس قرب مساكنهم حافلات مريحة نظيفة تقلهم الى اعمالهم وتعيدهم منها دون تدافع وتزاحم، ويبدأ الوطن حيث يتعلم الابناء في مدارسهم ان يحبوا الوطن ويحافظوا على اشجاره وزهوره. يبدأ الوطن حيث يتعلم الجميع أن الحياة ليست سباقا وحشيا في الصحارى والادغال، وأن على الانسان ان يسعى ليجعل حياته مرموقة، وأن التعلم غير الثقافة، وأن الثقافة ليست الادب والفن وحدهما (وهكذا تجد صفحات الثقافة في مجلاتنا وصحفنا مكرسة للادب والفن وكل مثقف يجب أن يتكلم "نحوي")، وأن درس النشيد في مدارس الصغار ليس فرصة لكي تتكلم المعلمة فيها على هاتفها النقال لمدة 45 دقيقة، وأن درس الرسم ليس حصة اختيارية يتاح لأي معلم ان يأخذها ليعطي فيها محاضرة مبكرة في الرياضيات، وأن روضة الاطفال ليست مكانا لتشغيل النساء غير المؤهلات.
يبدأ الوطن حيث ندرك أن اختلاف الرأي فضيلة، وأن الاتفاق في كل شيء رذيلة اسمها "نفاق"، وأن الكمال حلم افلاطوني لم يتوفر عليه أحد على مدى العصور، وأن الخطأ صفة تلازم من يعمل وتفارق العاطلين عن العمل، وأن رجل الشرطة في الشارع مصدر للامان، وأن الجيش مكانه الثكنات ولن نراه الا حين يتعرض الوطن للخطر، وأن البائع يجب ان يتسم بالامانة والا فسد البيع، وأن القضاء جهة يمكن ان يلجأ اليها من سدّت بوجهه السبل، وأن باب الوزير لا يحجبه الف حاجب، وأن السياسة هي فن الممكن على أن لا تجافي الحقيقة.
يبدأ الوطن بعيدا عن العقائد الجاهزة، بعيدا عن التشابه، بعيدا عن الحزن "العراقي الأصيل"، بعيدا عن الشرب لحد السكر والتعتعة، والأكل حد التخمة، والتقتير حد البخل، والاسراف حد الافلاس، بعيدا عن الرشا البغيضة، بعيدا عن الاستفتاء والاستخارة، بعيدا عن مقولة "نحن أحسن الخلق "، بعيدا عن العشيرة التي عادت لتصبح قوة سياسية فاعلة، بعيدا عن المسجد وقد صار منبرا للسياسة في عصر العولمة والانترنت (هل يلزم الناس خطيب يعلمهم أصول التحية والسلام، اذا كان بامكان الجميع ان يتعلموا أرقى المعارف وينالوا أعلى الشهادات في خير و شر جوانب العلم - والأدب- عبر الانترنت؟)
يبدأ الوطن من...
صيفنا اللاهب...عذرا، ربما كنت احلم، وقد افقت توا بعد أن أطفأ "ابراهيم" المولدة وصار البيت ركنا من الجحيم. ملهم الملائكة