يا مفتي لبنان: أخاطبك من موقعٍ مختلف

موقع المفتي ليس ملكاً أسرياً!

منذ ما يقارب الربع قرنٍ شاءت ارادة الله، أن يسقط العلاّمة مفتي الجمهورية الشيخ حسن خالد شهيدًا، ولا أريد أن أدخل في حيثيّات وأجواء الشهيد والشهادة، وقد عشتها وتعايشت معها، وأنا آنذاك وأنت تعلم، أنني كنتُ قريبًا جدًّا من موقع القرار الديني والوطني في دار الفتوى، وعلى أثر الإستشهاد تداول الوسط السياسي والوطني، رئيس مجلس الوزراء، والرؤساء السابقين، والوزراء والنوّاب، وأعضاء المجلس الشرعي الإسلامي الأعلى، وقضاة الشرع والعلماء، والرأي العام أسماءً متعددة، لها وعليها، ولم تكن أنتيا صاحب السماحة من الأسماء المتداولة عند صنّاع القرار، ونتيجةً لعدم التوافق على هذا أو ذاك، من فضلاء العلم والمكانة والإيمان والموقف، ارتأى بعض أصحاب النوايا الطيّبة، أن يكون أمين الفتوى في بيروت، قائمًا مقام مفتي الجمهورية، لحين التوافق بين القوى المحليّة والإقليميّة على مفتي الجمهوريّة المنتظر.

وإختيارك كحلٍّ وسطيّ مؤقّت، لم يكن لتميّزك عن اخوانك العلماء، أو سُبقك أو ألمعيتك، وإنما كان بسبب إنكفائك وإنطوائك، وانزوائك، وأوهام زهدك وصدقك، وإبتعادك عن الأضواء، بحيث أجمعت القوى المتابعة والمتناقضة أن لا لون أو طعم أو رائحة لك، فجاؤوا بك بقرارٍ، من قوى متناقضة، القصد منه ملؤ الفراغِ شكلاً لا مضمونًا، ووهمًا لا حقيقةً.

وتوالت السنوات العجاف على ساحتنا الإسلاميّة والوطنيّة، وهي كثيرة ومتعددة ومتشعبة، لا مجال لذكرها، أو التوقف عندها، فكنت طيّعًا ليّنًا لقوى الأمر الواقع، محليًّا واقليميًّا، فمحوت بدمٍ بارد تاريخ من سبقك، وأحرقت أرشيف وتراث وفتاوى المفتي الشهيد حسن خالد بكلّ تاريخه المشرق الجامع، وفي باحة الحديقة الغنّاء التي غرسها.

وغفر لك البعض أخطاءً وخطايا، لظنّهم بازدياد نسبة الصلاح والتقوى والزهد والالتزام لديك، وتوالت زيارة الوفود والشخصيّات بعلمك وأحيانًا بموافقتك، أو بالإيعاز منك، حتى لا نقول أكثر، لدارة الرئيس الشهيد رفيق الحريري، كلّها مجمعة على ضرورة إملاء فراغ موقع مفتي الجمهوريّة، فإحتضن الرئيس الشهيد هذا التوجّه ومعه وبه وبدعمه ومع الرؤساء السابقين وكبار العلماء، كان الإجماع، لتكون (مفتي للجمهورية).

ومن حقنا أن نسأل، ماذا فعلت، وأين أنت يا سماحة المفتي من هذا الإجماع الإسلامي والوطني، الذي قاده الرئيس رفيق الحريري؟ ليكون بين يديّك قوّةً وعزمًا وصبرًا وتواضعًا وتسامحًا وتجرّدًا،للحفاظ على العقيدة والدور الوطني والإسلامي والعربي، لأبناء الوطن مسلمين ومسيحيين.

فموقع مفتي الجمهوريّة ليس ملكًا أو ارثًا لشخصك أو لأسرتك، وإنما هو رمزٌ لوجود وتاريخ المسلمين في هذا البلد، فبماذا يمكن أن تصف عهدك؟ فأنت ونحن، وغيرك وغيرنا، سننتقل من دار الفناء الى دار البقاء، وعندها ستسأل يا صاحب السماحة عن امانة الإجماع الإسلامي والوطني، وعن كلّ قرارٍ أو موقفٍ أو ظلمٍ أوتعسّفٍ أو تجنٍّ أو انحرافٍ أو هوى مارسته، أو قررته، أو غضضت الطرف عنه، وأدى الى ما نحن فيه من تباعد وتمزّق وتشوّه لدور المؤسسة الدينيّة الإسلامية العريقة (دار الفتوى).

ستسألُ أمام الله تعالى، عن الفرقة التي أحدثتها بين المسلمين، وعن معاداتك لقيادات المسلمين، وكبار علمائهم، وأهل الحلّ والعقد فيهم، ولا شك ستسأل عن الثغرة التي أحدثتها في وحدة الصف الإسلامي، وخاصةً عند أهل السنّة والجماعة، وبذلك أفسحت المجال لقوى محليّة واقليميّة، لاستخدامك من خلال موقعك، لتكون حربةً يطعنُ بها، ومن خلالها الجسد الإسلاميّ المنهك، بفعل تداعي الأكلة المفترسين والحاقدين على قصعةِ المسلمين في لبنان وفي العديد من بلدانهم.

ستسأل يا صاحب السماحة، من الله تعالى، عن تحويل نفسك وموقع الإفتاء لحصان طروادة، لتستخدم بعلمك وبإرادتك وبثمنٍ بخس، ضدّ مصالح المسلمين ودورهم، ووجودهم، بحججٍ واهية، بعدما أبعدت بعناد وعدم تبصّر كلّ المخلصين والمفكرين والمثقفين وأصحاب الإرادات الخيّرة من حولك، الذين واكبوا ودعموا وحصّنوا دار الفتوى، لتكون فعلاً دارًا لكلّ المسلمين واللبنانيين.

ستسأل يوم لا ينفع مالك ولا أبنائك عن فقراء المسلمين وحاجاتهم، وعن طرابلس وشهدائها وجرحاها، وعن عكّار وفقرائها، وعن الجنوب وقراه المبعثرة، وعن صيدا وحصارها، وعن البقاع وأهله، وعن بعلبك وأقضيتها، وعن حزام البؤس في عرسال، والقرى والبلدات الضائعة في جبل لبنان.

ستسأل عن بيروت سيّدة العواصم وعن مؤسساتها، ورجالاتها، وشهدائها وشجعانها، الذين استشهدوا وجرحوا وأهينوا وحوصروا دفاعًا عن عروبتهم الحضاريّة وإسلامهم الصحيح، المستمدّ من كتاب الله وسنّة رسوله.

"والله لو أن شاةً تعثّرت في العراق لخفت أن يسألني الله عنها يوم القيامة، لمّا لم تعبّد لها الطريق يا عمر" ، هل سمعت أو قرأت أو أدركت هذا يا صاحب السماحة؟

المفتي الشهيد الشيخ حسن خالد انتقل قبلك وقبلنا الى دار البقاء، ولم يترك لأسرته عقارًا أو دولارًا أو تومانًا قادمًا من بلاد فارس، هل علمت بذلك؟

ماذا فعلت بالعلماء ومرتبّاتهم ومخصصاتهم وحاجاتهم، سواءٌ في بيروت أو في بقيّة المناطق اللبنانيّة، وعلى وجه الخصوص مساجد وعلماء القرى والبلدات في عكّار وعرسال والمنية والضنيّة والكورة والبترون وقرى العرقوب، وفي مدينة صور وأقضيتها.

ستسأل يا صاحب السماحة، عن ظاهرة التطرّف والجهل وسوء الإدارة والانفلات في المؤسسات الدينيّة والاجتماعيّة، وعن التشوّه الذي أصاب المسلمينودورهم نتيجة خدمتك وتحالفك مع المشروع الإيراني الصفوي، الذي ينخر جسم المسلمين في لبنان وسوريا والعراق واليمن والبحريّن، وحتى في جيبوتي وجزر القمر.

بعد ما يقارب الربع قرن من عهدك المأزوم، الذي سيحتاج العهد الجديد الى سنوات وسنوات، لتصحيح ما أفسدته، ودمرّت الثقة به، هل يمكن لك أن توقف هذا الانحدار، وهذه الفرقة بقرارٍ يسجّل لك لا عليك، فتستجيب لنداء رؤساء الحكومات الحالي والسابقين، والمفتين والقضاة والعلماء، فتستريح وتريح، لعلّ الله تعالى يخفف عنك ما اقترفته من أخطاءٍ وخطايا، بحسن نيّة أو بسوئها، لا فرق لأن النتيجة، كما هو حالنا اليوم.

اللهّم إني قد بلّغت اللهمّ فاشهد

خلدون عريمط

الأمين العام للمجلس الشرعي الإسلامي الأعلى في لبنان