يا لها من خسارة

بقلم: د. هيثم الزبيدي

هبط علينا الخبر كالصاعقة. يا لها من خسارة. فرحيل الحاج احمد الهوني خسارة حقيقية بكل ما تحمله الكلمة من معنى. ليس لاننا خسرنا عميدا حقيقيا للصحافة العربية المهاجرة، بل انسانا ابقى مؤسسته – حلمه مشرعة الابواب للصحفيين والافكار والتجارب. ولاننا ايضا خسرنا شيخا لعشيرة العرب المهاجرين يلجئون اليه وقت الضيق طلبا للنصح والعون والمساندة.
المؤسسات العربية في لندن خليط غريب بين كل ما هو غربي وعربي، الا "العرب العالمية". حين تكون في رحابها تحس انك في وطنك. الحاج الهوني الجالس على رأس طاولة التحرير يجعل الشأن العربي حاضرا امامك: يناقشه معك، ويستأنس برأيك، ويحثك للكتابة عنه. ولا تحس بانك تتعامل مع رئيس تحرير صحيفة كبيرة، بل مع حكيم لا يمر خبر مهما كان دون ان تجد له عنده تعليقا وما يربطه بما قبله وما يمكن ان يجر بعده. وفي الوقت الذي تسمع القصص عن تعالي رؤساء التحرير - الموظفون في مؤسسات يملكها غيرهم - تجد الحاج الهوني متواضعا ودمثا. حتى ان بعض المحررين والعاملين في الصحيفة صاروا يحسون انهم اقرب الى نفس الحاج من اولاده لديه. اذا احتد لسبب ما، فان جملة اللوم التي يوجهها لك فيها كلمات التراضي. ولا اعرف ان محررا او موظفا خرج من لقاء مع الحاج الهوني وهو غير راض. كنا نقبل منه ما كنا نقبله من ابائنا دون احساس بان العلاقة بينه وبيننا هي علاقة بين رئيس ومرؤوس في مهنة صعبة ومعقدة ومليئة بالالغام والمطبات.
عندما تدخل مؤسسة "العرب" فانك تغادرها بقرار شخصي: لتغيير مكان العمل او المهنة. اما عدا ذلك فانت باق، مثلك مثل اولاد الحاج احمد الهوني. وعندما تعمل في مكان اخر، يبقى "الحبل السري" بينك وبين "العرب". تذكر ما تعلمته هناك وما قدمته لها وتذكر اطراءات الحاج الهوني الغامرة وحبه الابوي لمن يعمل معه وثنائه على ما ينجزون. وسرعان ما تدرك ان الصداقات التي كونتها في هذه المؤسسة الابوية هي افضل ما حققته في غربتك. وفي حين تغرق المؤسسات الصحفية العربية الاخرى بالمشاكل والنميمة والتحاسد والصراعات، فان شيئا من هذا لا تجده في "العرب". الحاج الهوني كان ابو الكل وهو الحكم العدل.
اما يده الكريمة فتعطي دون ان تعلم بها اليد الاخرى، ويُسأل عنها العرب المهاجرون الذين تقطعت بهم السبل. فكم من طالب حصل على الماجستير والدكتوراه من منحة قدمها الحاج. وكم من عربي استنجد بالحاج لانقاذه من ازمة مالية ولم يُرد.
صفاته الشخصية الكريمة والابوية هي جزء من صفاته الاخرى. فالحاج الهوني عربي اسلامي بكل ما تعني الكلمة من معنى. هذه هي القيم التي كانت تنعكس كل يوم في صحيفة "العرب". لكن ذلك لم يمنع من ان تكون صحيفته منبرا للدفاع عن حقوق الاقليات الدينية والعرقية في الوطن العربي، ولم يحل دون ان تجد بين المحررين والموظفين، كبارهم وصغارهم، من هو قبطي او ماروني او كردي او امازيغي او شركسي. قلبه الكبير كان رحبا للجميع.
اما مواقفه القومية فكانت ميزة في وقت اصبحت مثل هذه المواقف تهمة. وقف مع قضايا الامة ضد التهديدات التي حاصرتها من كل حدب وصوب. ودفع ثمن هذه المواقف غاليا، لكنه لم يكن يفكر حتى بإظهار اللين. لم يكن مستعدا للتضحية بالثوابت مهما كان السبب. ورغم الحملات التي شنت عليه وعلى صحيفته، وقف شامخا ابدا حتى اخر يوم في حياته.
رحمكم الله ايها الاب والاخ الكبير واسكنكم فسيح جناته. د. هيثم الزبيدي