يا رئيس وزراء العراق.. هكذا داهم الغزاة وعملاؤهم داري

بالساعة العاشرة والنصف من مساء الخميس السابع والعشرين من تشرين الاول/اكتوبر 2006، أخبرني أحد أولادي ان قوة عسكرية أمريكية ضخمة مؤلفة من عدد كبير من عجلات الهمر تتجمع أمام باب بيتنا الكائن في قضاء الهندية- حي الضباط - على الشارع العام الذي يربط محافظتي بابل وكربلاء.
خرجت لاستطلع الامر، فأشار لي الجندي الجالس على الرشاشة في اعلى احدى العجلات بالدخول. ولما تجاهلت اشارته استخدم مصباحا يدويا، ثم صرخ بي باللغة الانكليزية. دخلت لأنني اعرف مدى استهتارهم واجرامهم، وانه مخول بإطلاق النار وقتلي وليس ثمة من يقول له "على عينك حاجب" كما يقول المثل العراقي فثمة حصانة تمنع أي كان من ملاحقته.
وقبل أن اخطو خمس خطوات في مدخل الدار، واذا بالباب الخارجية وهي باب حديد ضخمة، تفتح بشكل فض، أعقب ذلك اقتحام عشرات الجنود المدججين بالاسلحة من قمم رؤوسهم حتى اخامص أقدامهم. سحبني أحدهم وطرحني أرضا وهو يصرخ بي بلهجة عراقية (لهجته تدل على انه من محافظة بابل أو كربلاء بلا شك) "إمتد على بطنك..ضع يديك على ظهرك". كان بسن ابني (مع الفارق الكبير بينه وبين ابني). وجه فوهة البندقية (الكلاشنكوف) نحو رأسي وهو يصرخ كما يصرخ الامريكان: وجهك نحو الارض. يشهد الله انني سألته "الست عراقيا؟" فصرخ بي "اسكت" وكأنه يرفض ان يوصف بالعراقية، ربما حسبها سبة.
مع انهم لم يقيدوا يدي الا أنهم قيدوا أيادي ولدي (احدهما في الصف السادس العلمي والاخر في الثالث المتوسط) وكذلك زوج ابنتي (جاء لزيارتنا لمناسبة العيد). وكان جندي من العراقيين الذين ارتضوا لانفسهم ان يكونوا خدما للامريكان يوجه فوهة بندقيته نحو رأس كل منهم. كنت ارى اعدادا غفيرة من الغزاة يدنسون داري، ومعهم أعداد كبيرة من العملاء الذين لا أجد وصفا يليق بهم غير خسيسين.
لم أكن اعرف بما يجري داخل داري لأنني منبطح قريب من الباب الخارجي. كنت أسمع زوج ابنتي يكلمهم بالانكليزية (فهو خريج كلية الاداب قسم اللغة الانكليزية). وكان الامريكي يصرخ به. ويحاول العراقي أن ينال نصيبه من الصراخ فيقول له "إنجب-أي اخرس" مع ان الامريكي كان يكلمه وكان كل منهما يفهم الاخر، ولكن صاحبنا أبت عليه عمالته الا ان يشارك في توجيه الاهانات. قالت ابنتي الصغرى وهي في الصف الخامس العلمي لأحد العراقيين الاشاوس "الا تخجل من عملك وأنت عراقي، تداهم بيوت الامنين." فصرخ بها "إنجبي [أخرسي] يا قليلة الادب"، فقالت له "انجب أنت يا عديم الادب والوطنية".
كانت زوجتي وإبنتي الكبرى (طالبة في كلية التربية) مذعورتين لهول المفاجأة. تكلم أحد العملاء مع سيده عبر جهاز اللاسلكي باللغة العربية، سمعته يقول له "نحن داخل الدار هل آمر بإدخال بقية المفارز". لم أسمع الرد ولكن يبدو انه لم يستحسن الفكرة لأن الجنود الامريكان والذين يصعب علي تسميتهم عراقيين كانوا ممن كان داخل داري بحدود ثلاثين جنديا.
ثم دخل شخص اظنه ضابطا، قال لي ما هي مهنتك؟ فقلت له "أنا بفضل الجماعة عاطل عن العمل" لم يتوسع في الاسئلة، فلربما يعرف مهنتي الحقيقية. بعد قليل حظر آخر فقال لي "بم تكنى؟" فقلت له "كنيتي هي: أبو براق" وأظنه يعرفني. إذ انه على ما أعتقد صرف الجندي الذي كان يوجه بندقيته نحو رأسي. بعد زمن خلته دهرا غادر الجميع وقد فكوا القيود عن ايدي ولديّ وزوج ابنتي، وسمحوا لي بأن أنهض. وغادروا دون أن أعرف ما أحدثوا داخل الدار. طلبت من أهلي أن يتفقدوا مذخراتهم فالمعروف ان المداهمات عادة ما تصاحبها سرقات، فقالوا لي انهم لم يفقدوا شيئا، ولكنهم سألوا عن السلاح، فأخرجت لهم زوجتي بندقية هوائية لصيد العصافير يلهو بها ابني الصغير. تركوها في مكانها بعد أن تأكدوا من أنها لعبة للاطفال.
هكذا تريدوننا يا رئيس وزراء العراق العظيم نحب أبناءكم الابطال الغيارى من "جنود أو شرطة (لا أدري)" ممن باعوا وطنهم وضمائرهم للغزاة، واستطابوا مداهمة دور الامنين من دون سبب ولا مبرر؟ ترى من يحمي الابرياء من طيش وعهر الجنود الغزاة اذا كان الجنود والضباط العراقيون تحركهم اشارت أصابع الغزاة ويأتمرون بأوامر جندي جاء يستمتع باذلال العراقيين، فاذا رأى الاجنبي فِْعل شيء ما فما عليه الا أن يأمر الاشاوس من الجنود العراقيين بالقيام به، فينفذونه بحماس يفوق حماس الغزاة الامريكان؟ حسن عبيد عيسى