يا أهل الإعلام.. دقيقة سكوت لله!

في يناير وما تلاه من الشهور الأولى لعام 2011 اندلعت فورات الربيع العربي في انحاء الوطن العربي. وحد هتاف الشعب يريد إسقاط النظام الدول والشعوب العربية في إنتفاضاتهم ضد الديكتاتورية مطالبين بمزيد من الديموقراطية والحرية واحترام حقوق الإنسان.

في مصر كان ميدان التحرير يزأر "أرحل يعني امشي.. انت مبتفهمشي" و"مش حنمشي هو يمشي" في اشارة إلى ضرورة إرغام الرئيس الأسبق حسني مبارك على ترك منصبه. والحقيقة التي ادركها المصريون والسوريون والليبيون والعراقيون واليمنيون أن السبب الرئيسي والعامل الحاسم في إسقاط الأنظمة العربية أو اهتزازها هو الإعلام وبالذات الفضائيات وعلى رأسها قناة الجزيرة القطرية التي أشعلت النار في الهشيم من المحيط للخليج.

من يومها شعر الإعلاميون والتليفزيونيون أنهم أقوى من الأنظمة والحكام وانهم يستطيعون هز العروش وتحريك الشعوب. عاش الإعلام حلم القوة، وعاشت الشعوب وهم التغيير. عرف الإثنان أنهما يستطيعان قلب أنظمة الحكم والسعي نحو الافضل.

ولا ننكر أن الجماهير صدقت هذا الصندوق الساحر الذي أصبح كائنا فضائيا اسمه التليفزيون. صرنا نجلس إليه مسلوبي الإرادة وغائبي العقل نردد ما يقوله الضيوف والمذيعون الذين كانوا في قمة التجلي والإنبهار بما اسموه الربيع العربي الذي أصبح في واقع الأمر خريفا مملوءا بأعاصير ورعد وبرق.

لقد تصور الناس أن طريق تحقيق الأحلام في عيش وحرية وعدالة إجتماعية يبدأ من الإعلام. لكن الحال انقلب وتحول إعجاب الناس بالإعلام إلى سخط وتذمر وتبرم. فبعد أن كنا نطالب بتحسين العيش صرنا نرجو توفر العيش. لقد رأى الناس ما فعلته الحرية بالوطن العربي وشعوبه فصاروا ينشدون تقليص الحرية قدر المستطاع.

فجأة وجد الناس أنفسهم يلعنون الفضائيات التي صنعت الفورات العربية وبما يسمى بالربيع العربي. الشعوب بعد أن ذاقت الويل من الثورات وما أضافته عليها من أثقال وتبعات وسلبيات بالإضافة لأخطار التقسيم في الوطن العربي التي تفرضها جماعات متطرفة مسلحة مثل داعش والقاعدة والنصرة وكلها للأسف خرجت من رحم الثورات العربية.

فالشعب ورغم أن بعضه كان من البصيرة ما مكنه من رؤية ما ستؤول إليه الثورات، إلا أنه لم يكن ليجرؤ على المجاهرة بما يرى. واليوم، وبعد ما تحولت بلدان الربيع إلى زلازل، وبلغ الكوكتيل الثوري مداه من أشباح تقسيم، إلى بذور حروب أهلية، ومنها إلى أراض فوضوية تحكمها قواعد القتل المحكومة بتفسيرات قاصرة للدين تستخدم سلاح الإخوان تارة، وتهديد الدواعش تارة، ومولوتوف الدين دائما، أيقن الشعب أن ليس كل ما يلمع ذهبا وليس كل من يهتف "الشعب يريد إسقاط النظام" ثوري، وليس كل ما يتغير ينجم عنه بالضرورة حياة أفضل أو فرصا أنقى أو كرامة إنسانية أعتى، بل العكس هو الصحيح، على الأقل في النسخة العربية من ثورات الحرية.

بدأت الأصوات المحرجة تجاهر. بعضهم يعتبر ان ما حرقته الثورات ينفخ في الأنظمة الجديدة. وبعضهم الاخر يرفع شعار "ليس في أو الإمكان أسوأ مما كان" حيث يشعر بإن الأسوأ مضى والقادم بقدر ضبابيته أفضل. وفريق ثالث يؤمن بمبدأ "ليس لدي ما أخسره". والنتيجة في كل الأحوال هي أن الشعب يطالب حاليا إما بتكميم الإعلام، أو تطويقه وتقليص حرياته، أو بإخراسه كلية. ولا يعكس ذلك إلا شعورا شعبيا كان مكتوبا وبات مسموعا بأن القنوات التليفزيونية لعبت دور "البطولة شبه المطلقة" في تجميل نظريات التغيير دون النظر إلى الأرضيات العربية البالغة الهشاشة والجماعات الدينية البالغة التنظيم والجاهزية للإنقضاض، فعجلت بسقوط السيء، ليأتي الأسوأ من دون عناء يذكر. وبعدما كانت التعليقات الشعبية والشكاوي الوطنية تدور في إطار انتقاد غياب الحرية باتت المشاعر الوطنية مجيشة ضد الحرية ومهيأة لدور الرقيب.