ياير دلال، يهودي الدين عربي الموسيقى

بقلم: مازن المنصور
للسلام الحن واعزف

أرض الرافدين او أرض ما بين النهرين، هذه التسمية أطلقها اليونانيون القدماء على البلاد التي يحدها نهر دجلة والفرات وهي عراق اليوم حيث ازدهرت أعظم حضارات العالم فيها. ومن أهم تلك الحضارات هي الحضارة السومرية إذ بدأ أول اختراع للكتابة التصويرية 3000 عام قبل
الميلاد وبدأ تطور الكتابة من استعمال الصور الى استعمال الأنماط المنحوتة بالمسامير والتي تعرف بالكتابة المسمارية والكتابة السومرية لاتمت بصلة الى أي لغة معاصرة. العراقيون الاوائل هم من أكتشف الزراعة والكتابة وعلوم الرياضيات والفلك وبنو أول مجتمع سياسي منظم (دول المدن السومرية). وكذلك سن أول قانون منظم للحياة الاجتماعية المتمثل بقانون حمورابي وأسسوا نظاماً شاملاً للدين شكل أساس الديانات الرئيسية الثلاث وأول كتاب مقدس (ملحمة الخليقة البابلية) لديانة عالمية شكلت مصدراً رئيساً للديانة اليهودية. وبناة هذه الحضارة هم السومريون أصل العراقيين وأجداد إبراهيم الخليل الآب الأكبر لليهود وللمسيحيين وللعرب. كما بنو الزقورات (زقورة أور وزقورة دوركاريكالزو) كأماكن للعبادة التي صارت قبلة أنظار الناس ومنها أستلهم المصريون أهراماتهم وهياكلهم الاولى.
وكان لعلوم الموسيقى التي اشتهرت بها المدن السومرية حظا كبيرا. اذ بدأت التنقيبات الأثرية في أ ور من قبل علماء الآثار البريطانيين عام 1918 وجدوا في مدفن زوجة ملك أور الملكة شبعاد مجموعة من العازفين مع 11 قيثارة ووجدوا قيثارة كبيرة مكونة من 30 وتراً وهي القيثارة السومرية وعليه فأن الحضارات اللاحقة قد أخذت معظم العلوم ومنها الموسيقية من حضارة وادي الرافدين العريقة.
في مقالي هذا أرغب أن ا تحدث عن موسيقار عراقي يهودي جذوره ومنبعه من بابل، وأنا على يقين ستردني رسائل تحمل في طياتها عبارات لا تنسجم مع اي وعي مدني كما وصلتني رسائل سابقاً لا تمت بصلة الحوار التاريخي على الاقل بصدد مقالي السابق عن تاريخ اليهود قي موسيقى العراق.
الموسيقار العراقي اليهودي ياير دلال Yair Dalal يهودي الدين، عراقي الوطن، عربي الثقافة، وهذا ما نلمسه من خلال موسيقاه وثقافته، وهو ناشط سلام ويغني للسلام والمحبة وملحن وعازف كمان وعود، هاجرت عائلته من بغداد الى إسرائيل في الخمسينات. ولد في إسرائيل عام 1955 ولقد اهتم منذ طفولته بالموسيقى اليهودية والعربية والشرقية التقليدية، وهو من الملهمين بالصحراء ورمالها، وموسيقاه تغطي مساحة واسعة ومتنوعة من الثقافة الفنية والموسيقية حيث نسمع في موسيقاه صلته القوية في الصحراء ويغلب على موسيقاه طابع الموسيقى العراقية اليهودية الكلاسيكية حيث طابع التقاليد البابلية التي تشبع بها. وهو يعتبر من القلة من الموسيقيين العراقيين الذين يحفظون ويصونون التراث الموسيقي البابلي. تعلَّم الموسيقى وأستمد مهارته الموسيقية من تقاليد الموسيقى العراقية. وفي موسيقاه نجد تقليداً موسيقياً للعربية واليهودية الموسيقية وبالاخص المقام العراقي والموشحات الآندلسية الى ذلك تأثره بالصحراء وكذلك معيشته في مجتمع متعدد الثقافات مما أتاح له موهبة نبعت من هذا الخليط النادر الذي يدمج هذه الاتجاهات المتعارضة في أغلب الأحيان.
في موسيقى ياير دلال نعثر على خلق موسيقي منبعه ارتباط شرقية بالموسيقى العراقية البابلية مع تأثيرات موسيقى البيئات الثقافية المتنوعة من ثقافة البلقان الى ثقافة الهند. لقد أشبع فنه بكنوز موسيقية والتراث الثقافي العريق حيث تتفاوت مهارته الموسيقية من الموسيقى الأوربية الكلاسيكية الى موسيقى الجاز والروك. ويعتبر كأحد ممثلين الموسيقى اليهودية العربية من العراق وقام بتطوير هذه الموسيقى النادرة، في موسيقاه ايضا نجد مزيجاً نادراً من الغربي والشرقي والعربي واليهودي التقليدي والحديث.
أشتهرت فرقة ياير دلال الموسيقية (Alol) من خلال عازفيها الذين لديهم خبرة كبيرة وخلفيات موسيقية مختلفة حيث يعزفون على آلات موسيقية من الشرق الأوسط وأسيا مثل آلة السيتار والطبلة والفلوت والكلارنيت. كما ادخلوا أنماطا موسيقية عراقية، مغربية، فارسية وحتى الغناء البدوي الصحراوي الذي في نظر اليه دلال على انه امتداد وأتساع كامتداد الأفق وانبساط الآرض. ومن خلال موسيقاهم وتركيبهم الفنية تجسد المجموعة روح الشرق الأوسط وهم مثال رفيع من الفنانين الذي تتجاوز موسيقاهم فناً وسياسة للترويج لفهم السلام والمحبة.
الفنان ياير دلال ناشط سلام ويغني للسلام والمحبة من خلال موسيقاه وكلمات أغانيه تكرس موهبته الى إلغاء الموانع الأيديولوجية بين الناس وبشكل خاص بين العرب واليهود.
ومن خلال نشاطاته الموسيقية والاجتماعية تكونت عدة مشاريع مع الموسيقيين الفلسطينيين وكذلك من خلال موسيقاه يكرس وقته للسلام لازالة الموا نع الأيديولوجية بين الموسيقيين من الثقافات المختلفة وهو ناشط سلام في كل الوسائل أضافة الى مساعيه الموسيقية.
في احتفالية جائزة نوبل للسلام عام 1994 في اوسلو قدم أغنيته السلام - شالوم مع الأطفال الاسرائيليين والفلسطينيين معاً امام رئيس الوزراء الإسرائيلي آنذاك اسحاق رابين ووزير الخارجية شمعون بيريز والرئيس الفلسطيني ياسر عرفات. وكانت موسيقاه تصدح في مؤتمر البحر المتوسط للموسيقى ضد العنصرية والحرب.
رشح الموسيقار ياير دلال من قبل هيئة الاذاعة البريطانية BBC لجائزة الموسيقى العالمية لعام 2002 كأفضل موسيقار في الشرق الأوسط واعتبر من أكثر الموسيقيين اليهود العراقيين أنتاجاً موسيقياً. وخلال العقد الماضي الف تسعة ألبومات كذلك في موسيقاه أصداء الموسيقى العراقية التقليدية. يغني بثلاث لغات أرامية، عبرية، عربية وشارك في كثير من المهرجانات العالمية وأقام العديد من الأمسيات الفنية في البلدان العربية مثل الاردن، واشترك مع فنانين عالميين وفرق عالمية مشهورة مثل الفنان (Zubin Mehta ) وكذلك مع أوركسترا أوسلو المحبة للموسيقى ومع فرقة Gliscapoli)) ومع أرماند عمر من فرنسا، وموريس المديوني من الجزائر، وحمزة الدين من مصر وكذلك مع رحيم الحاج عازف العود العراقي الاصل من بغداد وشخصيات فنية وعالمية أخرى.
يقول دائماً اليهود والعرب لهم نفس الجذور ونحن أخوة ويجب أن نحسن التصرف مثل الأخوة.
ويحاضر دلال في الاكاديميات الموسيقية والجامعات في خارج أسرائيل وداخلها وكذلك يحاضر عن موسيقى المسرح. مازن المنصور www.mazenguitar.com