يانغ قويبينع: 35000 موقع إسلامي في الصين 

كتاب "الفن الإسلامي في الصين" يرصد تجليات العمارة الإسلامية بالروح الصينية كاشفا عن عمائر دينية إسلامية متباينة الوظائف والتخطيط والخصائص.


المسلمون يشكلون أحد المكونات الديموغرافية للصين


مدخل ممتاز لدراسة الفنون والعمارة الإسلامية في الصين


مساجد وخانقاوات وقباب ومزارات متناثرة في كافة أجزاء البلاد التي يقطنها المسلمون


المسلمون السنة يمثلون أكثر من 90% من المسلمين الصينيين، بينما لا تتجاوز أعداد الشيعة منهم نسبة 1.3%

ظهر المسلمون في الصين منذ فترة مبكرة في القرن الأول الهجري، السابع الميلادي بفضل التجار المسلمين من العرب والفرس، ومع مرور الأزمان أصبح المسلمون يشكلون أحد المكونات الديموغرافية للصين، وعلى مدار أربعة عشر قرنًا - أي تاريخ الإسلام في الصين - وحتى الآن شكل المسلمون مكونًا من تاريخ وحضارة الصين، واصطبغت ثقافة المسلمين وحياتهم ونتاجهم المادي بكافة صوره بصبغة متأثرة بقوة بالثقافة الصينية التقليدية. 
ونتج عن ذلك وجود الكثير من الآثار الإسلامية التاريخية سعى هذا الكتاب "الفن الإسلامي في الصين" للمؤرخ الصيني يانغ قويبينع، إلى رصد تجليات العمارة الإسلامية بالروح الصينية كاشفا عن عمائر دينية إسلامية متباينة الوظائف والتخطيط والخصائص، وتحف منقولة حملت طابع الثقافة الإسلامية من خزف ومعادن وغيرها، فضلاً عن عدد معتبر من الوثائق والمخطوطات والكتابات والنقوش باللغات العربية والفارسية والصينية تعكس تاريخ الوجود الإسلامي في الصين وسماته: وتمثل - في معظم الحالات - نموذجًا رائعًا لدمج الثقافتين الإسلامية والصينية.
يتميز الكتاب الذي ترجمه أحمد أمين عن الإنجليزية بترجمة مين تشانغ، بالعرض الشمولي الأفقي لحضور المسلمين في الصين، وآثارهم المعمارية والفنية، والشعائر الإسلامية، وهو مزود بعديد من الصور الملونة الداعمة لفكرته ومضمونه، ويعد مدخلا ممتازًا لدراسة الفنون والعمارة الإسلامية في الصين. 

تاريخ الوجود الإسلامي في الصين وسماته
نموذج رائع لدمج الثقافتين

يشير المؤلف إلى أن الصين الآن تحوي نحو 35000 موقع إسلامي، تتضمن المساجد، والخانقاوات، والقباب، والمزارات. وهي متناثرة في كافة أجزاء البلاد التي يقطنها المسلمون. ويدير كل موقع إسلامي، من هذه المواقع، لجنة إدارية منتخبة من المجتمع المسلم المحلي، حيث يوجد ما يزيد على 40000 شخص من رجال الدين في كافة بقاع الصين، ومنهم الأئمة، والموالي، وهم يتمتعون بثقافة إسلامية عالية، ويكونون مسئولين عن الفعاليات الدينية. 
ومن بين هؤلاء يتم انتخاب عدد معتبر كأعضاء بالمؤتمر الشعبي، والمؤتمر الاستشاري السياسي الشعبي على كافة المستويات. وهم يشاركون بشكل فعال في الشئون السياسية، كما يحظون بمكانة اجتماعية مرموقة. يزيد عدد الجمعيات الإسلامية عن 400 جمعية في جميع أرجاء البلاد، تتدرج من المستوى القومي، وحتى أبسط الكيانات. ويوجد ثلاثة عشر مركزًا إسلاميًا في بكين، وينشوان، ولانتشو، وشينينغ، وأورومتشي وكونمينغ، وتشنغشو، وتشنيانغ وبعض المدن الأخرى. وينتشر التعليم المسجدي في كل مكان كتقليد متوارث لتعليم أمور الدين للأجيال الجديدة.
ويضيف أن المسلمين السنة يمثلون أكثر من 90% من المسلمين الصينيين، بينما لا تتجاوز أعداد الشيعة منهم نسبة 1.3% وثمة تأثير جدير بالاعتبار للصوفية على المسلمين بالمنطقة الشمالية الغربية، ولا تزال توجد في الصين بعض الفرق والجماعات المحلية الوافدة مثل القديم "الأحناف"، والإخوان، وشي داو تانغ "معروفة أيضاً باسم الخانقاه الغربية"، والسلفية. وجميع هذه الفرق والجماعات على علاقة طيبة فيما بينها بشكل دائم، يتعايشون مع بعضهم البعض بسلام، وبينهم احترام متبادل. كما يحظى المسلمون كذلك بعلاقات طيبة بينهم وبين أتباع الديانات الأخرى.
ويرى المؤلف أن عمارة طراز القصور الصينية استخدمت على نطاق واسع في بناء المساجد، والأضرحة، والخانقاوات. ويتكون كل بناء على حدة من ثلاثة أجزاء: الأساسات، والقاعة، والسقف. وتدلل الأساسات السميكة، والقاعة الفسيحة، والسقف المائل على جمال العمارة الصينية. يكون إنشاء بيت الصلاة عادة من الخشب، بأعمدة خشبية، وكذلك الروابط العرضية المتقاطعة خشبية. تمثل الـ "دوو جونغ" تعني: الأقواس الخشبية المتشابكة، تقنية إنشائية تتمثل في أقواس خشبية تتدرج بين قمة العمود والرابط الخشب بهدف تخفيف قوة الضغط عليها، كما تمثل عنصرا زخرفيا في الوقت نفسه. ويمثل السقف ذو الأفاريز المعلقة أحد أكثر السمات المميزة للعمارة الصينية.

ويقول "يتم تصميم سقف بيت الصلاة في كافة المساجد بشكل جيد، وتأتي زخرفته بإتقان ومهارة شديدتين. تتكون عادة واجهة بيت الصلاة من أعمدة خشبية ثابتة، وبدلا من الجدران شغلت بنوافذ منفذة بحرفية عالية. وقد عبر المسلمون بحماس عن حبهم وإيمانهم بالله سبحانه وتعالى عبر تزيين بيت الصلاة والمحراب بالكتابات العربية، والعناصر النباتية والزخارف الهندسية. أما التسمية، والكلمة الطيبة، وأسماء الله سبحانه وتعالى التسعة والتسعين فقد تم حفرها أو نقشها على الجدران، والروابط والأعمدة. داخل المسجد، وبصفة خاصة داخل بيت الصلاة، ممنوع استخدام أي نوع من أنواع الصور في التزيين سواء بالتصوير أو النحت. فقد حرص المسلمون على الالتزام بشكل صارم بتعاليم الإسلام. فهم يؤمنون بوحدانية الله المطلقة، ووفق اعتقادهم فإن الله هو الإله الأحد، ليس كمثله شيء، ولذلك فهم يستخدمون فقط الكتابات القرآنية، والزخارف النباتية، والرسوم الهندسية لتزيين بيت الصلاة، والملحقات التي يستخدمونها، حتى إن الزخارف الحيوانية المنحوتة على إزار سقف بيت الصلاة تم تحويرها عن عمد، فجاءت غفلًا من العيون، مقتصرة على تهشيرات خطية داخلها.
ويؤكد المؤلف أن العمارة الصينية الإسلامية هي الأكثر إبداعا وخروجًا عن المألوف من بين طرز العمارة الإسلامية في العالم من حيث بعد توظيف الألون، حيث لم يقتصر استخدام اللون الأحمر الساطع على الإنشاءات الرئيسية، بل امتد كذلك ليشمل الجدران، والاعمدة، والنوافذ. واستخدمت الزخارف متعددة الألوان لتزيين الوحدات الإنشائية الخشبية، حيث توجد قاعدة فنية تم التقيد بها في تنفيذ أعمال الزخارف بشكل صارم، فزخرفت الأفاريز بزخارف متعددة الألوان، بينما احتفظت عوارض الأبواب والنوافذ، وتيجان الأعمدة، والجدران بألوانها الأصلية. ويتم زخرفة أسطح الخشب بنقاط خضراء داكنة، تنعكس مع زخارف نباتية متعددة الألوان. ويغطي السقف ببلاطات مزججة أحادية اللون، لتضفي على بيت الصلاة صبغة أكثر مهابة وقدسية.  الخطان يتعانقان
ويلفت إلى حواف إزارات الأسقف، والبلاطات، والأبواب، والنوافذ، وعضادات الأبواب، يتم تصنيعها وفق نماذج مختلفة، وتزيينها بتصاميم جذابة. وتمثل البلاطات المزججة، والطلاء، والنقوش الخشبية، والآجر المنحوت، والمنحوتات الحجرية، العناصر الدالة على الزخرفة المعمارية الصينية. وترتبط المنشآت الإسلامية كالمسجد، والقبة، والخانقاة، والمزار، والضريح بشكل وثيق بالحياة الروحية للمسلمين الصينيين، حيث يواظب المسلمون على الصلاة وقراءة القرآن الكريم تعبيرا عن إيمانهم وعواطفهم، حيث ينعمون بسعادة روحية وطمأنينة عندما ينهون شعائرهم الدينية.
ويثني المؤلف على ما شيده المسلمون في الصين مساجد رائعة، ويرى أنهم شيدوا أيضا خانقاوات وقباب ومزارات وأضرحة فخمة، فقد بنى المسلمون، في بكين والمنطقة الساحلية في جنوب شرق الصين، مقابر شريفة لتخليد ذكر الأولياء الذين أدخلوا الإسلام إلى الصين في الفترات المبكرة، فنجد في مسجد نيوجيه في بكين، مقبرتين مدفونًا فيهما شيخان قدما إلى الصين من آسيا الوسطى، ويقال إن الصحابي سعد بن أبي وقاص، مدفون في مقبرة خارج مدينة قوانغتشو. وهو واحد من الأولياء الأوائل الذين أدخلوا الإسلام إلى الصين.
ويوضح "بنيت مقبرة لينغشان الشريفة في مدينة تشوانتشو، بمقاطعة فوجيان، لحكماء من الجزيرة العربية. هذا فضلًا عن مقبرة بهاء الدين، في يانغتشو، وجبانة الهوي في مدينة هانغتشو، ومقبرة ليو تشي في ناتجينغ. يأتي المسلمون في كثير من الأحيان لزيارة هذه المقابر الشريفة، وقراءة القرآن الكريم، ويعبرون عن حبهم وتقديرهم للسلف الصالح.
ويشير المؤلف إلى أن الصوفية ظهرت في المناطق التي يسكنها المسلمون في شمال غرب الصين، مثل قانسو وتشينغهاي، ونينغشيا، وذلك خلال عصري أسرتي مينغ وتشينغ "في الفترة من القرن الرابع عشر الميلادي وحتى القرن العشرين"، وظهرت مجموعات متعددة من الطرق الصوفية في الصين، مثل الخفية، والجهرية، والكبروية، والقادرية. ولكل طريقة صوفية خانقاه كبيرة، وقبة ضخمة، إضافة إلى عديد من المنشآت الرائعة ذات الهندسة المعمارية الفريدة، التي تعكس بقوة سمات العمارة الصينية. الخانقاه والقبة تمثلان مركزين للوعظ والتعليم، كما يعدان أيضا مكانين مهمين للشعائر الدينية.
ويقول "يوجد عديد من المزارات والأضرحة الرائعة في جنوب شينجيانغ حيث يعيش الويغور، والمزار هو المقبرة التي يدفن فيها الأولياء، أي الذين يعود نسبهم إلي النبي، أو شيوخ الطرق الصوفية، أو أولئك الذين أسهموا بنصيب وافر في تاريخ الإسلام. حتى إنه يشار إلى بعض المزارات باعتبارها وسيطًا". 
ويؤكد المؤلف أن العمارة وفن الخط يمثلان ركيزتي الفن الإسلامي. ويعد فن الخط العربي هو ذلك الفن الذي يجسد الجمال سواء في الخطوط أو تصميمات الكتابات. يحظى فن الخط العربي بعديد من أنواع الخطوط المستخدمة في الكتابات مثل الكوفي، والثلث، والنسخ، والفارسي، والخط المضفور، والخط التاجي، والخط المغربي، إلخ. ولكل نوع من هذه الخطوط سماته الخاصة ومظهره الفريد. وقد ورث الخط الإسلامي الصيني جوهر فن الخط العربي، كما أنه يحمل في الوقت نفسه خصائص صينية متميزة، فقد احتفظ من ناحية، بالأشكال الفنية لفن الخط العربي، ومن ناحية أخرى، أقر استخدام الرموز الصينية والخط الصيني. 

الدين الصحيح
العمارة الإسلامية في الصين

ويرى أن الرموز الصينية استخدمت أحيانا في الكتابات الخطية لشرح العقيدة والفلسفة الإسلامية، وأحيانًا أخرى يتم اعتماد صيغة تجمع بين الحروف العربية والرموز الصينية لإظهار سحر الفن الإسلامي. استخدم المسلمون الصينيون الخط العربي على نطاق واسع في العمارة الإسلامية، مثل المساجد، والخانقاوات، والقباب، والمزارات والأضرحة. واستخدم كذلك في المنحوتات في الآجر، والمنحوتات الحجرية والمنحوتات الخشبية، وأيضا في الرسوم على الخزف. اللوحات والأشرطة الأفقية والحشوات الكتابية الثنائية تعتبر عناصر زخرفية رئيسية في العمارة الصينية. وتم استخدامها على نطاق واسع في المساجد، والخانقاوات والقباب، لتضفي صبغة ثقافية قوية على العمارة الإسلامية الصينية، ففي المساجد، خاصة تلك التي بنيت خلال عصري أسرتي مينغ وتشينغ، استخدمت على نطاق واسع الحشوات الكتابية المكتوبة بالحروف الصينية لشرح العقيدة والفلسفة الإسلامية. ويعكس هذا في الواقع الدمج التام بين الثقافتين الصينية والعربية. 
الكتابات المكتوبة بالأحرف الصينية ثرية جدا في مضمونها، وتمثل إما شرح جوهر عقيدة الإسلام، مثل: "لا إله إلا الله"، و"استقم على طريق الإسلام"، وإما اقتفاء أثر أصول الإسلام، مثل: "الدين الصحيح".