ياسمينة صالح: عندما نخاف، لا معنى للحياة

الجزائر - من محمد اللمداني

ليس من السهل الحديث مع الأديبة ياسمينة صالح ، والتي تسير بخطى ثابتة وواثقة نحو النجاح، بعد أن أكدت وجودها في الساحة الأدبية الجزائرية من خلال حصولها على جائزة مالك حداد على روايتها بحر الصمت.
فالحديث إليها يحتاج إلى مجهودات كبيرة و سعي أكبر لأنها تعيش وضعا خاصا فرضته على نفسها، حيث أنها لا تحتك بالطبقة المثقفة، وإضافة إلى كل ذلك فهي قليلة الكلام، وأجوبتها مقتضبة.
تحدثت إليها واستطعت أن أكسر بعضا من طقوسها، فكان هذا الحوار. س- كيف بدأت ياسمينة الكتابة؟ ج- على الجدران. س- هل معنى ذلك أنك من عائلة فقيرة؟ ج- 90 بالمائة من العائلات الجزائرية تحت الصفر ،لكنها كادحة بالمعنى الجمالي للكلمة. س- أحكامك قاسية؟ ج- ربما واقعية ،إذا كانت القسوة عمل أدبي ،فأحيانا القسوة جيدة. س- إجاباتك مقتضبة ،على عكس الأدباء؟ ج- لأني أقول أشيائي الأدبية. س- ماذا بعد الكتابة على الجدران؟ ج- الكتابة على جدران البيت امتدت إلى الكتابة على جدران الحي، وأنا اعتبر أن الكتابة على الجدران هي انتفاضات صغيرة، خاصة عندما تكون مؤكدة بمطاردات من الوالدة، و كتابتي في سن مبكر كانت إيمانا مني بما أفعل، ولم تكن خيارا،فأحيانا لا يكون هناك أكثر ألم من الكتابة. س- عرفت أنك منطوية على نفسك؟ ج- لا أخالط المثقفين، هذه تهمة قديمة و جاهزة،ابتعدت عما يُسمى بالاجتماعيات،هروب من العبث و من أشياء كثيرة، لست منطوية اجتماعيا، بل أن ثرثارة خاصة عندما أكون مرتاحة، وأنا بسيطة كمطر الربيع. س- لديك فائض كبير من العاطفة،هل سبب ذلك ظروف خاصة؟
ج- توفي والدي و لم أره، حيث كان عمري 18 شهرا، وجاءت والدتي لتكون قديسة و تبقى وفية لذكرى أبي، وأشعر أنا أن الكتابة هي التي أملكها لأُفرغ فيها عاطفتي، والحب بالنسبة لي عملية بناء أو اقتباس،هي جزء لا يتجزأ من قلمي و من شخصي ،أنا عاشقة باستمرار،وعاطفتي أفرغها في كتابتي. س- عاشقة لماذا؟ ج- لكل شيء.. للألم .. للحب.. للحياة.. حتى للمجهول الذي يزعج الآخرين أحيانا أميل إليه و أعشقه. س- ذكرت أن أمك قديسة، كيف تتحدثين عن علاقتك بها؟ ج- إنها علاقة مثالية و هي في حياتي كل شيء. س- هل تقرأين لأمك؟ ج- لا.. س- لماذا ؟ ج-لا أعرف .. لا أعرف. س- لنتحدث عن رواية " بحر الصمت" ، كيف جاءت فكرة الرواية ؟ ج- صعب جدا هذا السؤال، لكن أقول أن الفكرة جاءت من يومياتي، من إحساسي بالقرف من أشياء كثيرة، جاءت من حزني مقابل مدينة منهارة، جاءت من تاريخ لا أعرف من أين نقرأ بداياته، جاءت من رفضي للأشياء الجاهزة،ومن جزائريتي. س- متى كنت تكتبين؟ ج- كنت أكتب على وقع الرصاص. س- كيف ذلك؟ ج- لدي آلة كاتبة، كنت أبدأ بالطباعة عليها في حدود السابعة مساء، ونحن في حيينا " أعالي بوزريعة " هناك منع للتجول غير مُعلن، فعندما أبدأ بالكتابة كان هناك صوت آلتي الكتابة و صوت الرصاص في الخارج. س- كتبت على وقع الرصاص ،فهل هناك تأريخ لتلك المرحلة؟ ج- نعم.. هي الرواية القادمة،أعتقد أنها ستكون رصاصية، وأنا عاكفة على كتابتها. س- ما اسمها؟
ج- أحزان امرأة من برج الميزان. س- الشخصيات الموجودة في روايتك هي جزء من حياتك؟ ج- إذا حصل تشابه فهو من باب الصدفة. س- لكن شخصية بلقاسم في روايتك بحر الصمت لها خصوصية معينة؟ ج- سؤالك أربكني ، بلقاسم هو شخصية يومية،هو الإرهابي الحالي " أناس تبنوا فكرة جهادية معينة وذهبوا وراءها، صنعوا إمارة" بلقاسم باعتقادي هو جزء مما قلت، و عندما كتبت بلقاسم فكرت بتبييض الأموال و تبييض الرجال. س- لكن بلقاسم شخصية مبتورة؟ ج- من الصعب علي أن أقول أني أردت بتره ، الكتابة جاءت في هذا الشكل، وأعتقد أني قلت فيها أشياء كثيرة، ما كتبته هو ما نشرته،و لو كان لدي رغبة في الدخول بعمق أكبر في شخصية بلقاسم لكتبت بانفتاح أكبر.
فالكتابة عشق،لحظة حب، أكتب ما أشعر به اللحظة التي أكتب لأوصل رسائلي عارية، كما هي ،ولكن في النهاية أريدها جميلة.

س- ما رأيك بكتابة جيلك؟ ج- جيلي ضحية كبيرة في مجتمع معقد و متناقض، ضحية صراعات سياسية، ومع ذلك جيلي صمم على الكتابة، على أن يكون متميزا في واقع مخيف و مرعب. س- من أهم الروائيين الذين تقرأين لهم؟ ج- نجيب محفوظ ، أحلام مستغانمي، وأقرأ محمود درويش الذي أنحاز له بدرجة كبيرة.و بالنسبة للخليج أقرا لليلى العثمان ،وعيد الله الجفري ،ولدي علاقات جيدة مع كتاب خليجيين من جيلي. س- تمارسين عملك الصحفي من خلال كتابتك في السياسة ،فهل نتحدث بالسياسة قليلا بعيدا عن الأدب و نسألك،ما رأيك بأحداث 11 سبتمبر؟ ج- أعتقد أنها مؤامرة كبيرة ضدنا كبسطاء وكمسلمين، اعتقد ان التساؤل ..ماذا بعد 11سبتمبر،الذي أجاب عنه شارون، أنا أعتقد أن 11 سبتمبر هي انهيار للكثير من الثوابت ،بما فيها العلاقات الإنسانية.أشعر أن هناك خيانة كبيرة ،خنا فلسطين .. خيانة جماعية. س- هل لديك موقف من الإسلام السياسي؟ ج- التجربة الجزائرية أثبتت أن الإسلام السياسي هو طريق إلى العنف، سواء كان العنف من الإسلاميين أنفسهم أو من غيرهم،اليوم بالذات لا أعتقد أن الإسلاميين مشروع حقيقي خارج ما يرفضونه " ديمقراطية أو تعايش". س-ياسمينة صالح ماذا تريد أن تقول؟ ج- عندما نخاف لا داعي للحياة. * الروائية ياسمينة صالح الحاصلة على عدة جوائز في القصة القصيرة من السعودية وتونس وفرنسا.و تحصلت على جائزة متالك حداد عن روايتها بحر الصمت،كما لها كتاب قصص قصيرة تحت اسم كلمات من وطن. ياسمينة صالح من مواليد 1968 و حاصلة على ليسانس في علم الاجتماع من جامعة الجزائر عام 1995.