ياسمينة صالح: أوطاننا فارغة من الأمنيات

التقتها باسمة حامد
القلم الجميل

ياسمينة صالح الروائية الجزائرية الجميلة والمشاغبة، الأديبة التي تقول كلمتها وتمضي، وقد نالت صالح العديد من الجوائز الأدبية وتصر على أنها تكتب لأجل نفسها، وأن الناقد المهم والوحيد في حياتها هو القارئ الذي تلتقيه باستمرار يوميا عبر كتاباتها على الانترنت.
التقيناها في هذا الحوار الصريح والحصري بعد أن وقّعت قبل أيام على عقد ترجمة روايتها إلى الفرنسية.

* نبارك لك توقيعك على عقد الترجمة، ولكن هل يمكن النظر الى الترجمة على أنها محطة مصيرية بالنسبة للكاتب؟ - محطة مهمة ولكنها ليست مصيرية، أعتبر أن الترجمة هي الوصول إلى قارئ آخر بلغة أخرى وبهذا فهي مهمة، أما مصيرية فلا أظن. نجيب محفوظ ترجمت كتبه بشكل شامل بعد جائزة نوبل، ناهيك على أن كتبه لم تكن توزع بأكثر من 4000 نسخة في الطبعة الواحدة، يعني في النهاية أريد أن أقول أن الترجمة لا تعني كل شيء، تعني محاولة قد تنجح في تقبل القارئ الآخر للعمل وقد تفشل تماما. * لنبدأ من أحدث أعمالك.. "وطن من زجاج" عمن يدافع وعلى من يطلق النار؟
- أنا لا أدافع عن شيء سوى ما أريد أن يكون وطنا نتعايش فيه خارج أيديولوجيات العنف والعنف المضاد، أما على ماذا أطلق النار، فأنا أطلق النار على كل أنواع الفساد القائم هنا أوهناك، على ما أراه متناقضا مع رغبة الناس في الحياة وفي العطاء، وسأرد على سؤالك بطريقة مباشرة الآن قائلة: أنا أدافع عن نفسي في وطن يطلق النار على الجميع!

* ياسمينة صالح.. إلى أي مدى كسر الوطن قلبك كما كسر قلوب أبطالك؟ - إلى أبعد حد، أنا من الناس الذين يعتبرون الوطن اليوم فارغا من الأمنيات، وأكرر أننا نتشارك اليوم في نفس الخيبة لأن أوطاننا جميعا صارت فارغة من الأمنيات ومن الدفء الحقيقي، لكن دعيني أقول أن علاقتي بالوطن ليست مشكلة، أي أن مشكلتي ليست مع الوطن قطعا، كونه وطني وكوني أتعايش معه بكل مفرداته وأبجدياته حتى حين أكون بعيده عنه، مشكلتي مع أولئك الذين يقودون الوطن إلى التهلكة، حتى في حالة التغيير يتحول التغيير إلى حالة انكسار شديدة، يصلك ارتطامها بالأرض بشكل مريع. أبطالي جزء من الوطن أيضا، أعتبر أن خيباتهم جزء من خيباتي ومن خيبات جيلي، لا يمكن القول أنهم أقل أوأكثر خيبة أوصدمة أوانكسار مني أمام ذواتهم أو أمام واقعهم ككل. * وحول العلاقة بين عالمي لصحافة والكتابة الروائية وهل فتحت لياسمينة صالح الصحافة أفقا آخر للاقتراب من الناس وبالتالي مكنتك من أدوات الرواية؟ - صدقيني مع تقديري للصحافة وتقديري لأدائها ودورها ولا تنسي أنني أيضا أشتغل في الصحافة، ولكني أعتقد أن الصحافة الجزائرية بالخصوص لم تكن عادلة لا معي ولا مع الأدباء الآخرين من جيلي، الصحافة تتعامل اليوم بمبدأ المقارنة بين المبدعين الشباب والمبدعين الآخرين، أنا نفسي أتعرض لهذه المقارنة، فمع أي عمل يصدر لي تتحول القراءة للكتاب إلى ما يشبه مقارنة بين كتابي وبين ما كتبته أحلام مستغانمي من قبل مثلا وهذا لا يؤثر علي لأن جيلي كله محل تشكيك وتقليل من قيمته أيضا، جيلي من الأدباء الجزائريين متهم بأنه جيل قاصر أدبيا، وما يهمني أنا هو أنني أكتب، متعتي الخاصة تكمن في الكتابة وبالتالي أعتبر أنني أمارس تلك المتعة دونما عقدة نقص إزاء نفسي أو إزاء الصحافة أيضا باعتبار أنني أعتز كثيرا برأي النقاد وأعتز برأي القراء أكثر.
يسرني كثيرا حين أقرأ كتاباتي منشورة وبشكل مكثف في منتديات ثقافية وأدبية كثيرة عبر الوطن العربي وسرني كثيرا أن أكثر من منتدى أدبي عربي كرمني بلقب "القلم الجميل"، وهذا طبعا أعتز به مثلما أعتز بكل نص أكتبه كيفما كان. * ثمة من يقول أن كل" أنثى مبدعة تحارب".. هل عانيت كامرأة كاتبة من ضيق المساحة المتاحة لك إبداعيا؟ - طبعا، اليوم من الصعب أن تجدي مساحة تكتبين فيها خارج جملة من التهم حين تكون الأديبة امرأة، وأحيانا تكون المرأة المبدعة هي التي تحارب المرأة وتحاصرها وتحاول إيقافها عن الكتابة بكل الوسائل بما فيها وسائل التشهير بها، لا شك أنني عانيت من ضيق المساحة المتاحة لي وأؤكد لك أن جيلي كله يعاني من الشيء نفسه، أي من ضيق المساحة المتاحة إليه ومن غياب الاهتمام ومن التجاهل العمدي أحيانا، ولكني لا أعتبر الكتابة في النهاية وجهة للشهرة، بدليل أنني لم ألجأ إلى الشهرة كما فعل غيري، أنا أكتب فقط. وضمن مساحتي الحالية أعتبر أنني أحتل مكانة يسعدني تقدير الناس فيها.

* يقال أن الكتابة في ظروف الحرب كالكتابة بالزجاج على جسد دامي.. هل تعيشين كجزائرية هذا الزجاج والدم في ظروف كتلك التي تعانيها الجزائر؟ - في الجزائر كل شيء يمكن القيام به ما عدا الكتابة، هي الحالة التي أعتقد أنها تنطبق على الواقع العربي عموما، الكاتب كائن مشبوه مسبقا لأنه كاتب (أي كاذب من منظور السياسي). ولأن الحكام لا يحبون الكاتب يقومون بتكذيبهم عبر تقليم أظافرهم، لهذا كل كاتب عربي هو مشروع بائس مشبوه قانونيا.
* وعن عودة العنف المباشر إلى البلاد، هل هناك مخاوف لدى المبدعين الجزائريين؟ - لم يغب العنف ليعود!

* دعيني أسألك الآن.. هل قرأ المتلقي أعمالك كما أردت لها أن تقرأ؟ - تأملت أمس خبرا في نشرة الثامنة، عن بيع لوحة في المزاد العلني لفان غوغ، بمليون دولار، لعل فان غوغ الذي كان بحاجة إلى الخبز والألوان الزيتية وقتها، لو سمع بهذا لانتحر من جديد، هو الذي لم يكن يبحث عن الشهرة، لكنه مات حزينا ومنبوذا وبائسا. اليوم تباع لوحاته بالملايين وينال الملايين ورثته الوهميون، أنا لا أنتظر في الحقيقة ما يمكن أن يسميه أي كاتب آخر شهرة أومكانة كبيرة. كل أديب عربي هومشروع بائس حتى لوأصدر مائة كتاب، أتذكر الأخت الصديقة الراحلة مليكة مستظرف التي تعرضت لكل أنواع العزلة وهي على قيد الحياة، وعوملت إبداعاتها بمنتهى الإجحاف والسطحية، وبعد موتها صار الجميع يتكلم عنها كما لو أنهم اكتشفوها ميتة أكثر مما اكتشفوها وهي على قيد الحياة، هي التي كانت تتمنى أن يسأل عنها شخص بود وحب، صاروا يفكرون في تنظيم الملتقيات باسمها ويفكرون في جوائز أدبية تحمل اسمها ويفكرون في طريقة مناسبة لتكريمها وقد رحلت حزينة ومتعبة حد الموت. الشيء نفسه حدث مع الأخ الصديق أسد محمد رحمة الله عليه الذي همش كثيرا في حياته واليوم يتم تبادل تجاربه بطريقة كان هو يحلم أن تقام في حياته وليس في موته. نحن في الحقيقة نفضل الأديب ميتا لنبكيه ونمدحه ونحكي عن خصاله وننصفه أخيرا، ولهذا لا أتسرع في الشهرة. ستأتيني بعد الموت. * كثير من النقاد يقولون أن الروائي العظيم هو الذي يكتب أعماله بلغة راقية أقرب ما تكون إلى لغة الشعر إن لم تكن هي الشعر نفسه. ما تعليقك على ذلك باعتبارك تكتبين الرواية بأسلوب أقرب إلى اللغة الشعرية، أيضا وفي السياق نفسه هل من الممكن أن نقرأ لك دواوين شعرية مستقبلا؟ - هذا السؤال يفتح أمامي أكثر من وجهة للرد، سأقول لك أن الشعر صار تهمة كبيرة في أي عمل روائي جديد، عندنا في الجزائر مثلا من يصدر رواية شاعرية يتهم بأنه يقلد أحلام مستغانمي مثلا، وأحلام نفسها اتهمت بأنها تقلد نزار قباني، بالرغم من أن أحلام شاعرة أصيلة بكل المعاني، يعني الشعر في العمل الروائي صار تهمة جاهزة من قبل ومن بعد، ولهذا أنا أكتب كما أكتب وبالطريقة التي أكتب بها، أكتب بلغة أعتبرها الأقرب مني إلي. أما عن الشطر الثاني من السؤال فأنا عمري ما فكرت في كتابة الشعر، الشعر عالم جميل وصعب ومستحيل أيضا، الشاعر كائن جميل بكل المعاني، ولهذا من الصعب مجاراته، بعض النصوص القصيرة التي كتبتها في الفترة الأخيرة، وجدتها في مواقع كثيرة وأغلبها مواقع تابعة للمقاومة الفلسطينية والعراقية تحت خانة الشعر، وكنت كل مرة أكتب رسالة إلى أصحاب المواقع لحذف عبارة "قصيدة" ليس لشيء سوى لأني أحترم القصيدة ونصوصي القصيرة أحب أن أسميها لوحات أدبية أو جداريات أدبية ليس أكثر. * ثمة شعور ما يتولد لدى القارئ بأنك صديقة دائمة للغربة.. كيف تفسر ياسمينة صالح ذلك؟ - كلنا أصدقاء دائمون للغربة، كلنا، لا أحد يدعي اليوم انه خارج الغربة حتى لو كان وسط أهله وفي بلده. غربتي أنا مرتبطة بأشياء كثيرة ومتداخلة، بالمكان وبالزمان وبالواقع وبكل شيء قد نجد مسمياته فيما بعد ولهذا نشترك جميعنا في ذلك الإحساس بالشتات والغربة. * نستشعر أن هنالك عشقا خاصا بداخلك لدمشق وربما عبرت عن هذا العشق أكثر من مرة في أعمالك وحواراتك، ما سر هذا العشق ومتى بدأ؟ - دمشق مدينة المدائن في نظري، لا أنكر أنني أحبها كثيرا. متى بدأت أحبها؟ لست أدري، ربما منذ ألف عام، أشعر بحميمية غريبة بيني وبين دمشق، ربما بشكل يجعلني أنا نفسي أبحث عن السبب، علاقتي بالسوريين جيدة جدا حتى أولئك الذين لا يعرفونني أولا أعرفهم أشعر أنني أحبهم. * بعد "وطن من زجاج"، ماذا تكتبين؟ - دعيني أقول لك أن كل رواية أنتهي منها تصبح خارج مداري، بمعنى أنني لا أتوقف عندها، بل أجدني ألتفت إلى نص آخر أو رواية جديدة، حاليا أنا بصدد كتابة رواية جديدة، أعتقد أنها ستكون مختلفة عن كل ما كتبته. * ماذا تقولين للقارئ في المشرق العربي؟ - أقول أننا بأخطائنا نحاول الاجتهاد، وأننا ننتمي في النهاية إلى نفس الوجع سواء كنا أدباء أو مواطنين مهضومة حقوقهم المدنية والإنسانية، نسعى إلى التغيير ونحلم به، ونبحث عن البديل الذي لا يخدش عروبتنا ولا ديننا ولا مقوماتنا.

باسمة حامد

a-hamed@scs-net.org